في الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر من كل عام، يقف العالم إجلالا لإحدى أعظم المعجزات البيانيّة المستمرة في تاريخ البشرية، "اللغة العربية". إنّه ليس مجرد تاريخ في أجندة الأمم المتحدة، ولا مناسبة عابرة للاحتفال بالفصاحة والبلاغة فحسب، بل هو وقفة سنويّة لتجديد العهد مع "لسان الوحي"، ومع الهوية التي صاغت وجدان الأمّة وحفظت تراثها.

وفي هذا اليوم، تختلط في صدري مشاعر الفخر بالانتماء لهذه اللغة، مع مشاعر المسؤولية العظيمة التي حملتها على عاتقي كمدرس وخبير في ميادين تعليمها للناطقين بغيرها في الديار التركية.

الاصطفاء الإلهي لهذه اللغة..

قبل أن تكون العربية لغة أدب أو علم، هي لغة اصطفاها الله سبحانه وتعالى من بين لغات العالمين لتكون وعاء لكلامه الأزلي. ويكفي العربية شرفا وخلودا قوله تعالى في محكم التنزيل: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنا عَرَبِيا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف: 2)، وقوله عزّ وجلّ واصفا اللسان الذي نزل به الروح الأمين: "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" (الشعراء: 195). هذا "البيان" الذي خصّ الله به العربيّة جعلها مفتاحا للتفقّه في الدين، وسببا لرجاحة العقل، مصداقا لما رُوي عن سيدنا عمر بن الخطاب tحين قال ناصحا وموجها: "تعلَّموا العربية، فإنّها من دينكم". وقال: "تفقّهوا العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي"، وفي رواية أخرى: "تعلَّموا العربية فإنّها تزيد في المروءة، وتثبت العقل".

من هذا المنطلق الإيماني، لم يكن عملي في تعليم العربية مجرد وظيفة أكاديميّة، بل عبادة وقربة، وسعيا لربط الطالب بكتاب ربّه وسنّة نبيه ﷺ.

نور العربية في صدور الحفاظ وشغف الطلاب

لقد أتاح لي عملي مدرّسا للغة العربية في الجامعات التركية، وفي معاهد شرعيّة خاصّة تضُم نخبة من حُفّاظ كتاب الله عز وجل، أن أرى العربية بعيونٍ جديدة. فالتعامل مع طلابٍ قد ملأوا صدورهم بالقرآن تجربةٌ ذات طابعٍ نورانيّ فريد، إذ تأتي العربيّة لتكون المفتاح الذي يفتح لهم مغالق ما حفظوه، فتستقيم ألسنتهم التي هذّبها القرآن، وتشرق معاني الآيات في عقولهم بعد أن استقرت في قلوبهم.

وهذا الشغف لمستُه في عموم طلابي الأتراك في الجامعات والثانويات، الذين يُقبلون على تعلّم لغة الضاد بشغف المحبِّ لا بواجب المكرَه، فهم لا يَرون في العربية مجرد "فاعل ومفعول ومضاف"، بل يبنون من خلالها جسرا روحيّا يربطهم بتاريخهم الإسلامي العريق.

في تلك القاعات، كنت ألمس اللحظة الساحرة عندما يفكّ الطالبُ شيفرة جملة عربية فصيحة، فتشع عيناه فرحا كأنّه عثر على كنز. إنّ تعليم العربية هنا يتجاوز القواعد الجافّة، إنّه تعليم للتذوق وللجمال وللقيم. وكثيرا ما كنتُ أستشهد لهم بحديث النبي ﷺ: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرا"، ليروا بأنفسهم كيف يسحرُ هذا البيانُ القلوبَ، وكيف تستطيع الكلمة العربية الواحدة أن تحمل من المعاني ما تعجز عنه سطور في لغات أخرى. يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِنا    جَعَلَ الجَمالَ وَسِرَّهُ في الضادِ

يدا بيد لخدمة لغة الضاد

ولأنّ بناء الأجيال يبدأ ببناء المعلّم، فقد كان لي شرف العمل كخبير ومُدرّس أول للإشراف على زملائي أساتذة اللغة العربية في "ثانوية الأئمة والخطباء" (الإمام والخطيب) في ولاية بولو. كانت هذه التجربة من أعمق المحطّات في مسيرتي المهنيّة، إذ لم تكن المهمّة تقتصر على التوجيه الفني، بل كانت ورشة عمل مستمرة لتبادل الخبرات، وتطوير المناهج، والبحث عن أنجع الوسائل لتقريب العربية إلى أذهان الطلاب الأتراك.

كنا نعمل سويا، بروح الفريق الواحد، مستشعرين عظم الأمانة، ومدركين أنّ قوة اللغة العربية في تركيا تعتمد أساسا على كفاءة معلميها وقدرتهم على الإلهام. لقد رأيت في زملائي المعلمين الأتراك تفانيا يُثلج الصدر، وحرصا على أنّ تظلّ العربيّة حية غضّة في أروقة المدارس، تصدح بها الحناجر في الطوابير الصباحيّة وفي قاعات الدرس.

الحصاد في مسابقات تحيي الأمل

ولا تكتمل لوحة الشرف هذه إلا باستحضار "روح المنافسة" التي عشتها مُشرفا ومحكّما في مسابقات اللغة العربية المتنوعة في ولاية بولو، تلك اللحظات التي يقف فيها طالبٌ تركي، لم يرضع العربيّة من ثدي أمه، ليخطب بلسانٍ عربي مبين، أو ينشد شعرا يهزّ المشاعر، هي لحظات تختزل كلّ معاني النجاح.

في تلك المسابقات، رأيت ثمرة الغراس، وأيقنت أنّ العربيّة محفوظة بحفظ الله لها، وأنّها قادرة على احتواء الألسنة جميعا. كانت تلك الفعاليات بمثابة عيدٍ للغة، تلتقي فيه المواهب، وتتبارى فيه القرائح، ليثبت هؤلاء الشباب أنّ العربية ليست حكرا على عرق أو جنس، بل هي لغة الحضارة ولغة الإسلام الجامعة.

في الختام، ونحن نحتفي باليوم العالمي للغة العربية، أكتب هذه الكلمات من واقع الميدان، ومن قلب قاعات الدرس في بولو، لأقول: إنّ العربية بخير ما دام هناك معلّم مخلص، وطالب شغوف، ومنهج قويم. إنّ خدمتنا لهذه اللغة شرف لا يدانيه شرف، فهي لغة أهل الجنة، ولغة الكتاب الخالد.

فلنجدد العهد في يوم عيدها، أن نظل أوفياء لها، تعليما ونشرا ومحبّة، سائلين الله أن يستعملنا في خدمة لغة كتابه، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

وكل عام ولغتنا العربية، ومعلموها، وطلابها، بألف خير.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات اللغة العربية اللغة تعليم اليوم العالمي اللغة العربية تعليم لغة قضايا وآراء مدونات مدونات مدونات مدونات قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة رياضة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة اللغة العربیة العربیة فی العربی ة

إقرأ أيضاً:

صبري فواز يبحث عن أصل المصريين في ثاني حلقات برنامجه «إيه بقى؟»

طرح الفنان صبري فواز، خامس حلقات برنامجه «إيه بقى؟»، الذي يعتبر أولى تجاربه كمذيع، من خلال بودكاست حواري جديد، على موقع يوتيوب، ومنصات التواصل الاجتماعي، بالتعاون مع المنتج ريتشارد الحاج.
استضاف صبري فواز في خامس حلقات «إيه بقى؟»، د.هدى عبدالعزيز، استشاري المناهج التعليمية ونائب رئيس مركز دراسات الهوية وحفظ التراث، وتناولت الحلقة مناقشات حول بداية التاريخ في مصر واحتلال العقول بالقرن الـ21.
وتناولت الحلقة رد د. هدى على سؤال من نحن كمصريين؟، وأكدت أن هناك بحث قدمته جامعة كمبريدج تحت عنوان المصريون فينا جميعًا من 50 ألف سنة، وان وقتها ولد طفل في منطقة الترمسة اعتبروه اول انسان عاقل على الأرض، ومن خلال طرق دفن الطفل يكشف البحث العادات التي كان يمارسها أصحاب جذور الحضارة المصرية القديمة.


د.هدى عبدالعزيز: عدد كبير من كلماتنا الدارجة تعود لـ اللغة الهيروغليفية


وتناول النقاش بين د. هدى وصبري فواز، أهمية اللغة الهيروغليفية، وسردت عدد كبير من الكلمات التي يتم تداولها حاليًا وهي في الأساس من أصل اللغة التي كان يتحدث بها المصري القديم، مثل بح وتاتا وبخ.
وتحدثت د. هدى عن أصل كلمة فرعون، مؤكدة انها لا تخص المصريين القدماء على الإطلاق، وان لفظ الفراعنة خاطيء.
وأثناء اللقاء كشفت د. هدى تفاصيل مشروعها الخاص حول محول الأمية الهوريغليفية، وضرورة تعليمها للأباء، قبل الأطفال. 
برنامج «إيه بقى؟» يعرض أسبوعيًا، الثلاثاء 9 مساءًا، عبر موقع الفيديوهات الشهير يوتيوب، ويقدّم فواز من خلاله مجموعة من الحوارات الفنية والثقافية التي تستهدف تقديم محتوى غني ومفيد، مع تسليط الضوء على جوانب مختلفة من حياته ورؤيته الفكرية، إلى جانب مناقشة موضوعات تمس شريحة واسعة من الجمهور، في إطار يجمع بين الطرح العميق والأسلوب المبسط، واستضاف في الحلقات السابقة د.مسعود شومان خبير الدراسات الشعبية والإنثروبولوجية، الباحث الموسيقي صلاح علام،و المنشد أحمد العمري، فنان التروكاچ أحمد عرابي.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • صبري فواز يبحث عن أصل المصريين في ثاني حلقات برنامج إيه بقى؟
  • صبري فواز يبحث عن أصل المصريين في ثاني حلقات برنامجه «إيه بقى؟»
  • رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • رحاب طه مشرفًا على قطاع التمويل غيرالمصرفي بـ الرقابة المالية
  • "العربية للمسرح": نمد جسور التعاون مع الصين لتبادل المعرفة وتطوير معارف المسرح العربي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش