مهند أبو فلاح
الاضطرابات التي تشهدها العديد من المدن التركية مؤخرا على خلفية توقيف رئيس بلدية اسطنبول العاصمة الاقتصادية و التجارية للبلاد لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التطورات الإقليمية و تنامي نفوذ حكومة العدالة و التنمية بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان في سورية الجارة الجنوبية لتركيا في أعقاب الإطاحة بنظام آل الأسد الذي حكم هذا القطر العربي على مدار عدة عقود .
تحجيم نظام العدالة و التنمية و الحد من طموحاته الإقليمية يشكل إحدى ركائز القوى العالمية المناهضة للحزب الإسلامي الذي حكم البلاد منذ قرابة ربع قرن تقريبا اي من بدايات القرن الحادي و العشرين و هو الأمر الذي يتقاطع مع حنق أحزاب المعارضة التركية و نقمتها على سلطة السيد رجب طيب اردوغان ، و يقف على رأس هذه الأحزاب حزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية اسطنبول اكبر المدن التركية و أكثرها أهمية على الاطلاق على خلفية اتهامات بالفساد و تلقي رشاوي الخ …….. ، و هو الأمر الذي أثار حفيظة خصوم و منافسي العدالة و التنمية من أنصار أوغلو و المنتمين لحزبه .
إن الاحتجاجات الشعبية العارمة التي تشهدها شوارع بعض المدن التركية و التي يطغى عليها اللون الليبرالي العلماني تعيد إلى الذاكرة الأحداث التي عصفت بمصر قبل ما اصطلح عليه في الأدبيات السياسية بثورة 30 يونيو / حزيران من العام 2013 ، تلك الموجة من الاحتجاجات الجماهيرية التي مهدت الطريق أمام انقلاب الجيش على نظام الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين .
مقالات ذات صلةعلى أية حال هنالك العديد من الفوارق الجلية بين الحالتين و المصرية و التركية لعل أبرزها نجاح الرئيس التركي رجب أردوغان في تقليم اظافر خصومه داخل المؤسسة العسكرية التقليدية اي الجيش التركي في أعقاب المحاولة الانقلابيون الفاشلة التي تعرض لها نظامه في صيف العام 2016 للميلاد ، حيث نجح في عزل و إقصاء العديد من الضباط و القيادات العسكرية. الأمنية المناوئة لحزب العدالة و التنمية مما يجعله لحد الان بمنأى عن انقلاب عسكري مماثل لذلك الذي أطاح بالرئيس مرسي في مصر الكنانة الداعم الرئيس في حينها لحركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة ما لم تحدث تحولات دراماتيكية مفاجئة في الأيام القليلة القادمة أو في المستقبل القريب .
الدعم التركي اللا محدود لنظام الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع الحاكم في دمشق منذ أشهر قليلة في مواجهة التحركات المناوئة له التي شهدتها بعض المناطق الساحلية على وجه الخصوص في هذا القطر العربي الاصيل مؤخرا يجعل من أنقرة هدفا مفضلا للقوى المعادية لما يعرف بظاهرة الاسلام السياسي التي قد لا تروق لبعض الأطراف الإقليمية الفاعلة المؤثرة و على رأسها الكيان الصهيوني و داعميه في واشنطن المصرين على استمرار العقوبات الاقتصادية الأمريكية على سورية هذا القطر العربي المركزي و المفروضة منذ عهد نظام آل الأسد المخلوع في دمشق ، في محاولة لتقويض دعائم وأركان النظام الجديد هناك أو على الأقل الحد من قدرة سورية على النهوض سريعا بما يشكل تهديدا لاطماع الكيان الصهيوني التوسعية في الأرض العربية السورية .
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: العدالة و التنمیة
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.