تدمير 69% من المباني و80 سنة لإعادة البناء| غزة تنزف رغم إنهاء الحرب.. وخبراء يرحبون بمقترح مصر لإعمار القطاع
تاريخ النشر: 23rd, January 2025 GMT
أظهر اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، الذي دخل حيز التنفيذ الأحد 19 يناير 2025، حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب التي استمرت 15 شهراً.
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن إعادة إعمار غزة ستحتاج إلى مليارات الدولارات وعقود من الزمن، وسط تحديات ضخمة تطال البنية التحتية، المساكن، والبيئة المعيشية للسكان.
ووفقًا لإحصاءات إسرائيلية، أدى هجوم المقاومة الفلسطينية في عملية "طوفان الأقصى" إلى مقتل 1200 شخص في مستوطنات غلاف غزة.
وفي المقابل، تشير وزارة الصحة في قطاع غزة إلى أن الهجمات الانتقامية الإسرائيلية أدت إلى استشهاد أكثر من 46 ألف فلسطيني، مع إصابة 111 ألف آخرين، وفقدان 11 ألف شخص، بينما تشير تقارير الدفاع المدني إلى أن 2842 شهيداً تبخرت أجسادهم تمامًا.
الركام.. تحديات ضخمةوأشارت الأمم المتحدة إلى أن إزالة 50 مليون طن من الركام الذي خلفته الحرب قد تستغرق 21 عامًا وتكلف حوالي 1.2 مليار دولار.
ويُعتقد أن الركام يحتوي على مواد خطرة مثل الأسبستوس، إضافة إلى احتمال وجود أشلاء بشرية، مما يزيد من تعقيد عملية الإزالة.
تكلفة ومدة إعادة الإعماروتُقدر تكلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب بحوالي 40 مليار دولار، وفق الأمم المتحدة.
ومن المتوقع أن تستغرق إعادة بناء جميع الوحدات السكنية المدمرة 80 عامًا، مما يعكس حجم الكارثة التي حلت بالقطاع.
ووفقًا لبيانات الأقمار الصناعية:
69% من مباني غزة، أي حوالي 170 ألف مبنى، دُمّر أو سُوي بالأرض. تضم هذه المباني 245 ألف وحدة سكنية، مما أدى إلى نزوح 1.8 مليون شخص بحاجة إلى مأوى. تقدر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بنحو 18.5 مليار دولار، حيث تعرضت 68% من شبكة الطرق وأكثر من ثلاثة أرباع إمدادات المياه لأضرار بالغة. الأمن الغذائي والزراعةوتضررت أكثر من 50% من الأراضي الزراعية في القطاع، مما أدى إلى تدهور إنتاج المحاصيل والخضروات.
وأشارت منظمة الأغذية والزراعة إلى نفوق أكثر من 15 ألف رأس ماشية، وهو ما يمثل 95% من إجمالي الماشية في غزة.
التعليم والصحة ودور العبادة تم تدمير أكثر من 200 منشأة حكومية، و136 مدرسة وجامعة، و823 مسجدًا، و3 كنائس. من أصل 36 وحدة طبية، تعمل الآن 17 وحدة فقط وبشكل جزئي. أكثر من 90% من المباني على الحدود الشرقية للقطاع، بما في ذلك 3500 مبنى، تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي.وإلى جانب الدمار المادي، أدى القصف المكثف إلى تلوث التربة والهواء، مما يعزز من خطر انتشار الأمراض والأوبئة.
ويواجه قطاع غزة تحديات هائلة لإعادة الإعمار، تتطلب دعمًا دوليًا كبيرًا واستجابة إنسانية عاجلة.
ومع الحاجة إلى مليارات الدولارات وخطط طويلة الأمد، يبقى الأمل معقودًا على الإرادة السياسية والمساعدات الدولية لتخفيف معاناة السكان وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفي هذا السياق، تحدث أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادي الفلسطيني بحركة فتح، الدكتور أيمن الرقب، عن أهم التحديات والحلول المقترحة لإعادة إعمار القطاع واستعادة الحياة الطبيعية فيه.
ويقول الرقب في تصريحات لـ “صدى البلد”، إن رفع الأنقاض يمثل أول التحديات الكبرى، حيث تقدر بآلاف الأطنان التي تحتوي على بقايا صواريخ وقنابل لم تنفجر، مما يشكل خطرًا كبيرًا.
وأوضح: "هناك مشكلة في تحديد مواقع نقل الأنقاض، حيث يُقترح التخلص منها عبر البحر أو إنشاء جزيرة صناعية. لكن هذا يتطلب معدات متخصصة وخطة واضحة لضمان سلامة العاملين والسكان".
وتابع الرقب: “بالإضافة إلى ذلك، تحتاج البنية التحتية لإعادة بناء شامل، من شق الطرق إلى إصلاح شبكات المياه والكهرباء، وسط تحديات تمويلية كبيرة".
وأكد الرقب أن تقديرات الخسائر الأولية تصل إلى ما بين 80 إلى 90 مليار دولار، فيما أشارت وزارة الاحتلال إلى أن خسائر القطاع بلغت 38 مليار دولار، وهو رقم يعتبره أقل من الواقع.
الاحتياجات الأساسيةوحسب الرقب، تتطلب إعادة إعمار غزة:
توفير الموارد المالية: عبر مؤتمر دولي يُدعى له المجتمع الدولي لتقديم دعم سخي.إيجاد حلول للإيواء: حيث تحتاج غزة إلى نصف مليون كرفان على الأقل بدلاً من الخيام، مع تجهيز مواقع خاصة لها بالبنية التحتية الأساسية.إعادة تشغيل الخدمات: تشمل المدارس والمشافي، لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.الآثار النفسية والاجتماعيةوشدد الرقب على أن التحديات لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي فقط، بل تمتد إلى الآثار النفسية التي خلّفتها الحرب على المواطنين، خصوصًا الأطفال.
وقال الرقب: "الحرب تركت آثارًا نفسية عميقة. لدينا جيل تعرض لصدمات نفسية كبيرة، وهناك نحو 20 ألف طفل يتيم بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي شامل".
وأوضح أن القطاع يعاني من انتشار الأمراض الجلدية وتلوث التربة والمياه بسبب الدمار، مما يزيد من معاناة السكان ويستدعي تدخلاً صحيًا عاجلًا، ومن الحلو المقترحة:
دعم دولي شامل: من خلال مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، بدعم من القاهرة ودول أخرى.مشاريع طويلة الأمد: تتضمن بناء البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وإنشاء برامج نفسية واجتماعية للأطفال والأسر المتضررة.إطار سياسي واضح: الضغط على الاحتلال لتحقيق حل سياسي يضمن استقرار القطاع ومنع تكرار المأساة.وأكد الرقب أهمية تبني خطة دولية تبدأ بحل سياسي وتنتهي بإعادة إعمار مادي ونفسي شامل، مشيرًا إلى أن أي جهود بدون أفق سياسي ستؤدي إلى تجدد المواجهات.
ويشدد الدكتور أيمن الرقب على أن إعادة إعمار غزة ليست مجرد مسألة مادية، بل تتطلب نهجًا شاملاً يعالج جذور الأزمة ويضع السكان على طريق التعافي. من خلال دعم دولي قوي ومشاريع مستدامة، يمكن للقطاع أن يتجاوز هذه المحنة ويعيد بناء مستقبله. ومع ذلك، تبقى الإرادة السياسية على المستوى الدولي مفتاح النجاح في تحقيق هذه الأهداف.
ومن جانب آخر، قال أستاذ النظم السياسية والقانون الدولي الفلسطيني، الدكتور جهاد أبولحية، إن إسرائيل دمرت أكثر من 80٪ من المباني السكنية والخدمية والبنى التحتية في قطاع غزة، ما خلف كميات هائلة من الركام تُعد من أبرز التحديات التي تواجه عملية إعادة الإعمار. ويُقدر حجم هذا الركام بنحو 40 مليون طن، ما يستدعي معدات ضخمة، وقتاً طويلاً، ومساحات كافية للتخلص منه.
وأضاف أبولحية في تصريحات لـ “صدى البلد”، أنه وفقًا لتقديرات المؤسسات المعنية، فإن إزالة الركام وحدها قد تستغرق حوالي 15 عاماً، وتُكلف عملية نقله أكثر من مليار دولار. أما إعادة بناء ما تم تدميره، فقد تتجاوز تكلفتها 45 مليار دولار، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم تقريبي نظراً لحجم الدمار الهائل.
ولفت أبولحية إلى أنه في ظل هذه الظروف، تُبذل جهود كبيرة لتوفير مساكن مؤقتة (كرفانات) وخيام لإيواء المواطنين الذين فقدوا منازلهم، إلى حين الانتهاء من إعادة الإعمار التي يُتوقع أن تكون طويلة المدى.
وأضاف: “إلى جانب التحديات المادية، يعاني سكان غزة – أطفالاً، نساءً، رجالاً، شيوخاً، وأطباء ومهندسين – من آثار نفسية عميقة خلفتها الحرب. لذا، من الضروري أن تضطلع المؤسسات الإنسانية الدولية بدورها في تقديم الدعم النفسي للمجتمع بأكمله”.
وتطرق أبولحية إلى التعليم، قائلًا إن "وزارة التعليم تعمل في غزة بالتعاون مع "الأونروا" على إعادة الطلبة إلى مقاعد الدراسة. وخلال الحرب، تم اعتماد التعليم عن بُعد عبر منصات إلكترونية، لكن عدداً كبيراً من الطلبة لم يتمكنوا من الالتحاق بها لعدم توفر الوسائل اللازمة. لذا، لا بديل عن التعليم الوجاهي، خصوصاً في المراحل الأساسية: الابتدائية، الإعدادية، والثانوية. ويتطلب ذلك إنشاء مدارس مؤقتة لتعويض المدارس التي دُمرت، وتأهيل تلك التي تعرضت لأضرار جزئية، على أن يبدأ التنفيذ فوراً لضمان انتظام الطلبة في العام الدراسي".
وتشدد على أنه “يجب على الدول والمؤسسات الدولية والمجتمعات كافة أن تقف مع الشعب الفلسطيني في غزة، وتسهم في تسريع عملية إعادة الإعمار. أي تأخير سيزيد من معاناة السكان. توفير الدعم المالي أمر ضروري لضمان استمرارية الإعمار بكفاءة”.
مقترح مصري لإعادة إعار غزةوأشار إلى أن “مصر اقترحت عبر وزير خارجيتها، عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة. ويُعتبر هذا المقترح خطوة مهمة ينبغي العمل على تنفيذها سريعاً لضمان التزام الدول المشاركة بعملية الإعمار. كما يمكن أن تُشكل لجنة خاصة، بالتنسيق مع المؤسسات الدولية والسلطة الفلسطينية، للإشراف على هذه الجهود وضمان تنفيذها بفاعلية”.
ولفت إلى أنه رغم ضبابية المشهد وحجم الدمار الهائل، يبقى التأكيد على نقطة أساسية في غاية الأهمية هي: ضرورة وجود إرادة سياسية دولية حقيقية لإعادة الإعمار. فإذا توفرت هذه الإرادة إلى جانب الدعم المالي المطلوب، فإن شعبنا قادر على تحقيق إنجازات مبهرة وإعادة بناء القطاع بسرعة فائقة، متحدياً كل التوقعات، لأن البناء والعمل هما السبيل الوحيد أمامنا.
وقال أبولحية، إنه إلى جانب إعادة الإعمار، لابد من إطلاق مسار سياسي حقيقي يضمن عدم تكرار الحروب، ويستند إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، والرأي الاستشاري الأخير لمحكمة العدل الدولية الذي يدعم حق شعبنا في تقرير المصير، إقامة دولة مستقلة، وإزالة آثار الاحتلال. دون تحقيق هذا المسار السياسي، سنظل عالقين في دائرة الصراع بلا نهاية.
واختتم: “بعد عقود من النضال والمعاناة، حان الوقت للتوصل إلى حل سياسي عادل وشامل لقضيتنا. يجب على المجتمع الدولي العمل على تنفيذ كل ما أُقر من قرارات دولية تضمن حقوق شعبنا المشروعة وتضع حداً لهذا الوضع المأساوي المستمر”.
وقال المفوض العام للهيئة العليا للعشائر عاكف المصري، إن مستقبل قطاع غزة يعتمد بشكل أساسي على تحقيق توافق فلسطيني بين الفصائل المختلفة، مشيرًا إلى وجود مقترح مصري مطروح لتشكيل لجنة الإسناد المجتمعي بتوافق وطني، تعمل لفترة مؤقتة على إغاثة القطاع وإعادة الإعمار، تمهيدًا لإجراء انتخابات عامة يختار من خلالها الشعب الفلسطيني ممثليه بشكل ديمقراطي.
وأضاف المصري في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الانتخابات العامة تُعد استحقاقًا وطنيًا طال انتظاره، ولا يمكن تحقيق أي تقدم دون إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني. وشدد على أن غياب التوافق الوطني سيؤدي إلى استمرار الأزمة، مما يضع غزة أمام نفق مظلم ومستقبل مجهول.
واختتم المصري، بالدعوة إلى التوافق الوطني وإنهاء الانقسام، مؤكدًا على ضرورة تغليب المصلحة الوطنية العليا على كافة المصالح الحزبية والشخصية الضيقة لضمان مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني وتحقيق تطلعاته.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، محمد جودة، إن توقف الإبادة في قطاع غزة يمثل بداية لمرحلة جديدة، تهدف إلى إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني والبدء في عملية إعادة البناء والتعافي.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الأولوية العاجلة تكمن في توفير الإغاثة الإنسانية، بما يشمل الغذاء، المياه النظيفة، والأدوية، إلى جانب إعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية.
وأوضح أن توفير مساكن مؤقتة للنازحين يمثل تحدياً ملحاً، مع أهمية التأهيل النفسي للأطفال والنساء الذين عانوا من ويلات الحرب.
وأشار جودة إلى أن إعادة بناء البنية التحتية تعد من الأولويات الكبرى، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه، والصرف الصحي، إضافة إلى إعادة تشغيل وتأهيل المدارس لضمان استئناف العملية التعليمية.
وأكد أن نجاح هذه الجهود يتطلب تنسيقاً دولياً مشتركاً، بقيادة الأمم المتحدة ومنظماتها مثل برنامج الأغذية العالمي ووكالة الأونروا، إلى جانب دور حيوي للدول الداعمة كقطر ومصر، مع إشراف السلطة الفلسطينية على الجهود الدولية.
واختتم بتأكيد أهمية تشكيل لجنة دولية لضمان شفافية إدارة التمويل، مشدداً على دور مصر المحوري في تحقيق التوازن بين الأطراف المعنية وإعادة الأمل لسكان القطاع.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: غزة إعمار غزة إعادة إعمار غزة المزيد إعادة إعمار غزة البنیة التحتیة إعادة الإعمار الأمم المتحدة فی تصریحات لـ ملیار دولار إعادة بناء صدى البلد إلى جانب قطاع غزة أکثر من إلى أن على أن
إقرأ أيضاً:
المهرجان القومي للمسرح يناقش إعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور في العصر الرقمي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
عقد المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، جلسة محورية بعنوان «صيغة مسرحية جديدة للعلاقة بالجمهور»، بالمجلس الأعلى للثقافة، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة، التي أدارتها المخرجة عبير علي، بمشاركة نخبة من المسرحيين والباحثين، حيث ناقشت الجلسات رؤى نقدية وتجارب معاصرة تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين العرض المسرحي والمتلقي، واستكشاف آليات جديدة تعزز التفاعل مع الجمهور، بما يواكب التحولات الفنية والثقافية التي يشهدها المسرح المعاصر.
هبة رجب: السينوغرافيا لم تعد عنصرًا جماليًا بل شريكًا في إنتاج المعنى المسرحيقدمت الباحثة هبة رجب شرف الدين دراسة نقدية بعنوان «الخطاب الدخيل في هندسة الفراغ المسرحي.. دراسة في ضوء نظرية التلقي»، طرحت خلالها مفهومًا نقديًا جديدًا يفسر الأبعاد غير المباشرة التي تحملها العناصر السينوغرافية داخل العرض المسرحي، مؤكدة أن المسرح المعاصر لم يعد يعتمد على الكلمة وحدها، بل أصبح يصنع معانيه عبر الصورة والصوت والتكوين البصري والسمعي.
وأوضحت الدراسة أن «الخطاب الدخيل» يتمثل في الدلالات الكامنة التي تتجاوز المعنى المباشر للعناصر المسرحية، حيث تتشكل من خلال الإحالات الثقافية والرمزية والتقنيات الفنية، لتفتح أمام المتلقي مسارات متعددة للتأويل، مستندة في ذلك إلى نظرية التلقي التي تمنح المشاهد دورًا أساسيًا في إنتاج المعنى.
وتناولت الباحثة التحولات التي شهدتها الصيغ المسرحية الحديثة، مثل مسرح الصورة والمسرح الرقمي ومسرح الاعتراف، مشيرة إلى أن هذه الأشكال الجديدة منحت السينوغرافيا دورًا بطوليًا في صناعة الخطاب المسرحي، بعدما أصبحت الصورة والإضاءة والديكور والصوت عناصر فاعلة في بناء الدلالة، وليس مجرد وسائل جمالية مصاحبة للنص.
كما فرقت الدراسة بين الخطاب المباشر والخطاب الداخلي والخطاب الدخيل، معتبرة أن الأخير هو خطاب غير معلن يتولد من معالجة العناصر السينوغرافية بطرائق غير مألوفة، ويعتمد على الخلفيات الثقافية والرمزية للمتلقي، بما يمنحه قدرة على إنتاج معانٍ فلسفية وجمالية تتجاوز ظاهر المشهد المسرحي.
ورصدت الدراسة تطبيقات الخطاب الدخيل في الخطابين الصوري والسمعي، من خلال توظيف الديكور والدمى والإضاءة والوسائط الرقمية والموسيقى، مبينة أن هذه العناصر يمكن أن تتحول إلى أدوات تعبيرية تحمل مضامين اجتماعية ونفسية وسياسية، وتسهم في تعميق تجربة التلقي وإثراء القراءة النقدية للعرض المسرحي.
واختتمت الباحثة دراستها بالتأكيد على أن الاهتمام بصياغة الخطاب الدخيل في هندسة الفراغ المسرحي يمنح العرض المسرحي بعدًا ذهنيًا وجماليًا جديدًا، ويحول العناصر السينوغرافية إلى منظومة دلالية قادرة على تحفيز التأمل وإنتاج تأويلات متعددة لدى المتلقي، بما يواكب تحولات المسرح المعاصر وتطور لغته البصرية والسمعية.
نوران مهدي: الجسد الإنساني يظل محور الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعيوقدمت الباحثة الدكتورة نوران مهدي عبد العزيز بحثًا بعنوان «جماليات التفاعل بين الجسد والوسيط الرقمي في المسرح المعاصر»، تناولت فيه التحولات التي أحدثتها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في الفنون الأدائية، وكيف أسهمت في إعادة صياغة العلاقة بين الجسد الإنساني والوسيط الرقمي داخل العرض المسرحي.
وقالت إن البحث ينطلق من تساؤل رئيسي حول إمكانية توظيف الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي في الإبداع الفني، مع التركيز على تأثيرها في الرقص والمسرح المعاصر، مؤكدة أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت شريكًا في إنتاج التجربة الجمالية.
وأضافت أن الدراسة اعتمدت على تجربة المخرج والكوريجراف الفرنسي جان مارك ماتوس، الذي يقدم نموذجًا مختلفًا للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث لا تقوم على المنافسة أو الإحلال، وإنما على الحوار والتأثير المتبادل بين الجسد والنظام الرقمي.
وأوضحت أن العرض محل الدراسة يكشف حدود الذكاء الاصطناعي في فهم الجسد الإنساني، ويحوّل أخطاء الخوارزميات إلى عنصر جمالي يفتح آفاقًا جديدة للإبداع، بدلًا من اعتبارها مجرد عيوب تقنية.
وأكدت أن البحث يخلص إلى أن الجسد الإنساني يظل قادرًا على إنتاج المعرفة والابتكار بما يتجاوز قدرة الخوارزميات، وأن المسرح المعاصر يقدم نموذجًا للتعايش بين الإنسان والتقنيات الرقمية دون أن يفقد العنصر البشري مكانته المحورية في العملية الإبداعية.
إسراء محبوب: الجمهور لم يختفِ.. والمسرح بحاجة إلى إعادة بناء علاقته بالمتلقي في العصر الرقميفيما قدمت الباحثة إسراء محبوب ورقة بحثية بعنوان «من تشظي الجمهور إلى لحظة اللقاء.. كيف يعيد العصر الرقمي تشكيل علاقة المسرح بالجمهور؟»، تناولت خلالها التحولات التي طرأت على علاقة المسرح بجمهوره في ظل التطور الرقمي، مؤكدة أن مفهوم «الجمهور الواحد» لم يعد قائمًا بالشكل التقليدي، وأن المتلقي أصبح ينتمي إلى دوائر ثقافية متعددة تختلف في اهتماماتها وطرق وصولها إلى المحتوى المسرحي.
وقالت إن أزمة المسرح المعاصر لا تتمثل في غياب الجمهور، وإنما في تغير أنماط التلقي والمنافسة مع اقتصاد الانتباه الذي تفرضه المنصات الرقمية، موضحة أن المسرح لا ينافس وسيلة ترفيه واحدة، بل يواجه تدفقًا مستمرًا من المحتوى الرقمي الذي يستحوذ على وقت الجمهور واهتمامه.
وأضافت أن خصوصية المسرح تكمن في قدرته على تقديم تجربة إنسانية حية ومشتركة لا يمكن استنساخها عبر الشاشات، مؤكدة أن المعاصرة لا تتحقق بإضافة التكنولوجيا إلى العرض، وإنما بفهم التحولات التي يعيشها الإنسان وإعادة صياغة العلاقة مع المتلقي بما يتناسب مع هذه المتغيرات.
وأشارت إلى أن تطوير العلاقة مع الجمهور يتطلب إعادة التفكير في الفضاء المسرحي، وزمن العرض، ودور المتلقي داخل التجربة المسرحية، بما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التفاعل دون الإخلال بجوهر الفن المسرحي.
وأكدت الباحثة أن المسرح المصري لا يعاني من نقص الجمهور بقدر ما يعاني من غياب منظومة متكاملة تربط بين العروض والجمهور المستهدف، داعية إلى إنشاء منصة وطنية رقمية للمسرح تضم قاعدة بيانات شاملة للعروض، وتوفر خدمات التوثيق والأرشفة والحجز وإتاحة المواد المسرحية بصورة منظمة، بما يسهم في توسيع قاعدة الجمهور ودعم البحث العلمي وحفظ الذاكرة المسرحية.
وأضافت أن نجاح هذه المنصة يتطلب معالجة قضايا الحقوق الفكرية والتمويل والتصنيف والإتاحة، مع توفير أدوات بحث متقدمة وخدمات تراعي احتياجات مختلف فئات الجمهور، مؤكدة أن الهدف ليس استبدال المسرح الحي بالشاشة، وإنما استخدام الوسائط الرقمية كجسر يربط الجمهور بالعروض ويعزز استمرارية العلاقة معها.
محمد عبدالمنعم: الفضاءات غير التقليدية تعيد تعريف علاقة العرض بالمتلقيوقدم الدكتور محمد عبد المنعم، الأستاذ بقسم المسرح بجامعة الإسكندرية، ورقة بحثية بعنوان «جدلية العلاقة بين العرض والجمهور في الفضاءات غير التقليدية»، تناول خلالها طبيعة التحول الذي شهدته العلاقة بين العرض المسرحي والمتلقي مع انتقال العروض إلى الفضاءات غير التقليدية، مؤكدًا أن هذه الفضاءات تفرض آليات جديدة للتواصل والتفاعل، وتمنح الجمهور دورًا أكثر فاعلية في تشكيل التجربة المسرحية، بما يسهم في إعادة تعريف مفهوم التلقي وتوسيع حدود الممارسة المسرحية خارج القاعات التقليدية.