«الزمن الجميل».. هل يبقى أضعف الإيمان؟
تاريخ النشر: 3rd, November 2024 GMT
هل يمكن وصف الـ«الذاكرة الاجتماعية» بأنها الحاضنة الأبقى لكل ما هو متعلق بالمجتمع الإنساني؟ هل هناك معززات من شأنها أن تحافظ على بقاء الأداء لهذه الذاكرة، وما مدى ذلك؟ ما هو نصيب الفرد من هذه الذاكرة، وهل هو يستشعرها بالفعل كممارسة على أرض الواقع، أم أنها تبقى مفهومًا علميًا هو فـي يد أهل الاختصاص فقط؟ إلى أي مدى يمكن أن تحافظ الـ«الذاكرة الاجتماعية» على تألقها لتقوم بكامل الدور المنوط منها؟ وماذا عن مستوى التغييرات التي يعيشها أفراد المجتمع فـي إرباك الـ«الذاكرة الاجتماعية» فـيؤثر على أدائها المتوقع؟ هل يلعب التاريخ فـي بعديه المادي والمعنوي فـي تعزيز الدور الذي تقوم به الـ«الذاكرة الاجتماعية»؟ وهل هناك علاقة عضوية متبادلة بين الطرفـين؟ لماذا يتأثر الناس -غالبا- عندما يزال موقعا أثريا عن مكانه وإلى الأبد هل لذلك التأثر علاقة بالمخيلة الاجتماعية؟ وبمعنى آخر هل تعيش الذاكرة الاجتماعية قلقا دائما للحفاظ على كينوناتها من مثل هذه الأرصدة فـي بعدي التاريخ المادي والمعنوي؟ وهل ذلك ينطبق أيضا على اختفاء بعض القيم الإنسانية التي ينظر إليها بكثير من الاهتمام؟ هل هناك ثمة علاقة بين الهوية والـ«الذاكرة الاجتماعية» وأيهما يخدم الآخر أكثر؟ نسمع كثيرا جملة «الزمن الجميل» مع أننا فـي لحظتنا الآنية لم نعش ذلك الزمن الذي يوصف بـ«الجميل» ترى من صدر هذا الوصف وأنزله على الذاكرة حتى استحسنته «وصفًا» دون أن تعيش تفاصيله الدقيقة هل هذا من فعل الـ«الذاكرة الاجتماعية» أيضا؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل وقعت هذه الذاكرة فـي مأزق التحايل على الحقيقة؟ لأن الأزمان لن تكون جميلة بالمطلق، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس من الواقعية فـي شيء أن نجزم ببساطة الأشياء وتواضعها على أنها معبرة عن زمن جميل، فقد يكون الزمن قاسيًا بكل ما تعنيه الكلمة، فمن إذن يكون له حق التقييم فـي النفـي أو الجزم بذلك؟ ولذلك يأتي السؤال الختامي لهذه المقدمة الاستفهامية هل يبقى «الزمن الجميل» أضعف الإيمان لرصيد «الذاكرة الاجتماعية» موضوع هذه المناقشة؟ من يأمن الذاكرة؟ ومن يأمن الزمن؟ ومن يأمن الظروف التي استغلتها الذاكرة فـي تحايلها على الزمن؟ فالذاكرة لا تكتب تاريخها بعيدة عن الزمن المنجز، والزمن لا يخلد أفعاله اعتمادا على الذاكرة فقط، وإلا لضاعت الكثير من الثوابت، والكثير من القيم المعرفـية، والكثير من حقائق الأشياء، والكثير مما بذله الناس فـي أزمان صعبة، وما كان له أن يتحقق لولا هذا الحرص الإنساني على أن يكون له أثر ما، فـي لحظة زمنية فارقة، إذن من يكتب التاريخ؟ الفرد الجماعة الأثر الباقي «الشاهد» والمعبر عن أن هنا جهد إنساني بذل فـي هذا المكان بالذات؟ لذلك يقال: إن الأزمان تكتب تاريخها حتى فـي أحلك الظروف التي تمر بها الإنسانية، وأحلك الظروف هنا (الجهل/ الفقر/ عدم الاستقرار/ الاستعمار) حيث لا تستطيع الإنسانية تجميع قواها لكتابة التاريخ، فالبلدان التي ترزح تحت وطأة هذه الظروف مجتمعة أو متفرقة، لا يستطيع إنسانها أن يكتب تاريخ لحظته بصورة أكثر دقة، وبأريحية تامة، فهو يعاني من ذات اللحظة الزمنية الفارقة فـي حياته، من كثير من الارتباك، والقلق، وعدم التوازن، ولأن الشعوب غالبا لا تخضع كثيرا لاستمرار حالات أحلك الظروف، فإنها سرعان ما تنتفض على أي شيء ترى أنه سوف يقيد حركتها عن رصد تاريخها والكتابة فـيه، وتجميع حمولته المعرفـية وإلحاقها بالذاكرة، ولا يضعف إلى الحد الذي يكون فـيه لقمة سائغة للغريب، فالأرصدة الاجتماعية لا يجب أن يكون بين مجموعها ومجموعها فترة زمنية قاطعة، فالتاريخ متواصل بفعل الزمن، فكما الزمن لا يستريح فـي استمراريته، فكذلك التاريخ لا يتوقف فـي إنجاز أبنائه، وكذلك الـ«الذاكرة الاجتماعية» الدفعات المتقطعة مما هو منجز؛ لأنه بهذا الرصد المتواصل تؤصل هوية إنسان/ شعب/ مجتمع/ أمة فـي يوم ما، ليكون لكل ذلك تاريخ يكتب بماء الذهب.
هنا تنجز الهوية مع الـ«الذاكرة الاجتماعية» مستحقا إنسانيا، لا يمكن تجاوزه، ولذا لا تستغرب إن عرفت يوما ما أن هناك من اكتشف «وثيقة» تاريخية فـي أحد متاحف العالم تسجل لك سبقا زمنيا منجزا فـي أمر ما من أمور حياة من سبقوك، ولأن هذه الـ«وثيقة» هويتها لك، وجذورها تعود إلى بلدك، وإلى أمتك، وإلى وطنك، وإلى جغرافـيتك، إذن وفـي هذه الحالة فهي أنت، وأنت هي، وبالتالي فلا يستغرب إطلاقا أن تدفع مقابل أن تعود هذه الـ«وثيقة» إلى حيث جذرها الأصل، ولن ترتاح - وأنت صاحب القرار - أن تظل هذه الـ«وثيقة» فـي غربتها، وإلا عد ذلك نقيصة فـيك، وإنكارا لأهم مكونات تاريخك الذي ستدافع عنه بكل شراسة، فـي حالتي السلم والحرب، حيث لا تذوب الهويات فـي أيهما، ولا يتماهى الانتماء فـي أي منهما أيضا، ولعل هنا يتضح المعنى أكثر فـي تسمية «الزمن الجميل» لأنك امتداد له، وإلا ما الذي يجبرك على أن تحرص على عودة الوثيقة إلى حيث منشأها الأول، حيث أنت تقبع الآن؟ ينطلق أداء الذاكرة الاجتماعية بوهج غير مسبوق من خلال ما يحرص الناس على بقائه، واستمراره، حتى ولو كان هذا الأمر لا يتوافق مع عصره، وهنا تتسلل الهويات لتوقظ فـي الأنفس الارتهان على البقاء، وأن هذا البقاء لن يكون إلا من خلال هذا الذكر، ومن خلال هذا التبني، ومن خلال هذا التخيل، ولذلك فجملة «الزمن الجميل» لم تأت من فراغ الذاكرة الاجتماعية، بل من ثرائها المعرفـي، وثرائها القيمي، وثرائها التاريخي، حتى وإن لم تعش هذه الأنفس شيئا من هذا الجمال الذي تتحدث عنه مع أي مشهد يعيد إلى الـ«الذاكرة الاجتماعية» شيئا من ألقها الذي كان، سواء تمثل هذا الذكر فـي هذه الجملة، أو فـي اقتناء شيء من الموروث، أو الالتحام مع القناعة الذاهبة إلى تأصيل ما تبقى فـي هذه الذاكرة، ومن هنا يأتي أسف الناس على إزالة الشواهد التاريخية والأثرية، ويعد ذلك نكرانا صريحا لما أهداه إلينا الزمن الجميل، وللقناعة الموجودة، أن ما أزيل لا يمكن تعويضه، وما تهشم وتغيرت ملامحه لا يمكن إعادته على ما كان عليه، وقد زرت بلدا عربيا تعرض لاستعمار طويل، وكان من محاسن هذا الاستعمار عند انسحابه لم يهدم ما أقامه من جمال العمارة، هذه العمارة وهي رصيد تاريخي بلا منازع لهذا البلد يتعرض اليوم للتشويه حيث ما يتهدم منه، لم يعاد على صورته الأصل، فأصبحت المباني مشوهة، بالترقيع الفاضح فـي تشويهه، لذلك لا تستسيغ الـ«الذاكرة الاجتماعية» هذا التشويه، وترى فـي استمراره ضربة قاسية لحقيقة حياة كانت بغض النظر عن جماليتها أو قبحها، فذلك نصيب زمنها الذي كان، ونصيب فردها أو جماعتها الذين كانوا، ولذلك يتم الحكم اليوم على الخلاصة التي وصلت إلينا، دون الدخول فـي التفاصيل، وهي تبقى فعلا «أضعف الإيمان».
يمكن القول هنا أن الـ«الذاكرة الاجتماعية» ليست فقط للقيم الاجتماعية المُؤْمَنُ بأهميتها، وليست فقط للعادات والتقاليد المتوارثة، وليست فقط لشيء من العمارة الاجتماعية التي التصقت جدران مبانيها بعضها على بعض للتعبير عن اللحمة الاجتماعية، وعن لهاث الأنفس الدالة على التقارب والتآزر، والتواد، وليست فقط لأحوال الناس فـي زمن ما دون غيره، وليست فقط لشواهد حالات الفقر والغنى، والتآلف والتصادم، والوفاق والتنازع، وليست فقط لدروب القرية وسككها، وسواقي الحقول والبيادر ومزارعها، وليست فقط لمجلس القرية ومسجدها ومدرسة تعليمها، وإنما لكل ذلك دون استثناء، كما هو حال كرة الثلج المتضخمة، والتي إن جار عليها الزمن وأصابها شيء من التشظي تناثرت قطعا، ليس يسيرا لملمتها، فالزمن لا يعطي دائما فرصة التحام الأجزاء على بعضها لتعود الصورة كما كانت قبل نيف من الزمان.
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفـي عماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الزمن الجمیل هذه الذاکرة ولیست فقط من خلال
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.