الصهيونية الليبرالية قشرة الحداثة فوق بنية استعمارية
تاريخ النشر: 15th, December 2025 GMT
لا تزال الصهيونية الليبرالية تلعب دورًا مركزيًا في صياغة صورة إسرائيل في الغرب، رغم صعود اليمين القومي والديني داخل النظام السياسي الإسرائيلي. فبينما تُعرّف الحكومات الغربية إسرائيل بأنها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، وتُقدَّم كدولة تتبنى قيمًا غربية تقدّمية، يغيب عن هذا الخطاب جوهر المشروع الصهيوني: دولة استعمارية استيطانية تمارس الفصل العنصري على شعبٍ واقع تحت احتلالها.
تعود جذور الصهيونية الليبرالية إلى الصهيونية العمالية التي شكّلت القاعدة الأساسية للدولة الإسرائيلية منذ ما قبل عام 1948. ورغم تقديمها في الغرب كنسخة «إنسانية» من الصهيونية، فقد كانت مسؤولة عن عمليات التطهير العرقي، وتهجير الفلسطينيين، وبناء بنية سياسية وقانونية تقوم على التفوق الإثني. وقد تولّت حكومات «اليسار» الصهيوني تاريخيًا إدارة الاحتلال، وتطوير المستوطنات، وبناء المنظومة الأمنية التي تُخضع الفلسطينيين حتى اليوم.
من هنا، فإن التمييز بين «صهيونية يمينية» وأخرى «ليبرالية» يصبح تمييزًا وظيفيًا لا جوهريًا. فكلتاهما تنطلقان من ذات الفكرة: اعتبار فلسطين أرضًا بلا شعب، وتبرير السيطرة عليها بقوة السلاح والسياسة والدعم الدولي. وما يُقدَّم كاختلاف سياسي بين اليمين والليبراليين لا يتعدى كونه خلافًا حول الأسلوب، لا حول الهدف ولا حول طبيعة المشروع الاستعماري.
يأتي الدور الأخطر للصهيونية الليبرالية من قدرتها على صياغة خطاب عالمي موجّه للرأي العام الغربي، يُصوّر إسرائيل كدولة «حديثة ومتقدمة»، بينما يحمّل اليمين المتطرف مسؤولية الانتهاكات. وبهذا، تُستخدم الليبرالية الصهيونية لتبرير استمرار الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، بما يشمل الدعم العسكري والمالي والسياسي. فالولايات المتحدة وأوروبا تعتمد بشكل كبير على هذا الخطاب لتسويق تحالفها مع تل أبيب تحت غطاء قيم الحرية والحداثة.
وفي الإعلام الغربي، يظهر هذا التأثير جليًا؛ إذ تُقدَّم انتقادات للسياسات اليمينية المتطرفة، لكن دون المساس بالبنية الاستعمارية للدولة. وتُطرح باستمرار دعوات «العودة إلى حل الدولتين»، باعتباره المخرج الوحيد، رغم أن سياسات الحكومات الليبرالية ذاتها كانت السبب في تقويض هذا الحل عبر التوسع الاستيطاني وفرض نظام السيطرة الأمنية على كامل الأراضي الفلسطينية.
ولا يتوقف تأثير الصهيونية الليبرالية عند حدود السياسة والإعلام، بل يمتد إلى الأكاديميا والمنظمات غير الحكومية واللوبيات المؤثرة في الولايات المتحدة وأوروبا. فهناك عشرات المؤسسات التي تعمل على تسويق إسرائيل كنموذج للديمقراطية والتعددية، بينما تمتنع عن تناول قضايا الاستعمار الاستيطاني أو نظام الفصل العنصري. وتتحول هذه المؤسسات إلى أدوات ضغط واسعة النفوذ تُعيد إنتاج الرواية الإسرائيلية بصيغة أكثر جاذبية للرأي العام الغربي.
لقد ساهم هذا الخطاب في خلق وهم مفاده أن المشكلة تكمن في حكومة يمينية متشددة، وليس في طبيعة النظام نفسه. بينما الحقيقة أن الاحتلال والاستيطان ليسا انحرافًا عن المشروع الصهيوني، بل هما جوهره. وأن التمييز المنهجي بين اليهود والفلسطينيين، والسيطرة على الأرض، وحرمان السكان الأصليين من حقوقهم، هي ممارسات وُضعت أسسُها في عهد الحكومات الليبرالية قبل صعود اليمين بزمن طويل.
إن مواجهة الصهيونية الليبرالية تتطلب إعادة تعريف قضية فلسطين عالميًا، بوصفها قضية استعمار استيطاني وليست صراعًا سياسيًا قابلًا للإدارة. ويتطلب ذلك العمل على بناء خطاب حقوقي وسياسي يعيد مركزية تفكيك منظومة الفصل العنصري، ويُبرز أن الاحتلال ليس حالة طارئة، بل سياسة ممنهجة أُسست منذ نشأة الدولة.
كما يتطلب تفكيك الرواية الليبرالية كشف دورها في شرعنة الدعم الغربي، وإعادة توجيه النقاش نحو حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفق القانون الدولي، وضرورة إنهاء الاستعمار بكافة أشكاله.
ختامًا، فإن الصهيونية الليبرالية ليست بديلاً معتدلًا عن اليمين المتطرف، بل هي الوجه الناعم للمشروع ذاته. وهي التي سمحت لهذا المشروع بأن يظهر في الغرب كجزء من الحضارة الحديثة، رغم سياساته القائمة على الإقصاء والاستيطان والعنف. ولا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح ما لم يتم الاعتراف بالحقيقة الكاملة للمشروع الصهيوني، بما هو مشروع استعماري لا يمكن إصلاحه بطلاء ليبرالي، بل بإنهائه وإقامة نظام يضمن الحقوق والعدالة للشعب الفلسطيني بكامل مكوناته.
الدستور الأردنية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاحتلال نتنياهو الاحتلال المعارضة مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة رياضة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
هيئة الاستيطان الفلسطينية: العدو الصهيوني يستولي على أراضٍ شرقي بيت لحم
الثورة نت/..
كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية ، اليوم الثلاثاء، عن إصدار سلطات العدو الإسرائيلي أمرا عسكريا جديدا بالاستيلاء على 300 دونم من أراضي المواطنين شرق بيت لحم.
وأكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، في تصريح صحفي حسب وكالة سند الفلسطينية للأنباء، أن الأمر الجديد يشكل ثالث أوامر الاستملاك التي تُصدرها سلطات العدو منذ بداية عام 2026.
وأوضح “شعبان” أنَّ هذا الأمر في منطقة جبل الفريديس (الهيروديون) الواقعة على أراضي عرب التعامرة شرق محافظة بيت لحم. وذلك تحت مسمى “الاستملاك لأغراض عامة” و”تطوير الموقع الأثري”.
ويأتي ذلك “بحسب شعبان” في إطار سياسة متسارعة تهدف إلى فرض السيطرة القانونية والإدارية على الأراضي الفلسطينية، وتحويلها لخدمة المشاريع الاستيطانية، من خلال تجيير منظومة الأوامر العسكرية الرامية إلى نزع ملكية الأراضي.
وقال إنَّ هذا الأمر يعد سادس أوامر الاستملاك التي تستهدف مواقع أثرية وتراثية فلسطينية في جملة الأعوام القليلة الماضية أبرزها: موقع أخليوس في محافظة أريحا، ودير سمعان ودير قلعة في محافظة سلفيت، وموقع سبسطية في محافظة نابلس والنبي صاموئيل مؤخرا شمال القدس.
وحذّر أنَّ هذا مؤشر واضح على تصاعد استخدام العدو للرواية الأثرية والتاريخية أداة للاستيلاء على الأرض وتعزيز مشاريع الضم وفرض الوقائع الاستيطانية على الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأضاف “شعبان” أن الموقع المستهدف بالأمر الحالي سبق أن أعلنت سلطات العدو عام 2024 ما مجموعه 171 دونما من الأراضي المحيطة بالموقع “أراضي دولة”، قبل أن تعود اليوم لتوسيع نطاق سيطرتها من خلال استملاك على الموقع ذاته مضيفة إليها أكثر من 130 دونما.
وتابع: “ويصبح مجموع الاستيلاء الإجمالي 300 دونم تشمل المنطقة ذاتها وأراضي أخرى محيطة بها، ما يكشف عن خطة متدرجة وممنهجة تهدف إلى إحكام السيطرة على كامل الحيز الجغرافي للموقع ومحيطه، من خلال استدعاء المسميات المختلفة للاستيلاء”.
وشدد أن سياسة الاستملاك التي تنفذها سلطات العدو في الضفة الغربية تمثل إحدى أخطر الأدوات المستخدمة لفرض الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية.
وأشار إلى أن هذه السياسة “تستند إلى تشريعات وإجراءات أحادية الجانب يفرضها العدو على الأرض المحتلة، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية”.
وبيّن أن استهداف المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية لا يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل يندرج في إطار محاولة إعادة تشكيل المشهد التاريخي والثقافي الفلسطيني.
إضافةً إلى ربط هذه المواقع بالمشروع الاستيطاني الاستيطاني، بما يساهم في عزلها عن محيطها الفلسطيني وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي واستيطاني تخدم الرواية الإسرائيلية.
وأكد “شعبان” أن هذا القرار يأتي في سياق أوسع من الإجراءات التي تنفذها حكومة العدو بهدف تعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وفرض وقائع جغرافية وقانونية جديدة تمهد لمزيد من مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه ومقدراته.