لا يكفّ رئيس أميركا دونالد ترامب، عن إصدار التصريحات والقرارات والتوجّهات التي تشغل الناس في كلّ أطراف الكرة الأرضية، وتحدث قلقاً لدى كثيرين، وتشتّت عقول المهتمّين.
لكأن كثرة التصريحات والتغريدات، التي يطلقها يومياً تشكّل جزءاً من الإعلانات التي تستهدف التأكيد على أن إدارته تمضي قدماً وبنجاح نحو تحقيق هدف استعادة بلده، دورها كالدولة الأعظم والأقوى على الصعيد الدولي.
بعد حملته المحمومة على المهاجرين غير الشرعيين وحتى الشرعيين، وتركيزه على الجالية الصومالية كنموذج، وإلهان عمر عضو الكونغرس الأميركي عن «الحزب الديمقراطي»، وقراره التنفيذي بشأن إخراج «جماعة الإخوان المسلمين» عن الشرعية، بعد كل ذلك أعلن عن إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، حتى نهاية العام 2027.
تصريحات وقرارات ترامب، طافحة بالتحريض، والعنصرية وإثارة المزيد من التناقضات داخل المجتمع الأميركي.
بموازاة الحملة ضد ما يُعرف بـ»الإسلاموفوبيا»، تنشط الجماعات اليهودية الصهيونية، على نحو مكثّف، لربطها بمعاداة السامية، في محاولة لإعادة بناء السردية الصهيونية التي تعرّضت لاختلال كبير وواسع بسبب ما ارتكبته وما زالت ترتكبه في قطاع غزّة.
ثمّة اضطرابات واسعة يشهدها المجتمع الأميركي، جرّاء السياسات التي اتخذتها إدارة ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، بما في ذلك تحوّلات مهمّة في قواعد الحزبين «الجمهوري» و»الديمقراطي»، واختراقات واسعة مثيرة للاهتمام في حركة «ماغا» الموالية لترامب، والتي ترفع شعار «أميركا أوّلاً».
إستراتيجية الأمن القومي الأميركي التي اعتمدتها الإدارة، تنطوي على متغيّرات مهمّة، على صعيد السياسة الخارجية، ودوائر الاهتمام، تضع الإستراتيجية أميركا اللاتينية على رأس أولويات الإدارة في السنوات المقبلة، بينما تقع منطقة الشرق الأوسط في الخانة الرابعة من الأولويات.
الاهتمام بأميركا الجنوبية، يبدو واضحاً من خلال السلوك العملي الذي يأخذ طابعاً حربياً في حالة فنزويلا، بالإضافة إلى التحريض المستمرّ على كولومبيا.
الولايات المتحدة تحشد قوات ذات طابع هجومي، وتواصل استهداف قوارب تزعم بأنها تقوم بتهريب المخدّرات إليها في منطقة الكاريبي، فضلاً عن إعلانها إغلاق الأجواء في سماء فنزويلا، فيما يبدو أنه جزء من إجراءات للقيام بعمل حربي مباشر ضدّ النظام السياسي.
الاتهامات جاهزة، فبالإضافة إلى ملف المخدرات، ثمّة اتهامات لفنزويلا باحتضان «حزب الله» اللبناني، والتعاون مع إيران، وغسيل عملة، وانتهاكات لحقوق الإنسان.
الهدف واضح، وهو الاستحواذ على ثروات القارة الجنوبية، ابتداءً من فنزويلا التي تملك احتياطي النفط الأكبر على المستوى العالمي. المحاولات الأميركية ضد نظام الرئيس الفنزويلي مادورو، قد تتخذ أشكالاً مختلفة من الحصار، إلى العمل العسكري، إلى إمكانية دعم محاولات انقلابية.
أوروبا حظيت بتحريض واضح، حين تعرّض إلى إمكانية انهيارها وانهيار الحضارة الغربية
وتشير المعطيات إلى أن فشل حملة ترامب، فيما يتعلّق بالرسوم الضريبية، يدفع الإدارة إلى تعويض ذلك من خلال السيطرة على دول تمتلك ثروات طبيعية خاصة ما له علاقة بالطاقة والمعادن النادرة.
أوروبا تقع في قلب الاستهداف الأميركي بحسب إستراتيجية الأمن القومي، والهدف هو تفكيك الاتحاد الأوروبي، للتمكّن من السيطرة على دوله واحدة بعد الأخرى.
أوروبا حظيت بتحريض واضح، حين تعرّض إلى إمكانية انهيارها وانهيار الحضارة الغربية، وكان أصلاً قد تركها تتحمّل المسؤولية عن تغطية تكاليف الدفاع عن أوكرانيا.
استجابت أوروبا لرفع مستوى الإنفاق على العمل العسكري بنسبة 5% لكن ذلك لم يكن كافياً، بالنسبة لترامب، الذي أوحى بإمكانية تفكيك حلف «الناتو»، والتخلّي عن تعهّدات بلده بشأن الحماية الأمنية.
تعكس الإستراتيجية رفع مستوى الضغط الأميركي على أوروبا التي تعارض مبادرته لتحقيق السلام في أوكرانيا، ودعمها لزيلينسكي، الذي لا يزال يعاند الرؤية الأميركية التي عملياً تدعوه للاستسلام، والقبول بشروط بوتين.
ولأن الصين سبق أن أوحت بأنها ستقوم باستعادة تايوان في العام 2027، أي مع نهاية ولاية ترامب، فإن الأخير، أوكل مهمّة التصدّي للصين إلى اليابان وكوريا الجنوبية، ما يعفي بلده من تكاليف التوتّر.
مجمل هذه التطوّرات الداخلية، وعلى مستوى السياسة الخارجية الأميركية، تقدّم مشهداً للسنوات القليلة القادمة ينطوي على قلق شديد لما ينتظر أميركا.
يقول توماس فريدمان في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز»: «عقيدة الأمن القومي لترامب لا تكاد تذكر الخصمين الجيوسياسيّين روسيا والصين»، ويضيف: «في رأيي أن هذه العقيدة تكشف حقيقة عميقة عن إدارة ترامب الثانية، حقيقة مجيئها إلى واشنطن لخوض حرب أهلية ثالثة في أميركا وليس لخوض حرب باردة جديدة للدفاع عن حدود الديمقراطية وتوسيع نطاقها».
افتتاحية «لوموند» الفرنسية، تقول: «إنه من الواضح أن هدف الوثيقة المنشورة في الخامس من كانون الأوّل والتي تحدّد إستراتيجية الأمن القومي لأميركا هي تقويض أوروبا».
ويتفق بيوتر سمولار (لوموند) مع فريدمان حيث يقول: «للصين وروسيا ما يدعو للابتهاج فالتسامح الذي ظهر تجاههما في إستراتيجية الأمن القومي يعزّز اعتقادهما بأن نهاية الهيمنة الأميركية هي في جوهرها عملياً تفكيك ذاتي».
على أن كل ذلك لا يعني أن أميركا ستتخلّى عن دورها في الشرق الأوسط، إذ ينبغي فحص الأدوات والإستراتيجيات الخاصة باستمرار الهيمنة على المنطقة التي لم تفقد أهميتها الإستراتيجية. ترامب يغيّر العالم، ولكن المؤشّرات، لا تفيد بأن هذا التغيير سيكون مضموناً لصالح تعزيز دور بلده كالقوّة الأعظم.
الأيام الفلسطينية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ترامب الولايات المتحدة إسرائيل الولايات المتحدة ترامب سياسات امريكا مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة رياضة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إستراتیجیة الأمن القومی
إقرأ أيضاً:
بعيو: ليبيا أمام نموذجين وعلى المواطنين اختيار مسار الأمن ووحدة الدولة
أكد رئيس المؤسسة الليبية للإعلام، محمد عمر بعيو، أن ليبيا تقف اليوم أمام خيارين مختلفين ونموذجين متناقضين في إدارة الدولة وبناء المستقبل، معتبراً أن المشهد الراهن يضع الليبيين أمام فرصة واضحة لتقييم الواقع واختيار المسار الذي يحقق الاستقرار والتنمية.
وقال بعيو، عبر حسابه على موقع فيسبوك، إن النموذج الأول يتمثل في ما وصفه بـ”النموذج الوطني الحازم” الذي يدافع عن الدولة الليبية ويحافظ على وحدة مؤسساتها، ويعزز الاستقرار والأمن والتنمية والخدمات والسلم الأهلي، مشيراً إلى أن هذا النموذج يتجسد في المناطق الخاضعة لقيادة القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر.
وأضاف أن هذا النموذج يقوم على وحدة القيادة والإدارة واحتكار السلاح بيد المؤسسات النظامية، بما ينعكس على الأمن المجتمعي والاقتصادي وحماية الممتلكات العامة والخاصة، بعيداً عن مظاهر الفوضى والانفلات الأمني.
كما وصف بعيو النموذج الآخر بأنه يعكس حالة من التشتت وغياب الاستقرار، مشيراً إلى أن تعدد مراكز القرار والصراعات المستمرة يؤدي إلى تفاقم الأزمات الأمنية والتنموية، ويجعل الخلافات تُحسم بالقوة بدلاً من الحوار، الأمر الذي يدفع المواطن ثمنه من أمنه واستقراره.
وشدد على أن الخيار يبقى بيد الليبيين، داعياً إلى التأمل في الواقع القائم واستخلاص الدروس من التجارب المختلفة، لاختيار المسار الذي يضمن الأمن والاستقرار ووحدة الدولة.