نهضة رواندا … امة موحدة تنهض من ركام الإبادة الجماعية
تاريخ النشر: 3rd, October 2024 GMT
بقلم عبد الاله حسن محمد
١/٢
لطالما حلمت بزيارة شرق إفريقيا، خاصة كينيا ورواندا، وأخيراً جاء الوقت المناسب لتحقيق هذا الحلم. بدأت رحلتي متعثرةً في مطار تورنتو بسبب خطأ من موظف شركة الطيران الأمريكية دالتا، حيث كان من المفترض أن أغادر في 4 سبتمبر 2024، بدلاً عنه وصلت إلى مطار كيغالي في 9 سبتمبر 2024 حيث تم ختم جواز سفري الكندي بتأشيرة سياحية مجانية لمدة شهر بكل سهولة وناولني له مع الامنيات الطيبة بإقامة سعيدة في رواندا.
خارج المطار، كان في استقبالي صديق يقيم في رواندا منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولديه بعض الانطباعات السلبية عنها. أخذني إلى فندق اسمه "لبنان"، لا علاقة له بدولة لبنان، حيث أوضح لي موظف الفندق أن الاسم مأخوذ من الإنجيل. يقع الفندق في حي ريميرا، قريب جداً من مركزه، وهو فندق نظيف ومرتب ولكنه ضيق المساحات. كانت الغرفة صغيرة، تحتوي على سرير بحجم كوين وحمام ضيق مع دش ساخن وبارد، بالإضافة إلى منطقة جلوس وشرفة تطل على حديقة الفندق، وتكلفة الإقامة كانت 50 دولاراً في اليوم. في صباح اليوم التالي بعد تناول وجبة إفطار خفيفة في الفندق، خرجت لاستكشاف كيغالي. كان الصباح مشرقاً والنسيم لطيفاً، حيث تنبعث روائح التربة والأشجار في الهواء. كان الطريق المعبد والنظيف خارج الفندق يتناقض مع زرقة السماء الخالية من السحب، في مشهد رائع لصباح رواندي جميل.
أول ما لفت انتباهي هو هدوء المارة وهم يسيرون في نظام وصمت على الأرصفة النظيفة المخصصة للمشاة ومعظمهم من الشباب دون الخامسة والثلاثين، لم يشهدوا المجزرة او ربما كانوا اطفالاً. ايضاً لفت نظري أطفال المدارس وهم في طريقهم إلى المدرسة بزيهم المدرسي الجميل يسيرون في مجموعات صغيرة وهم يتحدثون بلغة الكينيارواندا.
كان لدي فضول ورغبة للتحدث مع بعض الروانديين وطرح العديد من الأسئلة التي كانت تدور في ذهني. وجدتهم لا يتحدثون الفرنسية، والقليل منهم يتحدث قليل من الإنجليزية. وسرعان ما أدركت الأسباب. حتى عام 2008، كانت المدارس الرواندية تُدار باللغة الفرنسية، ثم قررت الحكومة التدريس بالكينيارواندا مع اعتماد الإنجليزية كلغة ثانية للبلاد وإلغاء الفرنسية. كان هناك عدة أسباب لهذا التحول، منها أن الإنجليزية هي لغة الأعمال العالمية، ومعظم جيران رواندا يتحدثون بها، مما يسهل التبادل التجاري. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت العلاقة الاستعمارية السيئة مع بلجيكا وفرنسا وغيابهما أثناء الإبادة الجماعية، في إلغاء الفرنسية كلغة رسمية للبلاد، رغم أن رواندا لا تزال عضواً في مجموعة الدول الفرانكفونية. جعلني عدم القدرة على التواصل مع عامة الناس وعدم قدرة معظمهم الإجابة على أسئلة بسيطة اشعر بضعف في نظامهم التعليمي، وهكذا حال أي نظام ديكتاتوري، ربما أكون مخطأً ! استمر هذا الإحساس معي لعدة أيام وظل يبعث في نفسي بعض الانطباعات السالبة عن رواندا.
كانت تدور في ذهني أسئلة مثل هل شهدوا المجزرة؟ هل أحد هؤلاء الشباب شاهد والديه يقتلون؟ هل بقي لهم أي عائلة؟ من منهم توتسي ومن منهم هوتو؟ مثل هذه الأسئلة كانت تدور في ذهني ولا اجد إجابة لها، بل كادت أن تفسد هدوء الصباح الجميل بل زيارتي بأكملها. كنت اريد ان اعرف مدى الضرر الذي لحق بالجيل الحالي لكني لم اسمعهم طوال اقامتي يتحدثون عن تلك المجزرة البشعة التي حدثت في العام ١٩٩٤، ولا أعرف افضل طريقة لجعلهم يتحدثون. تغلبت على هذه الهواجس وقررت عدم ربطهم بالماضي او محاولة العثور على كل شيء عن المجزرة او ربطهم بالقبيلة التي لم أسمعهم ينطقون بها طوال فترة زيارتي وممنوع رسمياً ذكرها في أي مكان. هم يريدون نسيان ما حدث لهم من مآسي وفظائع. تركت تلك الهواجس وقررت التعمق أكثر لمعرفتهم بوسائل أخرى و أستمتع بتلك البلاد الجميلة وما أتيت من اجله.
بعد حوالي الساعتين من التجوال في كيغالي، أذهلني حقيقة أن المدينة نظيفة ولا توجد ارصفة متربة على جانبي الشارع وفي وسط الطرق المزدوجة توجد أرصفة خضراء من النجيلة وبعض أشجار الزينة، جميع الشوارع بها مسارات للمشاة، اذا كنت من هواة التجوال سيراً على الاقدام يمكنك السير لمسافات طويلة طالما لديك طاقة للسير، فقط هناك صعود وهبوط كثيرة نسبة لطبيعة المدينة الجبلية، لذا ارتدِي حذاءً مريحا واشرب الماء، فالطقس معتدل ولطيف للغاية. لا توجد الباعة المتجولين أو المتسولين في الطرقات العامة. طوال فترة اقامتي شاهدت متسول واحد فقط. هنالك بعض الزحام المروري وخاصة من الدرجات النارية (الموتوسيكل) وهي أرخص وسيلة مواصلات للتنقل في المدينة. يرتدي سائقو الدراجات النارية خوذات برتقالية وسترة عاكسة تحمل علامة إحدى شركات الاتصالات في المدينة، السترات البرتقالية لشركة Tigo والخضراء لشركة MTN، ويناولك السائق خوذة بمجرد الركوب معه لارتدائها، لأنها ملزمة قانونياً.
كيغالي مدينة منظمة مبنية على التلال ومنتشرة على نطاق واسع. تتكون من ثلاث مناطق هي غاسابو، كيكوكيرو، ونياروجينجي. غاسابو هي أكبر منطقة من حيث المساحة الجغرافية ويقيم فيها معظم السودانيين الذين تعرفت عليهم في كيغالي. وكل قسم من هذه الأقسام يقسم إلى احياء وله مركزه المالي والتجاري الخاص. أخذنا أحد السودانيين المقيمين في المدينة اكثر من ستة سنوات في جولة تعريفية حول المدينة، كل الاحياء المبنية فوق الجبال والوديان رائعة ومنظمة، حتى الأجزاء الفقيرة والقديمة من المدينة ذات الطرق الضيقة المتعرجة حول التلال كل شوارعها مرصوفة وبعضاً منها مرصوفة بالحصى، لا توجد بها مساكن عشوائية كما في معظم المدن الافريقية الكبرى. في المساء تمتد الأضواء إلى ما لا نهاية، أضواء ترقص على قمم التلال والوديان، تتلألأ مثل النجوم في ليلة ظلماء، إنه منظر ساحر. بطريقة ما حول الليل هذه المدينة ذات التلال العديدة إلى أرض خيالية، لم أرى مشهدًا مثله من قبل.
رواندا معروفة بوجودها الأمني المكثف وسلطاتها الأمنية النشطة نسبة لتجربتها الصعبة خلال فترة الإبادة الجماعية في ١٩٩٤. كما أن رواندا استثمرت بشكل كبير في تحسين بنيتها التحتية الأمنية والتكنولوجية مما جعلها واحدة من أكثر الدول أماناً واستقراراً في افريقيا.
اخيراً بغض الطرف عن الجدل المثير حول وجود نظام ديكتاتوري في رواندا، حتى وإن كان خيراً إلى حد ما، وعن الاتهامات الموجهة لبول كيغامي، الرئيس الرواندي بأنه فاسد مثله مثل إي ديكتاتور مستبد في افريقيا او كيغالي مليئة بجواسيسه الذين يتعقبون أي مشتبه به محتمل، إلا أن رواندا تركت عندي انطباعاً بأن افريقيا قادرة على أن تنهض من كبوتها وتخطو نحو المستقبل بخطوات ثابتة واضحة وعملية.
a_bdulelah@hotmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
رغم الإبادة والمعاناة.. فرحة كبيرة تعم غزة بنجاح طلاب الثانوية العامة (شاهد)
مع إعلان وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة نتائج امتحانات الثانوية العامة لعام 2024 في قطاع غزة المحاصر والمدمر بفعل آلة الإبادة الإسرائيلية، تسلل الفرح والسرور إلى خيام النازحين وما تبقى من بيوت المواطنين في مختلف مناطق القطاع.
نسبة النجاح 74 بالمئة
وصباح اليوم الجمعة، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية نتائج امتحانات الثانوية العامة - الدورة الأولى، لطلبة الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأفاد وزير التربية والتعليم خلال مؤتمر عقده صباح الجمعة، أن نسبة النجاح العامة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين والخارج بلغت 74 في المئة، فيما سيتم الإعلان عن نتائج قطاع غزة بعد الدورة الثانية.
وحازت الطالبة ريما رائد عطا الله المرتبة الأولى على قطاع غزة في القسم الأدبي بعد حصولها على معدل 99.9 في المئة، فيما حصدت الطالبة صبا فايد رباح المركز الأول على القسم العلمي في القطاع بحصولها على معدل 99.9 في المئة.
وعاشت العائلات الفلسطينية التي واجهت معاناة كبيرة بسبب حرب الإبادة المستمرة والحصار والتجويع لحظات من الفرح والسعادة عقب نجاح طلابها في الثانوية العامة "التوجيهي".
وقامت العائلات بتبادل التهنئة بالنجاح – مباشرة أو عبر الهاتف – وإطلاق الزغاريد وتوزيع الحلوى على الحاضرين ابتهاجاً بالنجاح والتفوق، وقام العديد من المواطنين بإطلاق المفرقعات تعبيراً عن فرحتهم بهذه المناسبة رغم تحذير وزارة الداخلية من ذلك.
الطالبة حلا رشاد سلمان من القسم العلمي الحاصلة على معدل 99.3 في المئة، عبرت عن فرحتها الكبيرة التي عمت خيمتها بهذا التفوق، رغم أنها مرت كمعظم طلاب القطاع بظروف غاية في الصعوبة، لا توفر الحد الأدنى من الأجواء المطلوبة لإمكانية الدراسة ومراجعة المواد الدراسية.
وأكدت الطالبة حلا تكرر نزوحها مع عائلتها من شمال القطاع لجنوبه نحو 10 مرات، لتثبت خيمتها في النزوح الأخير من بيت لاهيا شمالاً في مدينة خان يونس جنوباً.
وعن تلك الظروف تحدثت سلمان لـ"عربي21"، قائلة: "الظروف جداً صعبة، لكن هناك أشخاص تهون عليك تلك المعاناة"، موضحة أنها كانت تذهب صباح كل يوم من خان يونس إلى مدينة دير البلح لتلقي الدروس، وتعود بعد العصر إلى خيمة عائلتها بجوار منطقة أصداء غرب خان يونس.
ونوهت بأنها كانت تحاول التكيف مع حرارة الجو وغياب الكهرباء والضوضاء بسبب كثافة أعداد النازحين، لافتةً إلى أنها كانت تراجع دروسها ليلاً مستعينةً بالكشاف المتوفر في جهاز الموبايل الخاص بشقيقها؛ حيث يتم شحنه بالنهار كي يضيء لهم في الليل، وكانت تجلس على الأرض مباشرةً لإتمام واجباتها الدراسية.
وأضافت: "أنتظر نوم عائلتي كي أتمكن من الدراسة في أجواء هادئة، فنحن جميعاً نعيش في خيمة واحدة تتم فيها كافة أعمال البيت"، منوهةً بأن "العديد من المواقف الصعبة مرت علينا، لكن أصعبها وقع وأنا في طريق عودتي من دير البلح، وهو موقف لا يمكن أن يُمحى من ذاكرتي".
رحلة شاقة
وتابعت: "خلال عودتي وبعد انتظار طويل، وصلت سيارة وركبت فيها، ونحن في الطريق أبلغنا السائق أن البيت الذي نقترب منه على الطريق مهدد بالقصف، وفور نزولي من السيارة احتميت بلوح كان بجوار الطريق، وما هي إلا لحظات حتى تم نسف المنزل، حينها لم نسمع سوى الصراخ والبكاء ولم نشاهد إلا الشظايا المتناثرة من حولنا والشهداء والجرحى على الأرض".
وأكدت الطالبة أنها كانت عازمة على المضي قدماً في إتمام دراستها والحصول على معدل مرتفع رغم الظروف الصعبة التي تُعقّد على أي إنسان تحقيق أهدافه لكنها لم تكن مستحيلة، مضيفة: "تربينا منذ صغرنا أن نكون حريصين على تحصيل العلم والتفوق في الدراسة، وكنت حريصة على تحقيق حلمي والتفوق والالتحاق بكلية الطب، كي أدخل السرور على عائلتي وأكون فخراً لهم".
وفي ختام حديثها لـ"عربي21"، أهدت الطالبة النازحة تفوقها إلى شهداء وجرحى قطاع غزة وإلى الأسرى في سجون الاحتلال، وأيضاً إلى عائلتها التي ساندتها في رحلتها العلمية الشاقة وجميع صديقاتها.
وأعربت حلا عن أملها بانتهاء حرب الإبادة قريباً، وأن يعيش الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة المنكوب، في أمان بعد زوال قريب للاحتلال عن كل فلسطين، وأن ينعم الأسرى بالحرية القريبة من سجون الاحتلال.
أما الطالبة رغد فسفوس من القسم الأدبي، فإن ظروفها الصعبة لا تختلف كثيراً عن ظروف حلا وربما أصعب؛ فهي تعيش مع عائلتها النازحة من وسط خان يونس إلى شاطئ البحر في خيمة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، إلا أنها اجتهدت برفقة شقيقتها فرح، وحاولت أن تتكيف مع الظروف الصعبة التي تحيط بها، وسعدت كثيراً بنجاحها وشقيقتها.
وأوضحت لـ"عربي21"، أنها كانت تعتمد وقت الليل من أجل متابعة دروسها برفقة شقيقتها داخل الخيمة، وتعتمد على إضاءة البطارية، وحينما تنفد تستعين بكشاف جهاز الجوال.
وذكرت فسفوس، أن ما ساعدها هو الدروس الخصوصية التي كانت تتلقاها في إحدى المؤسسات الخيرية، منوهة إلى أنها كانت تهرب في بعض الأحيان من ضغط الدراسة إلى الجلوس على شاطئ البحر القريب، ومن ثم تستأنف مراجعة دروسها.
وشرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 استمرت نحو عام، ويسيطر جيش الاحتلال عسكرياً على مختلف مناطق القطاع وينفذ بشكل مستمر عمليات تدمير ونسف واسعة طالت المدارس والمستشفيات وكافة مناحي الحياة.