في ذكرى رحيله.. “طه حسين” الكفيف الذي أضاء الظلام بفكرِه
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
من قرية صغيرة في مركز مغاغة، شمال محافظة المنيا، وفي يوم جمعة من نوفمبر 1889، وُلد طه حسين، أحد أعظم المفكرين والأدباء في تاريخ مصر والعالم العربي. وهو الذي أصبح يُلقب بـ "عميد الأدب العربي" بفضل مسيرته الحافلة بالعلم والفكر والإبداع، والتي لم تكن مجرد مسيرة شخصية، بل كانت أيضًا رحلة فكرية ملهمة حولت التحديات إلى قوة دافعة نحو الإبداع ، ليضيىء الظلام بشمعة كفيف.
الطفولة والمحنة
لطالما كانت حياة طه حسين شاهدة على التحديات التي يمكن أن يصنع منها الإنسان مجدًا لا ينقضي. وُلد في أسرة فقيرة، وكان البصر قد أخذ منه وهو في الرابعة من عمره بسبب مرض الرمد الذي كان يسري في جسده دون أن يتلقى العلاج المناسب. ومع ذلك، لم يكن فقدان البصر هو المأساة الوحيدة التي واجهها؛ فقد كان طه حسين في تلك الفترة يعيش في مجتمع يرزح تحت نير الجهل والفقر، حيث كان الصراع مع الحياة لا ينتهي. إلا أن هذا التحدي لم يثنِ عزيمته؛ بل كان بداية لمغامرة فكرية عظيمة.
دخل طه حسين الكتاب في قريته، حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ليبهر معلميه بقدراته الاستثنائية. وتعلم في بيئة علمية ضئيلة الإمكانيات، لكنها غنية بالإرادة والطموح. في تلك الأيام، كان الشيخ محمد جاد الرب، معلم طه حسين الأول، هو من أسس بداياته الفكرية، ليكون سببًا في انطلاقه نحو آفاق أوسع.
من الأزهر إلى الجامعة
لم تكن مسيرته التعليمية أقل تحديًا فقد دخل الأزهر الشريف عام 1902، حيث استمر في تلقي العلوم العربية والدينية على يد كبار العلماء. ورغم جمود المناهج ورجعية الأساليب التدريسية، لم يرض طه حسين بتلك القيود؛ إذ سعى دائمًا نحو الأفضل، وطموحاته كانت تتجاوز ما توفره له المدارس التقليدية.
وفي عام 1908، حينما فتحت الجامعة المصرية أبوابها، كان طه حسين في مقدمة من انضموا إليها، ليبدأ مرحلة جديدة من تحصيله العلمي. وكانت هذه الفترة هي الفاصلة بين الموروث والتحديث، بين القديم والجديد. درس طه حسين في الجامعة المصرية العديد من العلوم الحديثة، من التاريخ والجغرافيا إلى اللغات الشرقية، وفي ذات الوقت ظل متمسكًا بعلاقاته الثقافية والدينية مع الأزهر. وفي عام 1914، نال شهادة الدكتوراه في أطروحته الشهيرة "ذكرى أبي العلاء"، التي أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط الدينية والثقافية، حيث اتهمه البعض بالمروق، إلا أن طه حسين بقي صامدًا أمام تلك الانتقادات.
الفكر والنقد
إذا كان طه حسين قد استفاد من العلوم الغربية في رحلته إلى فرنسا، فقد عاد ليعرض أفكاره في سياقها العربي، ليؤكد من خلال أطروحاته وتوجهاته الفكرية ضرورة تحديث الفكر العربي، وفي مقدمة ذلك التعليم. لخص طه حسين رؤيته في مقولته الشهيرة: "التعليم كالماء والهواء". كان يؤمن أن التعليم هو السبيل الوحيد للنهوض بالأمة، وأنه حقٌ لكل فرد، لا سيما في ظل مجتمع كانت فيه الثقافة والمعرفة محصورة في يد قلة قليلة.
كان طه حسين صاحب عقل ثائر، لا يخشى المواجهة الفكرية أو المساس بالتقاليد البالية. من أبرز أعماله الأدبية "الأيام"، التي تعد من أرقى سير الذاتية التي أُنتجت في الأدب العربي الحديث، فقد كتب فيها عن حياته وعن آلامه وآماله، ليكشف عن الطريق الذي سلكه في معركة مستمرة مع الظلام. فالحياة عند طه حسين لم تكن مجرد وجود بيولوجي، بل كانت رحلة للوصول إلى النور.
مناضل في محراب العلم
لم تكن مكانة طه حسين الأكاديمية مجرد منصب فخري أو صعود إلى الهرم، بل كانت شهادة على جهاده المستمر في سبيل تعليم الشعب العربي. بدأ حياته الجامعية أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني، قبل أن يتولى عمادة كلية الآداب في الجامعة المصرية. كان أستاذًا محبًا للعلم، يرفض الجمود والتقليدية، ويشجع طلابه على التفكير النقدي وإعادة النظر في الموروثات الفكرية.
رغم ما عاناه من صراعات سياسية وفكرية، لم يتراجع طه حسين عن قناعاته. ففي عام 1932، اضطر إلى الاستقالة من عمادة كلية الآداب تحت الضغط، ليواصل مسيرته الفكرية من خلال الكتابة الصحفية والأدبية، متابعًا نشر أفكاره في مختلف المجالات. ورغم أن حياته كانت مليئة بالمعارك الفكرية والسياسية، إلا أن طه حسين ظل متفردًا برؤيته وعمله المستمر.
طه حسين والسياسة الثقافية
وعلى مستوى السياسة الثقافية، لم يكن طه حسين بعيدًا عن الأحداث السياسية التي شهدتها مصر في القرن العشرين. فقد شغل منصب وزير المعارف في عهد حكومة الوفد عام 1950، ليُعنى بتحسين النظام التعليمي في مصر، ويعمل على تعزيز الهوية الثقافية الوطنية في ظل حركة التحرر الوطني. كما أسهم في تطوير جامعة الإسكندرية وأصبح رئيسًا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، مما عزز مكانته كرمز ثقافي لا غنى عنه.
رؤيته للعلم والمجتمع
ظل طه حسين طوال حياته مؤمنًا بقوة العلم كأداة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي. وكان يرى أن المجتمعات لا يمكن أن تنهض إلا إذا سمحت لكل فرد فيها بممارسة حقه في التعلم، كما كان يرى أن الغنى ليس مقصورًا على المال، بل هو يتجسد في الفكر والعلم. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار طه حسين أحد أول الداعين إلى إصلاحات جذرية في التعليم والتفكير العربي.
يظل طه حسين نموذجًا فريدًا في تاريخ الفكر العربي؛ لم يكن عميد الأدب العربي مجرد أديب أو مفكر، بل كان رمزًا للثورة الفكرية والنقدية. لقد علمنا طه حسين أن المعركة الحقيقية في الحياة ليست مع القوى الخارجية، بل مع الجهل والتخلف. وقد أثبت لنا أن النور لا يأتي من الخارج، بل ينبع من داخل الإنسان ذاته، ليظل نوره مشعًا إلى الأبد؛ رحم الله طه حسين، الذي علمنا أن الإرادة تصنع المستحيل، وأن العقول الحرة هي السبيل الحقيقي لنهضة الأوطان.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: طه حسين أخبار محافظة المنيا أضاء الظلام عميد الادب العربى کان طه حسین لم تکن بل کان حسین ا
إقرأ أيضاً:
صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
بلغراد (الاتحاد)
استقبل فخامة ألكسندر فوتشيتش، رئيس جمهورية صربيا، معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، والوفد المرافق له، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها معاليه لجمهورية صربيا.
ونقل معالي صقر غباش إلى فخامة الرئيس الصربي تحيات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتمنيات سموهم لجمهورية صربيا وشعبها الصديق دوام التقدم والازدهار.
من جانبه، حمّل فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش معالي صقر غباش تحياته إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتمنياته لدولة الإمارات حكومة وشعباً مزيداً من التقدم والرخاء.
ورحب فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش، في مستهل اللقاء، بمعالي صقر غباش والوفد المرافق، معرباً عن تقديره الكبير للعلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين الصديقين، والتي تشهد نمواً وتطوراً مستمراً في مختلف المجالات.
وأكد فخامته أن العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية صربيا، تعد نموذجاً ناجحا للتعاون البنّاء القائم على الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشيراً إلى حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دولة الإمارات في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية.
تم خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية صربيا في مختلف المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الأوضاع والتطورات في المنطقة.
حضر اللقاء أحمد برغش المنهالي، سفير الدولة لدى جمهورية صربيا، وكل من: سعيد راشد العابدي، وحميد أحمد الطاير، وخالد عمر الخريجي، وشيخة سعيد الكعبي، وعائشة إبراهيم المري، وهلال محمد الكعبي، أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، والدكتور عمر عبد الرحمن النعيمي، الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي.
أسس راسخة
من جانبه، قال معالي صقر غباش، إن دولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تحرص دائماً على أن تكون علاقاتها بالدول قائمة على أسس راسخة من التعاون المشترك والصداقة والاحترام المتبادل، وتوطيد مبادئ الأخوة والتعاون، وترسيخ أسس السلام والتعايش.
وأكد معالي صقر غباش عمق العلاقات الإماراتية - الصربية، وما تشهده من تطور متواصل بفضل الرؤية المشتركة والحرص المتبادل من قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والشراكة في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الثقة المتبادلة بين القيادتين أسهمت في فتح آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي، والاستثماري، والتنموي، والتكنولوجي. ونوه معاليه بأن دولة الإمارات تنظر إلى صربيا، باعتبارها شريكاً مهماً في جنوب شرق أوروبا، ودولة تتمتع بموقع استراتيجي وقدرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار والتنمية والتواصل الاقتصادي في المنطقة، مؤكداً أهمية مواصلة البناء على ما تحقق من إنجازات لتعزيز الشراكة بين البلدين.
وقال معاليه: «تثمن دولة الإمارات المواقف الصربية الداعمة، لا سيما زيارة فخامة الرئيس الصربي إلى دولة الإمارات في مارس الماضي، وإدانته الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي استهدفت دولة الإمارات، ووقوف صربيا إلى جانب الدولة في مرحلة دقيقة، مؤكداً أن المواقف الصادقة تبقى راسخة في ذاكرة الدول والشعوب». وأضاف معاليه أن أمن منطقة الخليج العربي لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الدولي، في ظل الترابط الوثيق بين استقرار الخليج وأمن الطاقة العالمي وسلامة سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، مشدداً على أن أي تهديد لأمن الخليج أو للممرات البحرية الحيوية أو للبنى التحتية للطاقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق الأوروبية والاقتصاد العالمي.
وأكد معاليه أن العلاقات الإماراتية - الصربية تقوم على الثقة المشتركة والاحترام المتبادل بين الدولتين، وتمثل نموذجاً لشراكة وثيقة تسهم في دعم الاستقرار والتنمية، مشيراً إلى أن دولة الإمارات وجمهورية صربيا تتشاركان نهجاً يقوم على بناء الجسور، وتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني والسيادي. وأكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون البرلماني والاقتصادي والاستثماري، وتوسيع مجالات الشراكة لتشمل قطاعات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين.
وشددا على أهمية الحوار والتعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة، وترسيخ قيم التفاهم والتعايش بين الشعوب.