تحذير إسرائيلي: الميزانية العسكرية تتضخم على حساب الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية
تاريخ النشر: 15th, December 2025 GMT
يتمثل التحدي الجيوسياسي الأكبر الذي يواجه دولة الاحتلال حالياً في إعادة ميزانية الجيش إلى إطار يسمح بنمو اقتصادي، وأي شيء آخر يُعد مقامرة محفوفة بالمخاطر على مستقبلها، مما يطرح تساؤلا خطيرا حول ما يشكله الإنفاق العسكري الجديد بين كونه استراتيجية أم فخ.
وذكر عامي روخاكس دومبا المراسل العسكري بمجلة يسرائيل ديفينس، أن "تحذيرات محافظ البنك المركزي الإسرائيلي، البروفيسور أمير يارون، شكلت جرس إنذار استراتيجي بشأن جوهر الأمن القومي لإسرائيل التي افتخرت لعقود بمرونتها المالية التي يُفترض أن تكون رافعةً للمرونة العملياتية، أما الآن، فقد تغيرت المعادلة، لأن الإنفاق العسكري، الذي تضخم لمستويات غير مسبوقة بعد الحرب الطويلة في غزة ولبنان، لم يعد مجرد استجابة لتهديد خارجي، بل أصبح قوة تدميرية داخلية".
وأضاف دومبا في مقال ترجمته "عربي21" أن "الجيش، الذي كان يُعتبر مقدساً في نظر العامة والسياسيين، أصبح فعلياً متغيراً خارجاً عن السيطرة في النظام المالي، وتكشف نظرة نقدية من منظور الجغرافيا السياسية عن عملية مقلقة: فالتوسع الحالي في الميزانية لا يعكس بالضرورة تقييماً معقداً ومبتكراً للتهديدات، بل هو بالأحرى استسلام لمفهوم عفا عليه الزمن عن القوة من خلال المال، مع تجاهل صارخ للأساس الاقتصادي الذي يُعد شرطاً أساسياً لوجود هذه القوة".
وأوضح المراسل العسكري أن "ما يحدث في الآونة الأخيرة يكشف عن فشل استراتيجي في تمويل الجيش، في ضوء التفاوت الخطير بين التهديد الأمني والتكلفة الاقتصادية، مع التركيز على الضرائب غير الرسمية المفروضة على جيش الاحتياط، ويُعدّ الاستخدام المفرط والمستمر للاحتياط فشلا بنيويا تتجاوز تكلفته بكثير التعويض الشهري، لأنه من منظور استراتيجي، تُشير هذه الحركة غير المعتادة للأفراد إلى سوء تخطيط القوات النظامية، وغياب استراتيجية حرب متطورة".
وأكد دومبا أن "الأزمة الاقتصادية تدفع ثمن التخلف عن سداد الميزانية من حيث انخفاض الإنتاجية، والضرر البالغ الذي يلحق بالنشاط التجاري، وهذه طريقة مكلفة وهشة وغير فعالة لتمويل الجيش، مما يُلقي بعبء الدفاع على الجبهة الاقتصادية الداخلية، لأن الخطر الأكبر يكمن في مسار ميزانية الجيش متعددة السنوات، والنقاشات الدائرة حول الحفاظ على مستوى عالٍ من الإنفاق لسنوات قادمة، حتى بعد انحسار القتال، تعني في الواقع خرقا للإطار المالي".
وأشار إلى أنه "عندما يحذر محافظ البنك المركزي من أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من المتوقع أن ترتفع باستمرار، وتقترب من 80% من الناتج المحلي الإجمالي في العقد المقبل، فإنه في الواقع يصف كيف أن إسرائيل، بدافع رغبتها بالحفاظ على قدراتها الدفاعية الفورية، تدفع نفسها إلى زاوية مالية لا تدخلها الدول إلا بعد تمزق جيو-سياسي حاد، وهذه ليست مجرد مسألة "مال"، بل مسألة "سلطة"".
وبين دومبا أنه "رغم تسويق هذا الإجراء على أنه تعزيز للأمن الداخلي، لكنه في الواقع يُحوّل ميزانيات ضخمة إلى آليات أمنية بدلاً من تعزيز المكونات الاجتماعية التي تُقلل الجريمة بشكل منهجي: التعليم، والتوظيف، والحكم المحلي، مما يُظهر بوضوح تفضيل "الأمن الداخلي قصير الأجل" على حساب بناء قدرة داخلية "طويلة الأجل"، لكن الحقيقة المُرّة أنه لا أمن بدون اقتصاد مستقر ومتنامٍ، وأي حديث آخر هو وهم مُكلف لا يُمكن تمويله على المدى الطويل".
وأردف دومبا أن "المشكلة ليست في الجيش أو الحاجة الأمنية، بل في غياب التخطيط، لأننا أمام ميزانية أمنية بدون استراتيجية اقتصادية، صحيح أن التهديد الخارجي حقيقي، لكن الداخلي قائم أيضاً، وتوسيع الميزانية العسكرية غير مُتناسبة مع القدرة الاقتصادية لإسرائيل، بما قد يُدمّر الصناعة التي تعتمد عليها، وهنا عليها أن تتوقف، وتسأل: كم عدد أنظمة الأسلحة، وأيام الاحتياط، وكم عدد الميزانيات التي يُمكن تمويلها، قبل أن يتوقف السوق عن رؤيتها كاقتصاد مرن وسليم، وقبل أن تتلاشى ثقة المستثمرين، وهي رصيد استراتيجي".
تشير هذه الرؤية النقدية لمستقبل الميزانية العسكرية لإسرائيل أنها تُمثل التحدي الجيوسياسي الأكبر الذي يواجهها حاليًا، لأن ما يُدفع للإنفاق العسكري يتخلى فعلياً عن الاستثمارات طويلة الأجل في التعليم والبنية التحتية والإنتاجية، أي أن سياسات الأمن الحالية اليوم تجلب كارثة على الأمن الاسرائيلي غداً، لأنه يتم إعطاء الأولوية للميزانية العسكرية على حساب الاستراتيجية الاجتماعية، وهو مؤشر آخر على المفهوم الخاطئ للأمن.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية الاحتلال غزة غزة الموازنة الاحتلال تكاليف الحرب صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الذی ی
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.