مستقبل الصراع بين إيران وأمريكا
تاريخ النشر: 18th, June 2025 GMT
د. عبدالله الأشعل **
الصراع بين إيران والولايات المتحدة سببه الأساسي زرع إسرائيل في المنطقة ثمَّ هناك أسباب فرعية أخرى؛ وهي أنَّ إيران دولة مركزية وقديمة تُماثل مصر، وعندما كان الشاه يحكم إيران كانت المصالح الأمنية الأمريكية والإسرائيلية مضمونة، ولكن الثورة الإسلامية هي المشكلة، ولذلك فالصراع بين الطرفين صراع وجودي وعقائدي؛ بمعنى أن "إيران الثورة" قامت لتحرير إيران من السطوة الأمريكية وسطوة أسرة الشاه؛ ولذلك منذ اليوم الأول أعلنت الثورة العداء لإسرائيل والولايات المتحدة معًا.
وتعتقد إيران- عن حق- أن الولايات المتحدة هي صانعة إسرائيل وأن إسرائيل توظف لخدمة المصالح الأمريكية والغربية عمومًا؛ لذلك فالصراع بين أمريكا وإيران صراع من أجل النفوذ. وتصر إيران على أنها مستقلة، ومن ناحية أخرى ترفع شعار الدفاع عن القدس والأماكن المقدسة وكذلك الدفاع عن المستضعفين.
والحق أن سلوك إيران الإسلامية كان منسجمًا مع شعاراتها؛ ذلك أن إيران أيَّدت انتفاضة الأقصى وأيدت المقاومة ضد إسرائيل، لسببين؛ الأول: نصرة المشروع الإيراني وهذا جانب سياسي، والسبب الثاني هو نصرة الأقصى، لكن سلوك إيران تجاه السببين لم يرق للوسط العربي والإسلامي لأسباب كثيرة.
والولايات المتحدة وإسرائيل تنظران لإيران الإسلامية على أساس أنها تهديد وجودي لإسرائيل لأنَّ المقاومة تنفرد إيران بمساندتها، أما بقية أطراف المنطقة، فهي تُقيم أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة لكي تكون إسرائيل جارة مسالمة لهم ولا شأن لهم بفلسطين. وأذكر عندما اتهمت الدول العربية مصر بأنها عقدت صلحًا منفردًا مع إسرائيل، فهمته واشنطن على أنه بسبب نزاعات بين الدول العربية وانحياز الولايات المتحدة الكامل لإسرائيل. وقطعت الدول العربية كل علاقاتها الدبلوماسية والقنصلية والاقتصادية والثقافية مع مصر، أملًا في أن ترجع مصر عن هذه الخطوة. وقد قطعت معظم الدول العربية علاقاتها بمصر، واستمر هذا الانقطاع عشر سنوات كاملة من 1979 إلى 1989، لكن سلطنة عُمان والسودان وجيبوتي رفضت قطع العلاقات مع مصر؛ لأسباب كثيرة فصلها الباحثون في الشؤون العربية.
الصراع بين إيران والولايات المتحدة بدأ عام 1979 عندما قامت الثورة الإسلامية، وهو صراع سياسي بطبيعته ومفتاح لكل الصراعات في المنطقة العربية، ويُخطئ من يعتقد أنَّ إسرائيل دولة عادية؛ بل إنها دولة وظيفية ومافياوية، وأن زرعها في المنطقة مقصود، ولذلك.. فإنَّ الصراع بين إيران والولايات المتحدة يُلقى بظلاله على المنطقة بأسرها، والموقف الأمريكي من إيران ناتج عن حرص أمريكا على تسيُّد إسرائيل في المنطقة ودعم المشروع الصهيوني.
وقد لاحظتْ الولايات المتحدة وإسرائيل أن غزو بيروت في 5 يونيو 1982 هو الذي أدى إلى إنشاء "حزب الله"، وأن إيران أصبح لها وجود في المنطقة منذ ذلك الوقت، وكلما اشتد التحالف بين الولايات المتحدة والدول العربية، انحازت هذه الدول العربية إلى الموقف الأمريكي والإسرائيلي، وهذا هو التفسير الجزئي لموقف معظم الدول العربية من المقاومة ضد إسرائيل.
ولن تقنع واشنطن إلّا بإزالة النظام الإسلامي في إيران، ولذلك حرضت إسرائيل على تنفيذ المخطط المشترك ضد إيران عسكريًا.
لكن.. هل يجوز لإسرائيل العدوان والتذرُّع بأنها تريد إزالة البرنامج النووي الإيراني؟
إسرائيل برَّرت عدوانها على إيران بأنَّها تريد أن تمارس حق الدفاع الشرعي الوقائي لتفكيك عناصر البرنامج النووي الإيراني، والذي تعتبره إسرائيل تهديدًا وجوديًا لها، لكن إسرائيل تُبرِّر هجومها على إيران واغتيالها الشخصيات القيادية للحرس الثوري والجيش الإيراني، بأنها تدافع عن نفسها. وسبق لإسرائيل أن اعتدت على مصر وسوريا والأردن عام 1967، بنفس الزعم، وقد نوقشت الحجة الإسرائيلية في مجلس الأمن في نوفمبر 1967، وأجمع مجلس الأمن على تضمين القرار رقم 242، المبدأ القانوني وهو عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وكان يجب على المجلس- آنذاك- أن يحظر العدوان على الدول. لأن العدوان يؤدي إلى الاحتلال، وحاولت إسرائيل والولايات المتحدة الترويج لفكرة الدفاع الشرعي الوقائي، لكن المجلس تمسك بمفهوم الدفاع الشرعي الوارد في المادة 51 من الميثاق، ورفض نظرية إسرائيل في الدفاع الشرعي الوقائي، وتفادت المادة 51 المصطلحات الخلافية في هذا الشأن.
ويُقر القانون الدولي حق جميع الدول في امتلاك السلاح النووي ومن قبله الاستخدام السلمي للطاقة النووية، لكن القانون الدولي لا يحظر سوى استخدام السلاح النووي بالنظر إلى خطورته. ولذلك أباحت اتفاقية منع الانتشار النووي في المادة العاشرة للدول الأطراف الانسحاب من المعاهدة دون إبداء الأسباب. وما دامت إيران قد اتهمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتواطؤ مع إسرائيل وأمريكا، وأن نقدها لسلوك إيران النووي شجَّع إسرائيل على العدوان على عناصر البرنامج النووي الإيراني، يفتح الباب لانسحاب إيران- إذا أرادت- من اتفاقية منع الانتشار النووي، وإذا فعلت ذلك مثل كوريا الشمالية، فلن يكون للوكالة الحق في مساءلة إيران.
الخلاصة.. أن الصراع الأمريكي الإيراني يختلف عن الصراع الإسرائيلي الإيراني في أمر واحد، وهو أن إيران تعتبر المشروع الإسرائيلي مُهدِّدًا لوجودها، وإسرائيل تعتقد المثل، لكن المشروع النووي الإيراني ليس مُهدِّدًا لوجود الولايات المتحدة، وإذا تحوَّل الصراع السياسي إلى صراع عسكري؛ فسوف ينتهى بتوسيع نطاق الحرب، مما يحوله من صراع ثنائي إلى حرب عالمية ثالثة، وهذا الاحتمال وارد في التحليل؛ لذلك فإن أطرافًا كثيرة سوف تتدخل للوساطة بين الطرفين المتصارعين، وهذه النقلة تعتمد على الموقف الأمريكي الذى يتماهى مع الموقف الإسرائيلي.
والسؤال: هل تخضع إيران لرغبة إسرائيل وواشنطن في التوقيع على اتفاق استسلام في الملف النووي والصاروخي، والبديل هو سحق أمريكا للمنشآت النووية الإيرانية؟
الموقف الإيراني بالغ الدقة؛ حيث إن إيران لا تحتمل الثور الأمريكي، وحتى إذا تدخلت دول أخرى لمساندة إيران، فإن استسلمت تُشجِّع على إزالة النظام وربما احتلال إيران، وإن رفضت الإنذار الأمريكي، فلربما تتسع الحرب، وربما تنطلق بعض العمليات في المنطقة لتخريب المصالح الامريكية.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
انشغلت المحافل الإسرائيلية السياسية والعسكرية، بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق نووي أمريكي سعودي بصورة لافتة، دون تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، مما يُعرّضها لما تعتبره أسوأ سيناريو متمثل في خطر أمني غير مسبوق دون أي مكاسب سياسية.
الباحث الأول ورئيس برنامج الخليج بمعهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أكد أن "إسرائيل ينبغي لها أن تقلق من الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنها قد تجد نفسها في أسوأ وضع بالنسبة لها، وهو الخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودون تحقيق الإنجاز السياسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا" وترجمته "عربي21" أنه "لسنوات، كان من الواضح أن استعداد الولايات المتحدة لتلبية المطالب السعودية في المجال النووي ليس غاية في حد ذاته، بل جزء من اتفاق إقليمي أوسع، وقد كانت الفكرة بسيطة، وبموجبها ستحصل الرياض على ضمانات أمنية وبرنامج محطة طاقة نووية مدنية متطورة، وفي المقابل ستحصل إسرائيل على اتفاق تطبيع تاريخي، لكن يبدو الآن أن الصلة بين المسألتين بدأت تتلاشى".
ردود فعل إسرائيلية
ويمكن الاستنتاج من هذا التطور أنه إذا منحت واشنطن السعودية ما تريده حتى دون إحراز تقدم مع دولة الاحتلال، فهذا يعني أنها ستتحمل المخاطر وحدها، ودون تحقيق أي مكاسب استراتيجية، وبالتالي فلا تكمن المشكلة في تطوير الطاقة النووية المدنية بحد ذاتها، لن العديد من الدول تشغل مفاعلات لأغراض سلمية، لكن السؤال الذي يشغل صناع القرار في تل أبيب هو ما إذا كانت الرياض ستُمنح أيضاً خيار تخصيب اليورانيوم، فإذا كان الأمر كذلك، فهذه سابقة ذات خطورة إقليمية واسعة على دولة الاحتلال.
هنا يمكن استعراض أهم ردود الفعل الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وقد كان لافتا أن الائتلاف بقي صامتا، خشية الصدام مع واشنطن، فيما تصدر قادة المعارضة إصدار التصريحات المعارضة للاتفاق:
رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، الذي يعتبر أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة، اعتبر أن "هذه الاتفاقية تعني الانضمام لسلسلة إخفاقات دبلوماسية شهدناها إسرائيل خلال الفترة الماضية، مما يعتبر فشلا استراتيجيا خطيرا يهدد أمننا القومي، وتفقد فيها إسرائيل تأثيرها على مصيرها".
بدوره، زعم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الحرب الأسبق، أفيغدور ليبرمان، أن "علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على إسرائيل أن توضح بحزم أنها تعارضه، وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار".
واتهم رئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان، الذي يمثل يسار الوسط، نتنياهو بأنه "فعل ما لا يصدّق بخسارة التطبيع مع السعودية، ويمكّنها من التحول إلى دولة نووية، لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة".
الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال يعكوب ناغال، زعم أن "أي تخصيب لليورانيوم، من أي نوع كان، على الأراضي السعودية هو خطأ، بغض النظر عمن سيقوم به، وكيف سيتم الإشراف عليه، هكذا كان موقفي قبل السابع من أكتوبر في إطار حزمة التطبيع، وموقفي لم يتغير".
خطوات متوقعة
هنا يمكن الحديث عن سلسلة خطوات إسرائيلية متوقعة:
إعادة الحديث عن المسار السياسي التدريجي في الساحة الفلسطينية، من خلال الدعم الأمريكي الواضح، وإن كان ذلك متعذرا في ظل موسم انتخابي حامي الوطيس.
إمكانية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يخدم المصالح الإسرائيلية أيضًا، وليس المصالح الأمريكية والسعودية فحسب.
لا يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء بمعارضة الاتفاق، والمخاطرة بتوقيعه على أي حال، أو أن تسعى لصياغته بحيث يُقلل من المخاطر النووية، ويُعيد هدف التطبيع إلى الواجهة.
الاستنتاج الاسرائيلي من هذا الحراك السعودي الأمريكي المتلاحق في الملف النووي يتمثل بين التخوف من تبعاته من جهة، ومن جهة أخرى الخشية من عدم التأثير في الواقع، والتصالح معه، لأن إذا مضت هذه الصفقة قدمًا، فإن مكمن القلق الإسرائيلي هو عدم تقليل مخاطرها، وضمان ألا تنتهي هذه الخطوة الاستراتيجية الهامة بحصول السعودية على كل شيء، وبقاء الاحتلال بلا شيء.
في الوقت ذاته، ليس لدولة الاحتلال مصلحة في تحويل هذه القضية لمواجهة علنية مع إدارة ترامب، أو حتى القيادة السعودية، ولأنها قضية حساسة، تنصح الأوساط البحثية والتحليلية بضرورة إجراء حوار مكثف وسري مع واشنطن، هدفه الأساسي تقليل المخاطر قدر الإمكان من خلال آليات تفتيش أكثر صرامة، واعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على التخصيب وإعادة المعالجة، وضمان إمداد الوقود النووي من مصادر خارجية.
إبعاد السعودية عن الصين وروسيا
يتوافق الإسرائيليون على أن اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية ربما يسعى لترسيخ التعاون النووي المدني لعقود، والحدّ من نفوذ الصين وروسيا في المملكة، رغم أن غياب قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم قد يُقوّض التوازن الإقليمي، ويُعرّض دولة الاحتلال لواقع استراتيجي أكثر خطورة، رغم أن هذه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه مقامرة محفوفة بالمخاطر بشأن مدى الحرية النووية التي يمكن منحها للرياض دون إشعال سباق تسلح إقليمي.
خبير الشئون الأمنية والاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أعرب عن مخاوفه من قيام "إدارة ترامب بفصل التعاون النووي مع السعودية عن شرط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولاً، بعد أن كان هذا الخيار يطرح سابقا بهدف تعميق التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وتصعيد المواجهة المشتركة مع إيران، وتقريب الرياض وتل أبيب في المستقبل، رغم عدم وجود التزام سعودي بذلك في الاتفاق".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أنه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن فصل التطبيع عن التعاون النووي يعني أن السعودية قد تحصل على مكسب استراتيجي هام، دون أن تضطر لتغيير علاقاتها مع إسرائيل بهذه المرحلة، مع أن الخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا ينبع من نوايا الرياض الحالية فحسب، بل من السابقة التي يُرسيها الاتفاق، لأنه قد يُغيِّر موازين القوى الإقليمية، وهذا بحد ذاته يُعدّ مقامرة".
لا يختلف إسرائيليان على أنه إذا كانت الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدمًا في الاتفاق مع الرياض، فقد لا تنجح محاولات إلغائه، وفي هذه الحالة، فقد سيكون من الأنسب محاولة التأثير على بنوده، لاسيما إعادة التطبيع إلى صلب الاتفاق، وبدلًا من الاكتفاء برفضه، فإنه يمكن لدولة الاحتلال أن تسعى لتحويل هذه الخطوة إلى ورقة ضغط سياسية.
سباق التسلح
من وجهة نظر أخرى، لا تقل خطورة عن سابقاتها، فإن دولة الاحتلال ترى أن التعامل مع واقع إقليمي لا تقتصر المعرفة النووية، والبنية التحتية، والقدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، لا تقتصر على إيران فحسب، بل تطالب فيه دول عربية رئيسية بمسار مماثل، فإذا قبلت السعودية بشروط متساهلة، فقد تطالب دول مثل تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بمعاملة مماثلة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحاول القيام بمناورة دقيقة تتمثل باحتواء إيران من خلال تعزيز قدرات السعودية، لكن ذلك قد يُحوّل هذا التعزيز إلى بداية سباق نووي، وفي مثل هذه الحالة فقد تُنشئ هذه الخطوة برنامجًا نوويًا للرياض تحت إشراف أمريكي، في أحسن الأحوال، أم أنها تُرسّخ سابقةً ستستغلها دول المنطقة عندما يتلاشى الثقة في واشنطن، وهنا قد تحرم دولة الاحتلال من احتكار السلاح النووي في المنطقة.