بروفيسور حسن بشير محمد نور

يلعب المجتمع المدني السوداني دورًا حيويًا في التعامل مع تداعيات الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وخاصة في ظل التفكك الواضح للدولة وغياب آليات الحماية الحكومية، إذ من الواضح ان السودان في حالة لا دولة مهما عملت حكومة الأمر الواقع فهي في دوامة وسط رمال حارقة متحركة. من أبرز جوانب هذا الدور ما يلي:

1.

الرصد والتوثيق
تقوم منظمات المجتمع المدني بتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون من جرائم الحرب وعنف جنسي وتهجير قسري وغيرها، ما يساعد في توفير أدلة للضغط على المجتمع الدولي ولإعداد ملفات لمحاكمات مستقبلية. يمكن للمجتمع المدني العمل على إصدار تقارير توثيقية دورية حول هذه الانتهاكات، وتقديمها لمنظمات حقوق الإنسان الدولية كالأمم المتحدة ومنظمات العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش". وغيرها من المنظمات المختصة.

2. تقديم الدعم النفسي والمساعدات الإنسانية
تعمل المنظمات الشبابية والنسوية والمهنية على تقديم الدعم النفسي للضحايا وخاصة النساء والأطفال الذين تأثروا بالعنف والنزوح. بالإضافة إلى ذلك، يساهم المجتمع المدني في توفير المساعدات الإنسانية مثل الغذاء والمأوى في المناطق التي يصعب الوصول إليها. والان تلعب لجان المقاومة دورا مهما في هذا الشأن عبر لجان الطواريء والخدمات.

3. التوعية وبناء السلام المجتمعي والتصدي لخطاب الكراهية.
تساهم منظمات المجتمع المدني في حملات التوعية بهدف تخفيف التوترات القبلية والنزاعات المحلية وخطاب الكراهية، التي يمكن أن تزيد من تفاقم الصراع وتحوله لحرب اهلية قاصمة للظهر، خاصة مع غياب مؤسسات الدولة. بذلك تعمل هذه الكيانات علي تعزيز التعايش السلمي من خلال برامج الحوار المجتمعي وتدريب القيادات الشبابية والمجتمعية، وتنظيم فعاليات ثقافية ورياضية تجمع الناس من مختلف المكونات العرقية والاجتماعية. ويمكن للمجتمعات المحلية بمختلف اشكالها لعب دورا مهما عبر الادارات الاهلية والطرق الصوفية ومجالس الصلح الاهلي.

4. المناصرة والضغط الدولي
يستطيع المجتمع المدني استخدام أدوات المناصرة لنقل صورة واضحة للمجتمع الدولي حول حجم الانتهاكات، من خلال تنظيم لقاءات عبر الإنترنت مع منظمات دولية، والمشاركة في جلسات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والتواصل مع الحكومات الأجنبية لإبقاء ملف السودان ضمن أولوياتها الساخنة.

5. ملء الفراغ الحكومي وتقديم خدمات مجتمعية
في ظل غياب الحكومة، يمكن للمجتمع المدني المساهمة في تقديم بعض الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليمية بشكل مؤقت. كما يمكن للمجتمع المدني التواصل مع منظمات دولية معنية بتوفير هذه الخدمات للحصول على دعم مالي ولوجستي يساعدهم في ملء هذا الفراغ. وهنا يمكن للمؤسسات الاكاديمية والجامعات ومراكزالبحوث الاطلاع بدور فعال، اذا تبنت نهجا موضوعيا خارج التقييد الاداري لعملها، خاصة من حيث ارتباطها بالتمويل الداخلي الذي يقيد حركتها كمؤسسات وومبادرة منتسبيها علي حد سواء.

6. التواصل مع المجتمع الدولي
المجتمع المدني يمكنه ايضا إنشاء شبكة تواصل قوية مع الجهات الدولية والاقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ودول الترويكا، والمجموعات الاقليمية، والأمم المتحدة. هذه الشبكات تساهم في تأمين دعم سياسي وإنساني للسودان، والتأكيد على أن المعاناة المستمرة تحتل اهتمامًا دوليًا حيويا ومستمرا.
توجد العديد من المنظمات الشبابية والنسوية والمهنية ومكونات المجتمعات المحلية التي يمكن ان تطلع بذلك الدور، منها بالاضافة للجان المقاومة وازرعها، منظمات نسوية مثل نساء من أجل التغيير مثلا، التي تركز على قضايا المرأة ودعمها في مواجهة العنف الجنسي وتحقيق حقوقها. اضافة لتجمع المهنيين السودانيين عبر اللجان المهنية التي تلعب دورًا بارزًا في المناصرة والضغط، وقد ساهم في قيادة الحراك السلمي خلال ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، رغم حاجته لتضميد جراحه واعادة وحدته وتماسكه. رغم ذلك هناك إجسام مهنية فاعلة مثل المحامين بمختلف مكوناتهم ونقابات الصحفيين والاطباء التي تقوم بدور فعال في الرصد والمتابعة والمناصرة والدعم بمختلف اشكاله.
يضاف لذلك منظمات المجتمع المحلي كما أشرنا سابقا التي تلعب دورًا مهما في تعزيز السلم المجتمعي وتقديم الدعم الإنساني والخدمات الأساسية في مناطق النزاع. هذا بالطبع يسهم في سد الفراغ الحكومي وعدم قدرة الأحزاب السياسية علي العمل بشكل فعال بسبب التضييق الخطير علي نشاطها من مختلف اطراف الحرب.
بهذا نجد ان المجتمع المدني السوداني يمثل أداة فعالة يمكنها المساهمة في توثيق وحماية حقوق الإنسان وتحقيق السلام والأمن الاجتماعي، لكنه يحتاج إلى دعم من المجتمع الدولي لتعزيز إمكانياته وضمان أن تصل رسالته للعالم.

mnhassanb8@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: المجتمع المدنی

إقرأ أيضاً:

خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان

 

ناقشت حلقة جديدة من برنامج «محور السودان» على قناة «DW» الألمانية (دويتشه فيله) التحركات الدبلوماسية الأخيرة لمصر والمملكة العربية السعودية، في عدد من دول المنطقة، بينها السودان وليبيا وإثيوبيا والصومال، وما إذا كانت تعكس تحولًا في مقاربة البلدين للحرب في السودان، خاصة فيما يتعلق بتضييق مسارات الدعم اللوجستي والتمويل لقوات «الدعم السريع».

الخرطوم ــ التغيير

وشارك في الحلقة رئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني، والكاتب والمحلل المتخصص في الشأن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، والخبير الاستراتيجي الدكتور أمية يوسف، حيث تناولوا التطورات الإقليمية وانعكاساتها المحتملة على مسار الصراع في السودان.

تحركات دبلوماسية

ورأى المشاركون أن الأشهر الأخيرة شهدت نشاطًا دبلوماسيًا سعوديًا ومصريًا لافتًا تجاه الملف السوداني، معتبرين أن هذا الحراك قد يعكس اهتمامًا أكبر بتقليص خطوط الإمداد التي تعتمد عليها قوات «الدعم السريع».

وقال الدكتور أمية يوسف إن السعودية أبدت، خلال الفترة الماضية، اهتمامًا متزايدًا بالأزمة السودانية مقارنة بالمراحل السابقة، مشيرًا إلى أن هذا التحول يرتبط بحسابات أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم.

وأضاف أن مصر حافظت على موقفها الداعم للجيش السوداني منذ اندلاع الحرب، لكنها أجرت، بحسب تقديره، تعديلات في أساليب إدارة الملف بما يتناسب مع التطورات الميدانية.

ليبيا وخطوط الإمداد

كما ناقشت الحلقة تقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط مصرية وسعودية على قائد القوات المسيطرة على شرق ليبيا، خليفة حفتر، لوقف أي دعم عسكري أو لوجستي يصل إلى قوات «الدعم السريع» عبر الحدود الليبية.

وأشار عثمان ميرغني إلى أن القاهرة كثفت اتصالاتها مع الجانب الليبي عقب تداول تقارير عن استمرار تدفق شحنات أسلحة عبر الأراضي الليبية، بينما رأى عبد المنعم أبو إدريس أن هذه التحركات تستهدف إغلاق أحد أهم منافذ الإمداد المؤثرة في مسار الحرب.

إثيوبيا والقرن الأفريقي

وتطرقت الحلقة إلى العلاقات بين السعودية وإثيوبيا، وما تردد عن وجود تباينات في وجهات النظر بشأن الأزمة السودانية والعلاقات الإثيوبية مع الإمارات.

واعتبر الدكتور أمية يوسف أن الرياض تسعى إلى تعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي، مشيرًا إلى أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السعودي إلى أديس أبابا حملت رسائل تتعلق بالملف السوداني، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، من بينها سد النهضة.

في المقابل، رأى عبد المنعم أبو إدريس أن التحديات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا قد تحد من قدرتها على المناورة في ملفات المنطقة، بما في ذلك الأزمة السودانية.

الدور التركي والتطورات الميدانية

وتوقفت الحلقة عند تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز بشأن استخدام طائرات مسيّرة تركية في السودان، وهو ما لم تؤكده رسميًا القاهرة أو أنقرة.

ورأى عثمان ميرغني أن الجيش السوداني تمكن خلال الأشهر الماضية من تحقيق تقدم ميداني أسهم في تقليص بعض خطوط إمداد قوات «الدعم السريع»، مشددًا على أن استمرار دعم قدرات الجيش سيظل عاملًا مؤثرًا في مسار العمليات العسكرية.

الوسومإعادة رسم مسار الحرب المملكة العربية السعودية برنامج «محور السودان» تحركات إقليمية خبراء مصر

مقالات مشابهة

  • نائب رئيس دولة فلسطين يطالب المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال
  • فيلم النار التي بداخلك يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي
  • 8 دول عربية وإسلامية تهاجم إسرائيل وتدعو المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم
  • علي الدين هلال: نجاح الدولة الوطنية يرتبط بالتوازن بين الحكومة والمجتمع
  • علي الدين هلال: مكتسبات ثورة 23 يوليو لا تزال حاضرة في المجتمع
  • مسعود الفلك: المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع إيران ككتلة واحدة
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • قائم بالأعمال جديد يتسلم مهامه بسفارة السودان في لبنان ويبحث التحديات الإنسانية والحقوقية
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان