إذا لم يكن العدوان الإسرائيلي الأخير على إيران مفاجئا في توقيته وطبيعته، فإن المفاجئ فيه والصادم هو السياق الدولي الذي جرى فيه. فحين تتعرض دولة عضو في الأمم المتحدة، ذات سيادة كاملة، لضربات جوية تستهدف بنيتها التحتية النووية والمدنية، بلا غطاء قانوني، ولا ردع دولي، ولا حتى اعتراض دبلوماسي ذي قيمة، فإن الأمر لا يبقى في حدود النزاع الإقليمي المحدود، ولكنه انهيار محوري في العلاقات الدولية، واحترام سيادة الدولة الوطنية.
العدوان الذي استهدف منشآت نووية إيرانية، ومباني رسمية مثل وزارة الخارجية، ومقار إعلامية كبرى، بات يلقى يوما بعد آخر تأييدا قويا ودعما من قوى غربية كان حريا بها أن تسعى لوقف الحرب لا الانغماس فيها. وحين يصرح رئيس أكبر دولة في العالم بالقول إن اغتيال أكبر سلطة سياسية ودينية في إيران «هدف سهل» وأنه ينتظر الوقت المناسب لتحقيقه فهذا يخرج من سياق استعراض القدرات العسكرية إلى الدلالة الرمزية التي تشير بوضوح كامل إلى أنه لم يعد هناك في العالم أي خطوط حمراء ولا معنى فعلي لفكرة «الشرعية الدولية».
ما يشهده العالم اليوم بالتحديد هو الانتقال من نظام عالمي قائم على التوازنات والقواعد، إلى مرحلة التقويض المنهجي لأطر القانون الدولي. وهذا التحول لم يبدأ مع إيران ولكنه في الحقيقة بدأ مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 حين التفّت الولايات المتحدة على الأمم المتحدة، وشكّلت تحالفا دون غطاء قانوني، ثم صنعت رواية «أسلحة الدمار الشامل» التي تبيّن لاحقا أنها محض وهم كبير.
لكن ما يميز اللحظة الراهنة أن التفكك لم يعُد استثناء كما كان في عام 2003 ولكنه صار هو القاعدة الجديدة التي تحكم العالم.. فلم تعد القوانين الدولية عائقا أمام استخدام القوة، بل صارت في كثير من الأحيان جزءا من السردية التي تبررها. وبهذا المعنى، نحن لا نشهد مرحلة موت «النظام الدولي» بشكله الكلاسيكي، ولكن نشهد صعود نظام بديل، أكثر خطورة، يمكن أن نطلق عليه نظاما بلا قواعد، وبلا مؤسسات ضامنة، وبلا محاكم ذات فاعلية.
وفي إطار هذا التحول تصبح السيادة الوطنية مجرد مفهوم اسمي لا معنى جوهريا له. والدولة التي لا تندرج ضمن تحالفات الغرب، أو لا تتموضع ضمن المعسكرات الكبرى، تُصنّف ضمن «الأنظمة المارقة»، ويُفتح الباب لاستخدام أدوات القوة ضدها تحت مسميات متغيرة: الردع، الدفاع الوقائي، الاستباق الأمني، أو «حماية الأمن الدولي».
ومخطئ من يعتقد أن هذا الأمر يعني إيران وحدها، فآلية التصنيف هذه يمكن أن تطال، في الغد القريب، أي دولة شرق أوسطية تسعى إلى الاستقلال عن المحور الغربي، بصرف النظر عن نظامها السياسي.
كان النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد هيكلته بعد الحرب الباردة، يستند إلى ثلاث ركائز: قوة الردع، والشرعية القانونية، ومبدأ عدم التدخل.. ما نراه اليوم هو انهيار كامل تقريبا لكل ركيزة من هذه الركائز. قوة الردع لم تعد تردع أحدا، بل تغذي سباق التسلح. والشرعية القانونية فقدت معناها أمام فشل المؤسسات الدولية ولنا فيما حدث ويحدث في غزة خير مثال يشهد عليه الجميع الآن، أمّا مبدأ عدم التدخل فقد أصبح انتقائيا، يُفعل حسب الهوية الجيوسياسية للضحية.
ما يُقلق أكثر أن هذا «الفراغ النظامي» يُدار الآن بتكنولوجيا تتجاوز السياسة نفسها تتمثل في حرب الطائرات المسيّرة، والضربات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي في توجيه الهجمات، كل ذلك يعمّق هشاشة العالم بدل أن يضبطه، فلم يعُد الصراع بين دول وجيوش، بل بين أنظمة تشغيل وأجندات غير مرئية.
ومكانة الشرق الأوسط من هذا المشهد المحتم تتمثل في تحويله إلى مختبر لمرحلة ما بعد النظام. أما دول المنطقة فإنها تواجه سؤالا وجوديا خطيرا جدا هو: هل يمكن بناء أمن قومي في ظل انعدام المرجعيات الدولية؟ وهل هناك مستقبل لأي مشروع سياسي مستقل لا يخضع للابتزاز أو الحصار أو التهديد بالضربات الاستباقية؟
على هذه الدول أن تجيب على هذا السؤال وأن تجلس في حوار صريح بعيدا عن كل الأوهام التاريخية التي حرمت هذه المنطقة من أي استقرار حقيقي.. وتحاول أن ترى مستقبلها إن كان ثمة مجال للرؤية.
أما النظام العالمي فلا يبدو أن ثمة مجالا لإصلاحه ولكن من المهم أيضا أن يعاد تعريف الفكرة نفسها: ما هو النظام، إن لم يكن مبنيا على قواعد ملزمة للجميع؟ وما جدوى عضوية الأمم المتحدة، إذا كانت لا تضمن حماية دولة من عدوان خارجي؟ وإذا استمر هذا الاتجاه، فهل ستكون «القاعدة الجديدة» هي: من لا ينتمي إلى محور القوة، لا يستحق السيادة؟
من المؤكد أن ما بدأ في إيران لن يتوقف عندها. وإذا لم تتم مساءلة هذا المنعطف الخطير الذي دخل فيه العالم، فإن مرحلة ما بعد النظام ستكون بداية عصر جديد من الفوضى المستقرة.. فوضى تُدار بأزرار الطائرات المسيّرة، وتُشرعن بصمت مجلس الأمن، وتُنسى مع تسارع دورات العنف.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ما بعد
إقرأ أيضاً:
تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
تتجه الإمارات إلى تعزيز جودة بياناتها الاقتصادية باعتمادها البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي، الهادف إلى تحديث منظومة البيانات الاقتصادية ورفع دقتها ومواءمتها مع المعايير الدولية، بما يدعم صناعة القرار، ويعزز قابلية مقارنة المؤشرات الاقتصادية مع فضلى الممارسات العالمية.
ويتضمن البرنامج الذي أقره الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، اليوم الخميس، اعتماد عام 2024 سنة أساس موحدة للحسابات القومية، إلى جانب توحيد المنهجيات الإحصائية، وتوسيع مصادر البيانات، وربط السجلات الإدارية والضريبية بالحسابات القومية، بما يسمح بقياس أكثر شمولاً للأنشطة الاقتصادية الجديدة والمتسارعة النمو.
وتعني "سنة الأساس": السنة المرجعية التي تُستخدم أسعارها وأوزان قطاعاتها عند حساب الناتج المحلي الحقيقي ومقارنة أداء الاقتصاد عبر الزمن. واعتماد 2024 مرجعاً جديداً يعني أن وزن كل قطاع سيُعاد تحديده وفق حجمه ودوره في الاقتصاد خلال تلك السنة، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على هيكل اقتصادي يعود إلى سنوات سابقة، بحسب سعيد محمد، خبير اقتصاد.
هذا التحديث برأيه يكشف بصورة أدق الأنشطة القائمة، ويمنح القطاعات التي توسعت خلال السنوات الأخيرة وزناً أقرب إلى مساهمتها الحقيقية، موضحاً أن الاقتصاد الإماراتي شهد خلال العقد الماضي تغيرات هيكلية واسعة، مع توسع قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والسياحة والنقل والخدمات المهنية والاستثمار.
ومع استمرار استخدام سنة أساس قديمة، تبقى أوزان بعض القطاعات بحسب سعيد محمد، أقل من حجمها الفعلي، فيما يحتفظ عدد من الأنشطة التقليدية بأوزان لم تعد تعكس موقعها الحالي في الاقتصاد. ويعالج تحديث سنة الأساس هذه الفجوة، من خلال إعادة توزيع الأوزان القطاعية، استناداً إلى بيانات أحدث وأكثر شمولاً.
ويرى أن أهمية القرار داخلياً تكمن في تحسين قدرة الجهات الرسمية على قياس مساهمة القطاعات غير النفطية، وتحديد مصادر النمو، ورصد التحولات في الإنتاج والاستثمار والاستهلاك.
ويتيح ذلك للحكومة بناء السياسات الاقتصادية والموازنات والخطط الاستثمارية على قاعدة أكثر دقة، بدلاً من الاعتماد على مؤشرات قد لا تعكس بصورة كاملة سرعة التحولات التي شهدها الاقتصاد، وفق قراءة سعيد محمد.
البيانات الضريبية تدخل في صلب القياسيتزامن تحديث سنة الأساس مع توسيع مصادر المعلومات المستخدمة في إعداد الحسابات القومية، ومن أبرزها بيانات ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات والسجلات الإدارية الحكومية. وتوفر هذه المصادر معلومات أكثر تفصيلاً عن المبيعات والإيرادات والأنشطة المسجلة وعدد المنشآت وحركة التوظيف، ما يرفع مستوى التغطية مقارنة بالاعتماد على المسوح الدورية وحدها، وفقاً لخبير الاقتصاد سعيد محمد.
وأوضح أن "السجلات الإدارية هي البيانات التي تنتج بصورة مستمرة عن عمل المؤسسات الحكومية، مثل التراخيص والإقرارات الضريبية وبيانات التوظيف والمعاملات الرسمية". وإدماجها في النظام الإحصائي يقلل الفجوات، ويوسع نطاق رصد المنشآت، ويرفع دقة تقدير القيمة المضافة في كل قطاع.
وتشير هذه الخطوة برأيه إلى "انتقال النظام الإحصائي من الاعتماد الأكبر على العينات والتقديرات إلى استخدام قواعد بيانات واسعة ومستمرة، بما يسمح برصد أكثر سرعة ودقة للتغيرات الاقتصادية".
لماذا تعاد حسابات السنوات السابقة؟ولا يقتصر البرنامج على تطبيق سنة الأساس الجديدة على بيانات 2024 وما بعدها، بل يشمل إعادة بناء السلسلة الزمنية للناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و 2026، ويوضح سعيد محمد، أن السلسلة الزمنية هي مجموعة مترابطة من البيانات الاقتصادية الممتدة عبر سنوات متتالية. وإعادة بنائها تعني احتساب السنوات السابقة وفق المنهجية والأوزان والتصنيفات الجديدة، حتى تبقى المقارنة بين عام وآخر متسقة.
محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الإماراتhttps://t.co/8tOXXSXIMg pic.twitter.com/NtZAys4Vht
— 24.ae | الإمارات (@24emirates24) July 23, 2026وينتج عن المراجعة تعديل قيمة الناتج المحلي أو مساهمة بعض القطاعات أو معدلات النمو التاريخية. ولا يعني ذلك أن النشاط الاقتصادي في تلك السنوات تغير بأثر رجعي، بل إن المعلومات المتاحة أصبحت أشمل وطريقة القياس أكثر دقة، وفق خبير الاقتصاد.
ممارسة معتمدة في الاقتصادات الكبرىتحديث سنوات الأساس ومراجعة الحسابات القومية ممارسة دورية تتبعها الأنظمة الإحصائية المتقدمة، بهدف مواكبة التغير في بنية الاقتصادات وإدخال مصادر بيانات ومنهجيات جديدة.
وفي الاتحاد الأوروبي، نفذت الدول الأعضاء ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية مراجعة معيارية منسقة للحسابات القومية عام 2024. ويوضح مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" أن هذه المراجعات الكبرى تُنفذ بصورة منسقة مرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات، لضمان اتساق البيانات وقابليتها للمقارنة بين الدول.
وشملت المراجعة الأوروبية تحديث بيانات الناتج المحلي والتوظيف والحسابات القطاعية، وإدخال مصادر معلومات أكثر اكتمالاً، ما أدى إلى تعديل بعض التقديرات التاريخية من دون أن يعني ذلك وقوع نمو اقتصادي جديد وقت نشر النتائج.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ينفذ مكتب التحليل الاقتصادي مراجعات سنوية للحسابات القومية، إلى جانب تحديثات شاملة تمتد إلى فترات زمنية أطول وتدمج أحدث البيانات النهائية والتصنيفات والمنهجيات.
وتُعاد خلال هذه المراجعات صياغة السلاسل التاريخية لضمان اتساقها، بما يسمح بمقارنة الاتجاهات الاقتصادية عبر عقود من دون حدوث فواصل ناجمة عن تغير طرق القياس.
وفي 2026، أطلقت الهند سلسلة جديدة للناتج المحلي الإجمالي، وغيرت سنة الأساس من السنة المالية 2011-2012 إلى 2022-2023، مع إدخال بيانات ضريبة السلع والخدمات وبيانات الشركات والمالية العامة وسوق العمل.
أثر مباشر في ثقة المستثمرينعلى المستوى الدولي يوضح سعيد محمد، أن تحديث الحسابات القومية "يمنح المستثمرين والمؤسسات المالية وبيوت الأبحاث صورة أوضح عن الحجم الحقيقي للاقتصاد الإماراتي ومصادر نموه وتوزع النشاط بين القطاعات". فالمستثمر برأيه لا يقيّم معدل النمو فقط، بل ينظر أيضاً إلى جودة البيانات التي بُني عليها الرقم، ومدى شمول مصادرها، واتساقها مع المعايير الدولية، وقدرتها على إظهار التحولات داخل الاقتصاد.
كما يعزز اعتماد منهجيات متوافقة مع نظام الحسابات القومية الصادر عن الأمم المتحدة قابلية مقارنة بيانات الإمارات مع بيانات الاقتصادات الأخرى، ويقلل الفوارق الناتجة عن اختلاف طرق التصنيف والقياس.
وأوضح أن قابلية المقارنة الدولية تعني استخدام مفاهيم وتعريفات وتصنيفات متقاربة بين الدول، حتى تكون المقارنة بين أحجام الاقتصادات ومعدلات نموها ومساهمة القطاعات فيها أكثر دقة.
البيانات جزء من قوة الاقتصادويخلص سعيد محمد إلى أن "تطوير الأنظمة الإحصائية يُعد عالمياً استثماراً طويل الأجل في دعم جودة المؤشرات الاقتصادية".. "ويضمن مواكبة أدوات القياس للتحولات التي تشهدها الاقتصادات، ويعزز دقة البيانات التي تستند إليها السياسات الاقتصادية وقرارات الاستثمار".