مصر بين كماشة الاختناق الجيوسياسي: حدود مشتعلة ومخططات عابرة للأوطان!
تاريخ النشر: 12th, June 2025 GMT
في لحظة فارقة من عمر الجغرافيا السياسية في الإقليم، تقف مصر أمام معادلة بالغة التعقيد والخطورة، تُجسد صراع الإرادات، وتعيد تعريف الأمن القومي العربي برمّته. فبين كماشة الجنوب، وتوترات الغرب، وضغوط الشرق، تبدو خريطة التهديدات وكأنها تتقاطع جميعها عند عتبة الحدود المصرية، في مشهد لم يعد يحتمل التبسيط أو التأجيل في التحليل أو المواجهة.
الحدود الجنوبية: الدعم السريع و"أشباح" الخارج
قوات الدعم السريع السودانية، المدعومة بعناصر غير سودانية، تتحرك على مقربة من الحدود الجنوبية لمصر. هذا التحرك لا يبدو عشوائيًا، بل يأتي في توقيت حساس، ويطرح تساؤلات خطيرة حول أهدافه، خصوصًا في ظل انهيار الدولة السودانية ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الحرب هناك.
فهل تسعى هذه القوات إلى اختبار جاهزية الرد المصري؟ أم أن هناك من يدفع الصراع جنوبًا لخلط الأوراق من جديد؟
الحدود الغربية: قوافل "غامضة" وممرات مهجورة
من ليبيا، وفي ظل الفوضى التي تعصف بالمنطقة منذ سنوات، تُرصد تحركات لقوافل بشرية خارجة من الجزائر، مرورًا بتونس وليبيا، باتجاه الحدود الغربية لمصر. وتشير معلومات متداولة إلى نوايا لإدخال هذه القوافل إلى الأراضي المصرية بهدف الوصول إلى قطاع غزة، ما يطرح علامات استفهام خطيرة حول التنسيق، والتمويل، والأهداف الحقيقية.
فهل نحن أمام سيناريو لإعادة رسم خرائط الهجرة واللجوء في المنطقة؟ أم أن هناك محاولات ممنهجة لإرهاق مصر من بواباتها الخلفية؟
الحدود الشرقية: غزة و"صفقة التهجير" الناعمة
في الشرق، تدفع إسرائيل بعشرات الآلاف من سكان غزة نحو معبر رفح، محاولةً خلق ضغط ديموغرافي هائل على سيناء، ضمن ما يشبه خطة تهجير قسري ناعمة. ورغم صمود غزة ومقاومتها، فإن الأوضاع الإنسانية المتدهورة قد تخلق ظروفًا قسرية تُجبر الآلاف على النزوح.
وهنا تطرح مصر تساؤلاتها السيادية الكبرى: هل يُراد لها أن تتحمل عبء تصفية القضية الفلسطينية على أرضها؟
جغرافيا العقاب ولعنة الموقع
لطالما كانت الجغرافيا سلاحًا ذا حدّين. فبالنسبة لمصر، كان الموقع نعمة ونقمة. من قناة السويس إلى البحر الأحمر، ومن سيناء إلى الحدود الطويلة مع ليبيا والسودان، تبدو البلاد وكأنها في مرمى نيران متقاطعة.
إن "لعنة الموقع"، كما يسميها بعض منظّري "الجيوبوليتيك"، تفرض على مصر تحديات لا يمكن التعامل معها بالأدوات التقليدية وحدها، بل تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تستبق الأحداث وتُعيد تعريف مفهوم الردع والسيادة.
من يُشعل حدود مصر؟
السؤال الأهم الذي لا ينبغي تجاهله: من يُشعل حدود مصر في هذا التوقيت؟ من الذي يدفع بقوات غير نظامية من الجنوب، ويحرّك قوافل بشرية من الغرب، ويخلق ضغطًا ديموغرافيًا من الشرق؟ ومن المستفيد من إنهاك الدولة المصرية ومحاصرتها على كل الاتجاهات؟
إن تتبع خطوط الاتصال بين بعض العواصم الإقليمية والغربية يُظهر أن ما يجري ليس صدفة، بل هو جزء من صراع أكبر على النفوذ والمصالح، قد تكون مصر فيه الهدف أو الجائزة.
اللحظة الحاسمة: بين الصمود والمواجهة
إنها لحظة حاسمة، تتطلب من الدولة المصرية أعلى درجات الحذر واليقظة، وأقصى درجات التنسيق السياسي والعسكري، ليس فقط لحماية حدودها، بل للحفاظ على دورها الإقليمي، وهويتها الوطنية. كما أن هذه اللحظة تتطلب من النخب الفكرية والسياسية في الوطن العربي مراجعة المفهوم الغائب للأمن القومي، الذي تاه في دهاليز الانقسامات والحسابات الضيقة.
لم يعد الأمر مجرد تحركات على أطراف الخريطة، بل أصبح اختبارًا مصيريًا لوحدة الأرض والقرار والوعي.
[email protected]
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: ليبيا سيناء الجزائر تونس الدعم السريع حدود مصر صمود غزة والسودان
إقرأ أيضاً:
قافلة فلسطين البرية.. مسار لم يُجرَّب من قبل ونهاية معلقة عند الحدود
تستعد مبادرة مدنية دولية تحمل اسم "قافلة فلسطين" لإطلاق تحرك بري عابر للحدود، تنطلق مرحلته الجماعية الأبرز يوم الأحد المقبل من مدينة سربرنيتسا في البوسنة والهرسك، بمشاركة أكثر من 500 ناشط و17 حافلة وعشرات المركبات، وفق ما أعلنه المنظمون حتى اللحظة.
وتسعى القافلة إلى شق مسار بري طويل يمر عبر دول البلقان وتركيا والعراق والأردن باتجاه الأراضي الفلسطينية.
غير أن هذا المسار لا يعني أن الوصول مضمون؛ فالمنظمون لا يقدمون تعهدا بالدخول، وبينما تبقى غزة في خطابهم السياسي والإنساني، يحدد الموقع الرسمي للقافلة حدود الضفة الغربية وجهة عملية معلنة.
ما "قافلة فلسطين" ومن يقف وراءها؟تقدم المبادرة نفسها بوصفها تحركا مدنيا عالميا وسلميا، وشراكة مفتوحة بين ناشطين ومجموعات من دول مختلفة، لا منظمة واحدة مغلقة.
وتقول إنها ترتكز على المسار الذي بدأته "المسيرة العالمية إلى غزة"، فيما تتولى حركة "صمود أناضول" الدور الرئيسي في إطلاقها وتنظيمها.
ويعلن الموقع الرسمي فريقا للتنسيق يضم جنكيز أصلان منسقا، وحسين دورماز متحدثا رسميا، وفاطمة الزهراء الهبيبي مسؤولة عن التنسيق الدولي.
كما يظهر داود طاش قيران مسؤولا عن العلاقات مع منظمات المجتمع المدني في الوفد التركي، ومصطفى تشاكيجي منسقا أوروبيا للمبادرة.
متى تنطلق وكم عدد المشاركين؟لا تتحرك القافلة ككتلة واحدة من نقطة واحدة، بل على مراحل:
قبل 26 يوليو/تموز: مشاركون من دول أوروبية عدة يغادرون مدنهم متجهين إلى البوسنة والهرسك.
وكان المنسق الأوروبي مصطفى تشاكيجي قد تحدث لموقع "يوروباليستاين" عن تحرك مركبات من لندن وبروكسل وباريس وبرشلونة وليون، تنضم إلى بعضها البعض وهي تتجه شرقا وفق ما وصفه بـ"تأثير كرة الثلج".
في البوسنة والهرسك: يتجمع القادمون من أوروبا في سراييفو، فتتشكل القافلة ككتلة واحدة لأول مرة.
في 26 يوليو/تموز: ينطلق التحرك الجماعي من مدينة سربرنيتسا شرقي البوسنة، بعد بيان صحفي ودعاء لضحايا الإبادة التي شهدتها المدينة عام 1995، ثم تتجه القافلة نحو ألبانيا واليونان فتركيا.
بعد مغادرة البوسنة والهرسك، تمر القافلة عبر ألبانيا واليونان، وتدخل تركيا من أدرنة.
إعلانوتشمل المحطات التركية، بحسب آخر تحديث، إسطنبول وسكاريا وأنقرة وقونية وأضنة وغازي عنتاب وشانلي أورفا وديار بكر وماردين، قبل العبور من معبر الخابور إلى العراق، ثم التوجه إلى الأردن.
وكان إعلان سابق قد ذكر بورصة وشرناق ضمن المحطات، مما يشير إلى أن بعض التفاصيل اللوجستية ما تزال قابلة للتعديل.
ويقول الموقع الرسمي إن تفاصيل ما بعد تركيا، بما فيها المرور عبر العراق أو التوجه مباشرة إلى الأردن، "سيُنسّق ويوضّح".
ويتنقل المشاركون بالحافلات والسيارات والمركبات الخاصة بعد التسجيل والمقابلة والتدريب.
ومن المقرر أن تلتقي في إسطنبول وفود من تركيا وإيطاليا وإسبانيا والبوسنة والهرسك وألمانيا لتشكيل قافلة أكبر، فيما تقدر مدة الرحلة بنحو 20 يوما، من دون إعلان طول المسار بالكيلومترات.
لماذا اختير الطريق البري؟يأتي اختيار الطريق البري بعد تجارب سابقة سلك فيها ناشطون مسارات بحرية وبرية دعما للفلسطينيين. ويقول تشاكيجي إن أي مقاربة سلمية "يجب أن تعيد ابتكار نفسها باستمرار لتجاوز العقبات الموضوعة في طريقها".
كما يتيح هذا المسار للقافلة التوسع في كل محطة، عبر فعاليات تستقطب مشاركين جددا وتبقيها حاضرة إعلاميا على امتداد الرحلة.
وقال طاش قيران في تصريح سابق لوكالة الأناضول: "نخطط للوصول إلى فلسطين عبر العراق ثم الأردن. هذا المسار البري لم يُجرّب من قبل، وسنمر به لأول مرة وسط حماس وإقبال كبيرين من المشاركين".
ويحمل الانطلاق من سربرينيتسا دلالة رمزية أيضا، إذ قال دورماز إن القافلة تتحرك من مدينة ارتبط اسمها بإبادة سابقة لإعادة توجيه أنظار العالم إلى ما يجري في غزة.
ماذا تريد القافلة وهل تحمل مساعدات؟تطرح المبادرة ثلاثة مطالب تصفها بأنها "واضحة وصريحة وغير قابلة للتفاوض": إنهاء احتلال الضفة الغربية ووقف الضم والهجمات، وسحب تشريع عقوبة الإعدام الموجه إلى الفلسطينيين، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومنع ما تصفه بضغط هجرة قد يسببه ضم الضفة نحو الأردن.
وقد تضم القافلة، في حدود الإمكانات اللوجستية، مواد إغاثة وسيارات إسعاف. لكن دورماز يقول إن جوهرها سياسي ومدني، وإنها حركة جماعية "سلمية وغير عنيفة، لكنها حازمة وشجاعة".
غزة أم الضفة الغربية؟ وهل جرى تأمين العبور؟تحضر غزة في قلب خطاب القافلة، إذ يقول دورماز إن المبادرة تسعى إلى إبقاء ما يجري في القطاع على الأجندة العالمية. لكن الموقع الرسمي يحدد "الأردن وحدود الضفة الغربية" وجهة عملية معلنة، ولا تتضمن مطالب القافلة خطة معلنة لدخول قطاع غزة.
ويجمع تشاكيجي بين الأمرين بقوله إن التوجه إلى فلسطين يمنح التحرك قوته، بينما تبقى غزة "النقطة الأكثر انكشافا".
أما العبور فغير مضمون. ويقول تشاكيجي إن المنظمين تواصلوا مع دول عبور ومؤسسات دولية في العراق والأردن وأوروبا سعيا إلى تأمين ممر آمن، مع إبقاء بعض التفاصيل سرية لأسباب أمنية.
ولا تتضمن المعطيات المنشورة تأكيدا معلنا من عمّان أو بغداد بمرور القافلة. ويقر تشاكيجي: "نحن لا نعد أحدا بالدخول، بل نسير نحو فلسطين كمن يحدد وجهة".
وبذلك تبدو القافلة حتى الآن تحركا سياسيا عابرا للحدود أكثر من كونها ممرا مضمونا؛ فمسارها معلن في خطوطه العامة، أما نهايته الفعلية فستحسمها قرارات العبور عند الحدود.
إعلان