التعددية القطبية: قناع النظام العالمي الروسي
تاريخ النشر: 27th, November 2025 GMT
حينما انتهت الحرب الباردة، فقدت الأيديولوجية وظيفتها التنظيمية. وحدث تحول من جدال الرأسمالية في مقابل الاشتراكية إلى عالم أحادي القطب يقوده نظام دولي تقع الولايات المتحدة في مركزه. واليوم، يكرر التاريخ نفسه، لا كمأساة أو كملهاة وإنما كإعادة تصميم استراتيجي. وثمة دولة بعينها عملت في صمت على صقل أسس القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين، وهي الصين.
ليست أقوى صادرات روسيا إلى العالم هي النفط أو السلاح، ولكن معجم سياسي جديد. فمراكز الأبحاث الاستراتيجية في موسكو تتكلم الآن عن "عالم حضاري".
وهذا، بالنسبة للجنوب العالمي، إطار تحرري. ففكرة التعددية الثقافية في مواجهة الأحادية الغربية فكرة تحررية بالنسبة للجنوب العالمي، حيث يكون لكل قطب ـ سواء أهو الليبرالية الغربية أو الاستبدادية التقنية الصينية أو المحافظة الإسلامية أو الأوروآسيوية الروسية ـ تمثل نموذجا ثقافيا تاريخيا.
وهذا المفهوم القائم على احترام قيم الحضارات المتعددة يضفي عمقا أخلاقيا عديد القطبية. فالتعددية القطبية اليوم ليست مطمحا بقدر ما هي واقع فاعل.
وهذا، بالنسبة للغرب، أمر مربك. لكنه بالنسبة لموسكو طريقة ذكية لكبح صعود الصين ومنع استعادة أمريكا لسيادتها في آن واحد، وسبيل إلى مطالبة جنوب العالم بالقيادة دونما مطالبة بالإمبراطورية.
لقد حولت موسكو التعددية القطبية من نظرية أكاديمية إلى نظام تشغيل جيوسياسي. فأغلب البلاد تتكلم عن التعددية القطبية باعتبارها أمرا حتميا، وروسيا تتعامل معها باعتبارها عملية خاضعة للإدارة. والكرملين يفهم أن الصراع الحاسم في القرن الحادي والعشرين ليس بين الديمقراطية والاستبداد، وإنما صراع من أجل السيطرة على الاعتماد المتبادل بين البلاد وبعضها.
وسيط القوة في الاعتماد المتبادل
ولقد أصبح الاعتماد المتبادل من العوامل الحاسمة في الجغرافيا السياسية الراهنة. ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد القوة تتحدد من خلال القوة العسكرية وحدها، والثقل الاقصادي، والتقدم التكنولوجي. ولكن الأمة التي تفهم الديناميات الإقليمية تستطيع أن تجعل وجودها بنيويا بحيث لا يمكن اتخاذ قرار استراتيجي كبير بدون موافقة منها.
وهذا ما حدث في عام 2022 حينما أثارت البلاد الأوروبية ـ في ما يتعلق بالقضية الأوكرانية ـ مسألة العقوبات الرامية إلى شل روسيا. فهذه البلاد لم يخطر لها أنها سوف تحول نظرية (هي نظرية التعددية القطبية) من حالة الحبر على الورق إلى حالة التطبيق العملي، بأن يعاد ترتيب النظام العالمي القائم.
في عام 2025، تغيرت وجهة أكثر من 70% من التجارة الروسية نحو آسيا والجنوب العالمي. حولت موسكو العزلة الاقتصادية إلى ورقة قوة. فهي تقع بالضبط على الحدود القائمة بين آسيا سريعة النمو وأوروآسيا شديدة الوعي الأمني. ولذلك لا تحاول روسيا أن تسيطر على العالم. لكنها ببساطة جعلت نفسها شديدة الأهمية حتى ليصعب تجاهلها.
بالنسبة لبكين، روسيا بلد حاسم لأنه يقدم الطاقة ويساعد في تأمين حدود الصين الشمالية. وبالنسبة لنيودلهي، تمثل روسيا جسرا دبلوماسيا بين الهند والصين، وهي قوة كبيرة مضمونة من الجانبين. وبالنسبة لبلاد الشرق الأوسط، توفر روسيا الأسلحة وتساعد على استقرار أسعار الطاقة وتقدم حماية الفيتو في مجلس الأمن. وبالنسبة لأوروبا، لا تزال روسيا مصدرا كبيرا للطاقة برغم العداوة السياسية.
تمنح الجغرافيا لروسيا ميزة بجعلها بلدا عابرا للقارات يربط آسيا بأوروبا ويشترك في الحدود البرية مع أربعة عشر بلدا ذا سيادة.
واليوم تتحول موسكو إلى وسيط لا غنى عنه في كل معادلة إقليمية. يوشك كل لاعب إقليمي ـ سواء أهو الصين أم الهند أم إيران أم ألمانيا أم فنزويلا نفسها ـ له عند روسيا حاجة ما قد تكون الطاقة أو الأسلحة أو الدعم السياسي.
بلد ينعشه الاضطراب
تزدهر روسيا بسبب مرونة نظامها، وحينما تتعرض الأنظمة فيها لضغط، فإنها تتكيف، وتجد السبل للبقاء مهمة وقوية. وفي حين أن بلادا أخرى تواجه مشقة في ظل الضغوط العالمية، فإن روسيا لا تضطرب على الإطلاق.
فعند استهدافها بالعقوبات الاقتصادية من الغرب، تجاوزت روسيا نظام سويفت وأنشأت بنيتها الأساسية المالية الخاصة، فمنها نظام سبيف SPFS ونظام مير بايمنت Payment. وعند استهدافها بعقوبات الطاقة من الغرب، اتجهت روسيا إلى شركاء جدد من قبيل الصين والهند.
وفي واقعة أخيرة من تلك الوقائع، ضغط الصراع الأوكراني على الولايات المتحدة للنظر في توريد صواريخ توماهوك بعيدة المدى، فجاء إعلان بوتين عن نجاح اختبارات صاروخ كروز النووي بوريفيستنيك وطائرة بوسايدون الآلية ذات الطاقة النووية فكان ذلك أكثر من محض استعراض تكنولوجي، إذ كان إعادة طرح للابتكارات النووية بوصفها أداة تفاوضية.
وفي عصر الدفاعات الصاروخية، وصواريخ الاعتراض فائقة السرعة، وحرب الذكاء الاصطناعي، هذه هي رسالة روسيا: ما من دفاع مطلقٌ. والنتيجة؟ عودة التواضع الاستراتيجي. واضطرار الولايات المتحدة والناتو ـ بعد أن كانا ذات يوم واثقين في الردع والهيمنة ـ إلى الرجوع لحالة الحوار. فروسيا تمارس النفوذ العسكري بدقة الجراحين، وتزدهر في الاستقرار لكنها تتدبر أمورها في حالة الاضطراب.
واليوم تضع روسيا نفسها في موضع ماص الصدمات الأهم في العالم متعدد الأقطاب. فروسيا عمليا استطاعت تسليح القدرة على الاحتمال، إذ هي لا تطلب الاستقرار لكنها تزدهر بإدارتها لأمورها في حالات الاضطراب.
وبحلول عام 2030، سوف يكون العنصر المحدد للقوة العالمية هو هذه الأنظمة: مسارات الطاقة، وأنظمة العملة (الدولار في مقابل البريكس) وشبكات المعلومات، ووسائل الإعلام، والذكاء الاصطناعي. واستراتيجية روسيا الكبرى هي أن تكون قوة حاسمة في كل من هذه المجالات.
وليس هدف موسكو النهائي هو أن تحكم العالم، وإنما أن تجعله غير قابل للخضوع لحكم أي أحد سواها. ومن المفارقات أن هذا قد يبدو التعريف الحقيقي للتعددية القطبية في القرن الحادي والعشرين. ففي حين أن الولايات المتحدة كانت هي مهندس العالم ذي القطب الواحد، فإن روسيا بلا شك هي المهندس الحقيقي للنظام العالمي عديد الأقطاب.
رافي كانت كاتب عمود ومراسل لصحيفة آسيا تايمز لتغطية الشئون الآسيوية، يكتب أساسا في الاقتصاد والسياسة الدولية والتكنولوجيا وله خبرة واسعة في المجال المالي.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی القرن الحادی والعشرین الولایات المتحدة التعددیة القطبیة
إقرأ أيضاً:
ماكرون: لا أعتقد أن روسيا ستهاجمنا في المدى القريب
قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، خلال تصريحاته منذ قليل، انني لا أعتقد أن روسيا ستهاجمنا في المدى القريب لكنها تشن حربا هجينة ضدنا، وفقا لقناة العربية.
فيما صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن التبادل التجاري بين روسيا وهنغاريا نما خلال العام الحالي 2025، حيث بلغت نسبة الزيادة حوالي 7%.
وجاء ذلك خلال المحادثات الروسية الهنغارية التي عقدت اليوم في الكرملين، حيث لفت بوتين إلى أن المؤشرات التجارية بين البلدين شهدت انخفاضا في العام الماضي بلغ 23%.
ولكنه أعرب عن تفاؤله بشأن المستقبل، قائلا: "مع ذلك، لدينا آفاق جيدة، ففي هذا العام نسجل بعض النمو، متواضعا وحذرا، لكنه على أي حال يبلغ أكثر من 7%".
أوربان يشيد باستقرار إمدادات الطاقة الروسية
من جانبه، أكد رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان خلال اللقاء أهمية الاستقرار في تدفق الإمدادات الطاقة من روسيا، معبرا عن اهتمام بلاده بالحفاظ على الحوار في هذا المجال.
وصرح أوربان قائلا: "أود أن أشدد على أن أساس أمن الطاقة في هنغاريا.. هو ضمان استقرار إمدادات الطاقة في الماضي والحاضر والمستقبل. نحن نقدر بشكل كبير استقرار وموثوقية الإمدادات الروسية. وهنغاريا مهتمة بالحفاظ على الحوار الطاقي مع بلدكم".
وأضاف رئيس الوزراء الهنغاري أنه يعتزم خلال لقائه مع بوتين مناقشة موضوع التعاون في مجال الطاقة مع الجانب الروسي، في إطار سعي البلدين لتعزيز الشراكة الاستراتيجية في هذا القطاع الحيوي.