إبراهيم شقلاوي يكتب: البرهان .. بين “نقاتل وحدنا” و”لدينا حلفاء”…
تاريخ النشر: 24th, July 2025 GMT
شهد هذا الأسبوع تحولات بارزة في المشهد السياسي السوداني، يمكن ادراجها تحت عنوان: “تكتيكات المرحلة وتبدلات الخطاب السياسي”. نسعى في هذا المقال إلى تحليل هذه التطورات في سياقها الراهن والمستقبلي، وشرح دلالاتها، في ظل الحديث المتزايد عن تسوية سياسية تقودها الولايات المتحدة بدعم من فاعلين دوليين وإقليميين لوقف الحرب المستمرة في البلاد.
في تطور لافت، حمل خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، مؤشرات على تحول استراتيجي في توجهات الدولة السودانية ومؤسساتها الأمنية. ولأول مرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، خرج البرهان عن الخطاب التقليدي للقيادة العسكرية، ليُقر صراحة بأن “السودان لا يقف وحده، بل لديه حلفاء”، وذلك في مقابلة بالامس مع صحيفة إل إسبانيول الإسبانية، نقلت عنها قناة الجزيرة .
جاء هذا التصريح بالتزامن مع تعثر المفاوضات التي تُجريها اللجنة الرباعية “أمريكا، السعودية، مصر، الإمارات”. والتي تأجلت من 20 إلى 29 يوليو بسبب خلافات داخلها حول رؤية الحل.. مع اتجاه لإلحاق قطر وبريطانيا باللجنة. بهدف فرض تسوية سياسية محتملة.
وتستند هذه التسوية إلى تقارير ومقترحات صادرة عن مراكز بحوث أمريكية، تدعو إلى دمج مساري جدة والرباعية في صيغة هجينة تجمع بين روية الحكومة السودانية والضغط الدولي. وتشمل هذه الصيغة إعلانًا سياسيًا مشتركًا، وهيكلًا إداريًا موحدًا في جدة، واتفاقًا ملزمًا يصدر عبر مجلس الأمن.
هذا المسار يعكس مقاربة جديدة تعتمد على فرض الحلول الدبلوماسية الخشنة عبر أدوات النفوذ الدولي، بعيدًا عن الحوار الوطني السوداني، ما يثير مخاوف من تكرار تجارب سابقة أُنتجت خارج الإرادة السودانية ولم تفضِ إلى سلام حقيقي.
بالرغم من ذلك وفقًا لصحيفة الشرق، لم تُبلور واشنطن بعدُ استراتيجية واضحة للأزمة، مما دفع القاهرة والرياض إلى تكثيف جهودهما دعماً للخرطوم، حيث بدأ تصريح البرهان بشأن “الحلفاء” رسالة مزدوجة: أولًا، أن الجيش السوداني ليس معزولًا سياسيًا.
ثانيًا، له عمقًا إقليميًا يتجاوز حدود الجغرافيا. كما أكد أن العلاقات الخارجية للسودان ستُبنى وفق مواقف الدول من الحرب، وأن بعض القوى تحاول فرض تسويات لا تعبّر عن توازن القوى الحقيقي داخل البلاد.
هذا التحول في الخطاب لم يأت بمعزل عن الواقع الميداني، بل تزامن مع تكليف لجنة بقيادة الفريق إبراهيم جابر لإعادة الأمن والخدمات إلى ولاية الخرطوم. وقد بدأت اللجنة تنفيذ مهامها بوتيرة متسارعة، شملت إصلاح البنية التحتية وتعزيز الحضور الأمني بالعاصمة.
في ذات السياق، شهد يوم أمس موجة غير مسبوقة من عودة اللاجئين السودانيين من مصر، بأعداد فاقت المعدلات السابقة، في مؤشر على مسعى لإعادة الحياة المدنية والسياسية إلى الخرطوم، وترسيخها كمركز للقرار السياسي، خاصة مع تزايد الدعم لحكومة كامل إدريس.
وفي خطوة بالغة الدلالة، قام البرهان بزيارة مفاجئة إلى الخرطوم، حيث هبطت طائرته في مطار العاصمة لأول مرة منذ بداية الحرب. عقد اجتماعات مع هيئة الأركان، وتفقد قيادة المدرعات، ثم زار سوق السجانة والتقى عددًا من المواطنين. هذه الجولة وجهت رسالة واضحة: أن العاصمة تعود تدريجيًا إلى كنف الدولة، وأن القيادة عازمة على مباشرة مهامها من الداخل.
ويُتوقع، وفق مراقبين، أن تتبع هذه التحركات خطوات عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على إقليم كردفان ودارفور، أو على الأقل فك الحصار عن مدينة الفاشر. ويبدو أن السودان بدأ يتبنى استراتيجية أكثر وضوحًا لفرض الأمر الواقع، عبر استعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز التحالفات الإقليمية، والانفتاح على الدعم الخارجي.
إنها استراتيجية تنقل الخطاب من “نقاتل وحدنا” إلى “لدينا حلفاء”، وتوحي بأن السودان قد تجاوز مرحلة الطوارئ، وبدأ يتصرف كدولة تستعيد سيادتها وتتهيأ للتفاوض من موقع القوة والإسناد الشعبي.
في المقابل، ظلت الرباعية الدولية مرفوضة من السودانين لإنهاء تذكرهم بضلوعها في هندسة المشهد السوداني الذي قاد البلاد نحو الحرب لذلك هذا التخبط بين تعقيدات الواقع الميداني وتضارب مصالح أعضائها، يُهدد بإفشال الاجتماع المرتقب.
هذا الوضع الملتبس سمح بدخول قطر كطرف جاد، والتي تتحرك بهدوء لتقديم نفسها كوسيط مقبول. وقد جاء تصريح المبعوث الأميركي لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، من الدوحة مطلع الاسبوع ليؤكد أن الصراع في السودان “لن يُحسم عسكريًا”، وأن “الحل الوحيد هو تسوية سياسية شاملة”. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ضعف أدوات الضغط وغياب رؤية موحدة داخل الرباعية، مما يثير تساؤلات حول مدى جدية هذا المسار.
في ظل هذا الغموض، تسعى الحكومة السودانية إلى تثبيت وضعها الداخلي، وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية دعمًا لتحركات الجيش. ويعكس تصريح البرهان موقفًا لا يقبل المساومة، ويوجه رسالة مباشرة إلى المجتمع الإقليمي والدولي، مفادها أن أي مبادرة لا تراعي السيادة الوطنية مصيرها الفشل. وقد اعتبر مراقبون هذا التصريح بمثابة إعلان “فيتو” يملكه الجيش في وجه أي حلول تعمل علي إعادة البلاد إلى ماقبل الحرب.
وبذلك يبدو أن السودان ينتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة: خطاب جديد، حلفاء معلنون، عودة القيادة إلى العاصمة، تحركات ميدانية، وعودة تدريجية للاجئين. كل هذه المؤشرات ترسم ملامح استراتيجية ترمي إلى تثبيت الدولة في زمن الحرب، وفرضها كأمر واقع في الحسابات الإقليمية والدولية.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 23 يوليو 2025م
Shglawi55@gmail.com
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.
بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.
الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعةوفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.
ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.
إعلانوفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.
ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.
ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.
وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.
لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.
وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.
ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.
وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.
وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:
سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلانفقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.
ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.
غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.
وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.
الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطيةليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.
وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".
ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.
وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.
ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.
الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا
تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.
ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".
ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".
وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.
الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقيةنالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.
إعلانوتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.
وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).
ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.
وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.
وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.
إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر
في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.
غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.
وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.