انطلقت اليوم فعاليات معرض عمان للبترول والطاقة 2025 وأسبوع عمان للاستدامة 2025، الذي تنظمه وزارة الطاقة والمعادن بالتعاون مع شركة تنمية نفط عمان، تحت شعار "التنمية المستدامة: تحقيق التوازن بين التقدم والحفاظ على البيئة"، بمشاركة عدد من الجهات الحكومية والخاصة، وممثلي الشركات المحلية والعالمية العاملة في قطاع الطاقة، وذلك تحت رعاية صاحب السمو السيد تيمور بن أسعد بن طارق آل سعيد.

أكد معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي، وزير الطاقة والمعادن، أن النسخة الرابعة من أسبوع عُمان للاستدامة تُعد الحدث السنوي الأبرز لقطاع الطاقة في السلطنة، مشيرًا إلى سعي الوزارة هذا العام لتوحيد جميع الفعاليات والمؤتمرات المرتبطة بالطاقة والاستدامة تحت مظلة واحدة، بما يضمن تغطية شاملة لكافة مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة والنفط والغاز.

وأوضح معاليه أنه تم دمج مؤتمر الطاقة والبترول ضمن فعاليات الأسبوع، بهدف رفع الكفاءة وتحقيق مبدأ الاستدامة في تنظيم الفعاليات، وتفادي التكرار، مع إبراز توجهات السلطنة في هذا القطاع الحيوي، مشيرًا إلى التزام سلطنة عُمان بمواصلة إنتاج النفط والغاز بطريقة مستدامة عبر تبني تقنيات حديثة لخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة العمليات، بما في ذلك الطاقة الكهربائية المستخدمة في الاستخراج.

كما شدد العوفي على أهمية مركز عمان للحياد الصفري الذي تم تدشين هويته الجديدة اليوم، والذي يتابع تنفيذ الخطط الوطنية لتحقيق الحياد الصفري بحلول 2050، من خلال استقطاب التقنيات المتقدمة ورفع كفاءة استهلاك الطاقة.

ولفت العوفي إلى ارتفاع عدد الشواحن الكهربائية في سلطنة عمان إلى أكثر من 180 شاحنا، وزيادة عدد السيارات الكهربائية بنسبة تجاوزت 300%.

كما أشار إلى تدشين محطتي "منح 1 و2" للطاقة المتجددة بطاقة تقارب 1000 ميجاواط، وتجاوزت نتائج التشغيل التوقعات.

وأضاف معاليه: إن السلطنة أطلقت أول محطة لإنتاج وتخزين وتعبئة الهيدروجين الأخضر، وتم تزويد تاكسي مطار مسقط بـ15 سيارة تعمل بالهيدروجين، كما يجري العمل على تطوير "طريق الهيدروجين" بالتعاون مع وزارة النقل وشركة تنمية نفط عمان لربط الموانئ الرئيسية مثل صحار وصلالة بمناطق الامتياز عبر محطات متخصصة.

وأشار إلى وجود 5 إلى 6 مشاريع جديدة لطاقة الرياح قيد التنفيذ، مع التركيز على هذا المصدر في المرحلة المقبلة نظرًا للإمكانات الطبيعية المتوفرة، مؤكدًا استمرار الجهود بالتعاون مع شركة نماء وهيئة تنظيم الخدمات العامة لإيجاد حلول مبتكرة لتخزين الطاقة، معلنًا قرب الإعلان عن أول مشروع لتخزين الطاقة المتجددة، ما سيُعزز مكانة عُمان كمركز رائد في هذا المجال.

واستعرض جيمي، أحد رواد الاقتصاد الدائري، تجربته الشخصية التي شكّلت نقطة انطلاق لرحلته في هذا المجال، وفتحت أمامه أفقًا جديدًا لفهم التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه العالم اليوم.

وتساءل جيمي: لماذا تُنتج أشياء لا تُستخدم إلا لمرة واحدة ثم تُرمى؟ وما هو مصيرها؟ وما الذي يعنيه أن نستهلك ونرمي بهذه السهولة؟ ليبدأ رحلته في البحث في مفاهيم الاقتصاد الدائري، ومواجهة تحديات النمط الاقتصادي الخطي السائد، الذي يعتمد على ثلاث مراحل رئيسية: الاستخراج، التصنيع، ثم التخلص.

وقدّم جيمي نظرة تحليلية دقيقة للواقع البيئي والاقتصادي العالمي، مشيرًا إلى حجم الهدر المهول الذي تخلّفه النماذج الاقتصادية التقليدية، فأكثر من ثلث الطعام المنتج عالميًا يُهدر، ما يكلّف الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنويًا، في حين يُنتج العالم نفايات تقنية يومية تعادل وزن سفينتين سياحيتين، في ظل ثقافة استهلاكية لا تولي اعتبارًا لدورة حياة المنتجات أو لاستدامة الموارد.

وشرح مفهوم "حدود الكوكب"، الذي وضعه مجموعة من العلماء لتحديد الخطوط الحمراء التي لا ينبغي للبشرية تجاوزها كي لا تُخلّ بتوازن النظم البيئية. ووفقًا لأحدث البيانات، فقد تجاوز العالم ستة من أصل تسعة حدود كوكبية، منها تغيّر المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتغيّرات استخدام الأراضي، وتلوث المياه العذبة، بالإضافة إلى الكيانات الجديدة كالجسيمات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية الدائمة التي يصعب تحللها.

وأشار جيمي إلى أن الحل لا يكمن فقط في تقليل الاستهلاك، بل في إعادة تصور النموذج الاقتصادي برمته، وهنا يأتي دور الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على مبادئ إعادة التصميم، وإعادة الاستخدام، والتجديد، والصيانة، والاستفادة القصوى من الموارد قبل أن تصبح نفايات، موضحًا أن هذا النموذج لا يسعى فقط إلى تقليل الأثر البيئي، بل يقدم فرصًا اقتصادية واعدة وابتكارات جديدة تسهم في تحقيق النمو المستدام، مؤكدًا أن هذا التوجه لم يعد رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل ضرورة ملحّة لمواجهة التحديات البيئية وتلبية طموحات الأجيال القادمة.

وجّه جيمي رسالة خاصة إلى سلطنة عمان، معتبرًا أن لديها فرصة فريدة لتبنّي الاقتصاد الدائري ضمن رؤيتها المستقبلية "عُمان 2040"، وأوضح أن التحديات البيئية مثل شح المياه، والاعتماد على الموارد غير المتجددة، إلى جانب الرغبة في تنويع الاقتصاد، كلها عوامل تجعل من الاقتصاد الدائري خيارًا استراتيجيًا. كما أشار إلى أن مساعي السلطنة في التحول إلى الطاقة المتجددة، وخاصة مشاريع الهيدروجين الأخضر، يمكن أن تكتسب زخمًا إضافيًا إذا اقترنت بنماذج دائرية تسهم في تقليل الفاقد وزيادة الكفاءة.

ودعا الشباب العُماني إلى خوض غمار هذا المجال، واستغلال الفرص التي يتيحها، سواء عبر ريادة الأعمال، أو تطوير حلول تقنية مبتكرة، أو المساهمة في التغيير على مستوى السياسات العامة، مشددًا على أن الاقتصاد الدائري ليس فقط مسارًا نحو الاستدامة، بل بوابة لاقتصاد أكثر مرونة، وعدالة، وإبداعًا.

مركز عمان للحياد الصفري

كما دشّن صاحب السمو راعي الحفل مركز عُمان للحياد الصفري التابع لوزارة الطاقة والمعادن، والذي يُعنى بوضع وتحديث الخطة الوطنية لتحقيق الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2050، ويشمل عمل المركز متابعة تنفيذ المبادرات الداعمة، وتقديم الدعم الفني والاستشاري للجهات الحكومية والخاصة، إلى جانب تعزيز كفاءة استخدام الطاقة، وبناء القدرات الوطنية، ونشر الوعي في مجالات الاستدامة.

ويأتي إنشاء المركز ضمن جهود الحكومة لمعالجة آثار التغير المناخي، وتسريع وتيرة التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة من خلال إعداد أطر قانونية، وتقديم الحوافز لتشجيع الاستثمارات وتوطين التقنية النظيفة.

توقيع الاتفاقيات

أكد أشرف بن محمد المعمري، رئيس مجموعة أوكيو، على توقيع المجموعة نحو 12 اتفاقية استراتيجية في مجالات متعددة تتعلق بالاستدامة، تُقدّر قيمتها الإجمالية بنحو ملياري دولار، وذلك في إطار التزام المجموعة بدعم توجهات سلطنة عُمان نحو الحياد الكربوني والتحول إلى الطاقة النظيفة.

وأوضح المعمري أن من أبرز هذه الاتفاقيات هي المتعلقة بمشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والتي سيتم تنفيذها بالتعاون مع شركة أوكيو للطاقة البديلة وشركة توتال الفرنسية، ضمن موقع التشغيل التابع لشركة تنمية نفط عُمان، مشيرًا إلى أن هذه من أولى مشاريعهم في مجال الطاقة المتجددة، والتي تمثل نقلة نوعية في جهودهم لتحقيق مستقبل مستدام.

وأشار المعمري إلى توقيع اتفاقية مع مجموعة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، والتي تهدف إلى دراسة تقنيات احتجاز ثاني أكسيد الكربون، واصفًا إياها بأنها "من الاتفاقيات الرائدة على مستوى المنطقة في هذا المجال الحيوي".

وفيما يتعلق ببناء القدرات الوطنية، كشف المعمري عن توقيع اتفاقية بين شركة الاستكشاف والإنتاج التابعة لأوكيو والجمعية العُمانية للطاقة، تهدف إلى تدريب أكثر من 400 شاب وشابة في مشاريع المجموعة المختلفة، بالتعاون مع عدد من شركات المقاولات.

كما أشار المعمري إلى أن أوكيو تعمل على دعم الشركات الناشئة من خلال مسرعة الأعمال التابعة لها، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات مع مؤسسات صاعدة فازت بفرص التمويل، على أن يتم الكشف عن تفاصيلها خلال فعاليات أسبوع الاستدامة.

كما يتضمن البرنامج معارض استراتيجية، ومؤتمرات، وورش عمل، وجلسات نقاش، ومن المتوقع أن يستقطب أكثر من 30,000 زائر من 50 دولة، بمشاركة 350 شركة و2,400 مندوب، ما يُبرز دور عُمان كمركز إقليمي للحوار في قضايا الطاقة والاستدامة، ويُحقق قيمة اقتصادية مضافة لقطاعات السياحة والضيافة والنقل، دعمًا لرؤية عُمان 2040.

وتُعد حوارات أسبوع الاستدامة وحوارات مؤتمر الطاقة محاور أساسية لتبادل المعرفة، حيث تسلط الضوء على ممارسات الاستدامة، والابتكار، والاقتصاد الدائري، بينما تجمع محادثات مؤتمر الطاقة كبار التنفيذيين وقادة القطاع لمناقشة موضوعات محورية مثل الرقمنة، التكامل المتجدد، ومستقبل الغاز.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الاقتصاد الدائری الطاقة المتجددة بالتعاون مع هذا المجال مشیر ا إلى أکثر من سلطنة ع إلى أن فی هذا

إقرأ أيضاً:

اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب

مؤخرًا، أعاد الخبير الاقتصادي داني رودريك إحياء إحدى أكثر المناقشات دوامًا في مجال اقتصاديات التنمية، زاعمًا أن البلدان النامية ينبغي لها أن تحول اهتمامها من التصنيع إلى الخدمات المعززة للإنتاجية؛ وهو بهذا يتحدى الافتراض السائد منذ أمد بعيد بأن التحول إلى التصنيع يظل المحرك الرئيسي للتنمية.

لكن القضية الأعمق ليست ما إذا كان ينبغي للخدمات أن تحل محل التصنيع، بل ما إذا كان فهمنا للتحول البنيوي يجب أن يظل على أنه حركة الموارد بين القطاعات في المقام الأول. الواقع أن هذا الإطار، الذي وجه اقتصاديات التنمية لأكثر من نصف قرن من الزمن، أصبح متعارضا على نحو متزايد مع الطريقة التي تخلق بها الاقتصادات الحديثة القيمة فعليا.

من دبليو. آرثر لويس وراؤول بريبش إلى ألبرت هيرشمان ونيكولاس كالدور، كان التحول البنيوي يُفهم على أنه إعادة توزيع العمالة ورأس المال من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر إنتاجية.

احتل التصنيع مركز الصدارة لأنه جمع بين اقتصاديات الإنتاج الضخم، والتعلم التكنولوجي، ونمو الإنتاجية المستدام. لكن هذا الإطار عكس حقائق عصر حيث كانت المصانع في صميم التقدم التكنولوجي ونمو الدخل.

لم تتغير أهداف التنمية منذ ذلك الحين، حيث تظل الإنتاجية، والتعلم التكنولوجي، والتعقيد الاقتصادي ركائز الازدهار الطويل الأمد. ما تغير هو مكان ــ وكيفية ــ ظهور هذه القدرات.

يقود هذا التحول ثلاثة عوامل؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين العمالة والإنتاج بسرعة، في حين أعاد التشرذم الجيوسياسي السياسة الصناعية إلى صميم الاستراتيجية الاقتصادية. في الوقت ذاته، يعمل التحول نحو الطاقة النظيفة على إعادة تنظيم الإنتاج حول التكنولوجيات الجديدة، والمعادن الـحَرِجة، والصناعات المنخفضة الكربون. ورغم أن أيا من هذه التطورات لا يقلل من أهمية التصنيع، فإنها تشير مجتمعة إلى أنها لم تعد تحدد مسار التحول البنيوي.

ما يهم على نحو متزايد ليس القطاعات بحد ذاتها، بل القدرات الإنتاجية التي تشملها. يعتمد التصنيع الحديث على البرمجيات، واللوجستيات، والتمويل، والمنصات الرقمية، بينما تعتمد الزراعة على التكنولوجيا الحيوية، وصور الأقمار الصناعية، والهندسة الدقيقة.

وتقود الخدمات المتطورة الآن عملية التعلم التكنولوجي، والإبداع، ودينامية التصدير التي كانت ترتبط في الماضي حصريا تقريبا بالتصنيع. نتيجة لهذا، تتلاشى على نحو مضطرد الحدود التي كانت تفصل بين هذه القطاعات في الماضي.

من نواحٍ عديدة، كانت القدرات دوما المحرك الحقيقي للتحول البنيوي. ولأن الخدمات الإنتاجية تضطلع على نحو متزايد بالدور الذي لعبته الصناعة التحويلية تاريخيا، فإن السؤال الأهم هو: ما هي الأنشطة التي تعمل باستمرار على توسيع قدرة الاقتصاد الإنتاجية؟

تكمن الإجابة في النظم الإيكولوجية التي تدمج التصنيع والهندسة مع البحث، والبنية الأساسية الرقمية، والتمويل، والمؤسسات العامة.

لنتأمل هنا مثال بطاريات المركبات الكهربائية. تشجع السياسة الصناعية التقليدية دولا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية على معالجة الكوبالت محليا بدلا من تصدير الخام. لكن التصنيع المحلي وحده لم يعد يضمن حصول الدول على الأجزاء الأكثر ربحية في سلسلة القيمة.

فحتى لو نجحت جمهورية الكونغو الديمقراطية في إنتاج مكونات البطاريات ــ أو حتى البطاريات ذاتها ــ فسوف يتدفق قسم كبير من القيمة إلى أماكن أخرى طالما ظل التصميم، والمعدات المتخصصة، والبرمجيات، والمعايير الفنية، وشبكات التوزيع متركزة في الخارج.

توضح الصين هذه الديناميكية؛ فعلى الرغم من براعتها التصنيعية، لا تنبع ميزة الصين التنافسية من حجم التصنيع بقدر ما تنبع من سيطرتها على التكنولوجيات، والدراية الفنية، والملكية الفكرية، والنظم البيئية الصناعية التي يعمل التصنيع في إطارها. الدرس واضح: يتطلب التحول البنيوي الانتقال من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة امتلاك النظام البيئي الإنتاجي ذاته.

أما في حالة أفريقيا، فإن هذا الدرس يعزز الحجة لصالح التصنيع، حيث يظل بناء القدرات التكنولوجية والاستحواذ على مزيد من القيمة محليا من الأولويات الأساسية. بل يعمل الذكاء الاصطناعي والأهمية المتنامية التي تكتسبها الخدمات الإنتاجية على تعزيز الدور الذي يضطلع به التصنيع كمصدر قوي للتعلم، والتقدم التكنولوجي، وبناء القدرات.

بيد أن المزايا النسبية التي تتمتع بها أفريقيا تتطور هي أيضا. وعلى عكس الدول التي تأخرت في التنمية سابقا، تسعى الدول الأفريقية إلى التصنيع في عالم حيث يعمل التغير الديموغرافي، والتحول المناخي، والتكنولوجيات الرقمية على تحويل المشهد التنموي. ومع تقدم الاقتصادات المتقدمة في العمر، من المتوقع أن تستحوذ أفريقيا على قسم كبير من النمو في عدد السكان في سن العمل والطلب الاستهلاكي على مستوى العالم.

ولأن الدول الأفريقية غير مقيدة بأنظمة الإنتاج الموروثة، فإنها تستطيع بناء أنظمة الطاقة المتجددة، والصناعات المنخفضة الكربون، والبنية الأساسية المتكاملة رقميا من الصفر، بدلا من إعادة تأهيل الأنظمة الكثيفة الكربون التي بُنيت على مدار أكثر من قرن من الزمن. لكن قدرتها على الاستفادة من هذه المزايا ستعتمد على قدرتها على بناء مؤسسات تعزز التعلم والإبداع.

يجب أن تتطور السياسة الصناعية وفقا لذلك؛ فبدلا من الاكتفاء بتشجيع التصنيع أو استهداف قطاعات استراتيجية، يجب أن تعمل الحكومات على تهيئة الظروف الملائمة لتوسيع القدرات الإنتاجية. وهذا يعني رعاية أنظمة بيئية تربط الشركات بالجامعات، والمؤسسات البحثية، والنظم المالية، والبنية الأساسية الرقمية، والأسواق الإقليمية.

كان التصنيع في أفريقيا يرتبط دوما ببناء الأسس المؤسسية التي يقوم عليها أي اقتصاد حديث. تعتمد المجتمعات الصناعية على الأسواق الرسمية، والخدمات اللوجستية الحديثة، والوساطة المالية، والعقود القابلة للإنفاذ، والبيانات الجديرة بالثقة، وكل هذا مدعوم بمؤسسات قادرة على إدارة التفاعلات الاقتصادية المعقدة. لا تمثل المصانع سوى جزء واحد من هذه البنية الأوسع نطاقا.

هنا، تعرض علينا التكنولوجيات الناشئة فرصا جديدة لم تكن متاحة للدول التي تأخرت في التنمية سابقا. فالمدفوعات الرقمية، وأنظمة تحديد الهوية، والمنصات العامة القابلة للتشغيل البيني، والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل كفيلة بتسريع عملية إضفاء الصفة الرسمية، وخفض تكاليف المعاملات، وتحسين إدارة الضرائب، وتوسيع نطاق القدرة على الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرات الدولة.

الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، يملك القدرة على تحديث البنية المؤسسية التي تعمل الأسواق في إطارها. إذا أُدير الذكاء الاصطناعي على النحو السليم، فمن الممكن أن يساعد البلدان على تخطي مراحل من التنمية الصناعية، في حين يخلق فرصا جديدة لتطوير وحماية الملكية الفكرية.

من خلال تحدي مفهوم الاستثنائية الصناعية، قَدَّمَ رودريك خدمة قيّمة لاقتصاديات التنمية. وتتمثل الخطوة التالية في التشكيك في الاستثنائية القطاعية ذاتها وإعادة النظر في كيفية هيكلة الإنتاج.

في عالم يتمحور حول الشبكات الرقمية، والأصول غير الملموسة، والنظم البيئية الصناعية، سوف يعتمد الازدهار على قدرة الاقتصادات على تجميع وتجديد القدرات الإنتاجية. وبدلا من السير على خطى الدول التي تحولت إلى التصنيع في وقت سابق، يجب على أفريقيا أن تغتنم هذه اللحظة لصياغة نموذج جديد للتحول البنيوي.

*كارلوس لوبيس أستاذ في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة بجامعة كيب تاون. وهو مؤلف كتاب "فخ خداع الذات: استكشاف الأبعاد الاقتصادية للاعتماد على المساعدات الخيرية في إطار العلاقات بين أفريقيا وأوروبا".

*خدمة بروجيكت سنديكيت

مقالات مشابهة

  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • خبير اقتصادي: إغلاق باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار
  • ليالٍ فنية أردنية مميزة ضمن فعاليات مهرجان جرش في العاصمة عمان
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب
  • تحت شعار تعزيز النزاهة من أجل التعافي في اليمن : انطلاق الدورة التدريبية الوطنية في ” إدارة مخاطر الفساد القطاعية
  • برلماني: تعزيز المخزون الإستراتيجي يحصن الاقتصاد المصري من تداعيات الأزمات العالمية