استمعت إلى مقطع من ندوة أُقيمت في قاعة بلندن، تحدث فيها المهندس خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، قائلاً: «الناس تتحدث عن انتهاكات حرب 15 أبريل كأنها الانتهاكات الأولى في السودان. يقولون: والله العظيم شُفشفوا بيوتنا. أنتو عارفين الجيش في الجنوب كان بيعمل إيه للبيوت؟ ما كان يشيل تلاجاتهم وتلفزيوناتهم، كان يحرقهم بالناس الموجودين جواهم.
بصراحة، لم أصدق أذني عندما سمعت هذا المقطع. ولولا أنه مصور بالفيديو ولا مجال لإنكاره، لظننت أنه تدليس من خصومه. لكنه هو، بنبرته المعتادة وسياق يلتمس إعجاب الحضور، الذي جاءه سريعاً في تصفيق خجول من البعض، بينما آخرون ربما لم يستطيعوا بلع هذا الحجر الكبير.
وحتى لا نتعجل في الحكم على خالد، من الحكمة أن نسأله عن الوقائع التي نسبها للجيش في حرب الجنوب. أين أحرق الجيش الناس في بيوتهم؟ الجريمة منسوبة للجيش كمؤسسة، وليس لفرد أو ضابط. المؤسسة العسكرية السودانية التي بلغ عمرها مئة عام.
ولنفترض أن الجيش سلك المسار القانوني وتقدم ببلاغ إلى النيابة، فما هي الأدلة التي يستطيع خالد تقديمها؟ حتى لو استعان بألف محام، هل يملك ما يثبت ادعاءه؟
ولنترك ذلك جانباً.
طالما أن خالد سياسي ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، لنفترض أن الرئيس البرهان تنازل اليوم عن الحكم وأسند الأمر إلى المكونات السياسية، وشاء القدر أن يتولى خالد منصب رئيس الوزراء. فكيف يكون مؤهلاً لقيادة جيش اتهمه بجريمة نكراء لم يغفر العالم لهتلر نظيرها، وظل يطارد كل من عاونه لنصف قرن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؟
الحقيقة، لا يمكن توجيه اللوم لخالد وحده، بل للحال التي أوصلت السودان إلى أن يصبح جيشه أقصر حائط يستطيع أي سياسي القفز فوقه، وإطلاق الاتهامات دون أن يطرف له جفن.
في الندوة الافتراضية الشهيرة التي تحدثت فيها في يوليو 2023، بعد اندلاع الحرب بثلاثة أشهر، وعنوانها «مستقبل الأحزاب السودانية»، أثارت ضجة كبيرة لا تزال في ذاكرة الكثيرين. كان الخط الرئيسي للندوة أن الوقت حان لمحاسبة السياسي في السودان على قوله وفعله، وأن تُؤسس نيابة متخصصة لذلك، كما هو الحال مع نيابات الصحافة والمعلوماتية.
الساسة جميعاً – وخالد مجرد مثال – يتساهلون في القول والفعل الضار بالوطن والمواطن، لأنهم في حل من المسؤولية الجنائية. يستطيع أصغر سياسي أن يفعل «السبعة وذمتها» ثم يذهب إلى أهله يتمطى، كأن لم يقل شيئاً يستوجب وقوفه أمام القضاء لنيل جزائه.
بكل تأكيد، عندما قال خالد ما قال في لندن، لم يكن يلتمس سوى صدى التصفيق الماثل أمامه كمقياس لأدائه السياسي. لكنه لم يهتم أو يفكر في المعنى الحقيقي لكلامه. وهذا، للأسف، يهزم صورته السياسية أمام الجميع، حتى أولئك الذين صفقوا على استحياء، ربما مجاملة لحظية، لكن وازعاً وطنياً في ضمائرهم يرفض هذا الانزلاق الخطير في تجريم المؤسسة العسكرية السودانية،من أحل تخفيف وطأة انتهاكات قوات التمرد.
سؤال بسيط: لو كان المهندس عمر الدقير في المنصة ذاتها,.. هل تتوقع أن يقول مثل هذا؟
خالد يحتاج إلى استدراك مسلكه السياسي.
عثمان ميرغني
#حديث_المدينة الثلاثاء 15 أبريل 2025
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
الخارجية السودانية: واشنطن تجاهلت التعاون الثنائي بشأن مزاعم الأسلحة الكيميائية وفرضت عقوبات دون أدلة
متابعات تاق برس – أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية، أن الحكومة لم تدّعِ في أي مرحلة أن لجنتها الوطنية للتحقيق في مزاعم استخدام أسلحة كيميائية تمثل بديلاً لآليات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مشددة على أن تشكيل اللجنة جاء اتساقاً مع أحكام الاتفاقية الدولية وفي إطار مسؤوليتها الوطنية للتحقق من الوقائع.
وقالت الوزارة، في بيان اليوم الخميس، إنها تابعت تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية التي علقت على بيان الحكومة السودانية بشأن المزاعم المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية، معتبرة أن تلك التصريحات جاءت في سياق تبرير العقوبات الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان استناداً إلى هذه المزاعم.
وأضافت الخارجية السودانية أن الولايات المتحدة تجاهلت، بحسب البيان، مسار الانخراط الثنائي الذي استمر لأكثر من عام بين الجانبين لمناقشة هذه القضية، مشيرة إلى أن واشنطن لم تقدم خلال تلك الفترة أي دليل مادي أو فني يدعم اتهاماتها.
وأوضح البيان أن السودان اقترح في أكثر من مناسبة إرسال خبراء أمريكيين لإجراء تحقيقات ميدانية والتحقق المباشر من المزاعم، إلا أن الجانب الأمريكي لم يستجب لهذه الدعوات، واختار بدلاً من ذلك فرض عقوبات أحادية دون اللجوء إلى الآليات والإجراءات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وجددت الحكومة السودانية، وفق البيان، التزامها الكامل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية واستعدادها للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفقاً لأحكام الاتفاقية، داعية المجتمع الدولي إلى رفض تسييس الآليات الدولية والتمسك بمبادئ العدالة والحياد وسيادة القانون.
أسلحة كيميائيةالعقوبات الأمريكية على السودانوزارة الخارجية السودانية