تقييم تجربة مدارس الريادة في أفق تعميمها: محاذير منهجية
تاريخ النشر: 7th, October 2024 GMT
« أفضل شراء؟ الأدلة المحتملة على العلاج الناجح في المدارس الابتدائية العمومية في المغرب »، بهذا العنوان الذي يجمع بين التبشير بالنجاح المستقبلي للمدارس العمومية المغربية وبين النجاعة الاقتصادية للمقاربة المعتمدة في إصلاح المنظومة التربوية تقارب دراسة علمية صدرت نهاية شهر شتنبر 2024 تجربة مدارس الريادة.
وقبل مناقشة نتائج هذا البحث ينبغي التأكيد على أهمية الاعتماد على التقييم بوصفه آلية ضرورية للوقوف على نقط القوة ونقط الضعف في هذه التجربة التي تراهن عليها وزارة التربية الوطنية من أجل تحسين جودة التعلمات في المدرسة المغربية. لذلك فهي لم تكتف بتقييم واحد بل التجأت إلى أربع تقييمات منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي وكل تقييم انصب على بعد معين. وهكذا اهتم أحدها بقياس تأثير تبني منهجية طارل للدعم التربوي على تدارك التعثرات، وآخر بحجم انخراط المدرسين في المشروع، وثالث بمنح علامة مدارس الريادة لم تظهر نتائجه بعد، ورابع وهو هذا البحث الذي يقيس أثر هذا المشروع على جودة التعلمات. كل هذه التقييمات برهنت على نتائج إيجابية وهو ما كان متوقعا ما دام يتعلق الأمر بتجربة تهم عددا محدودا من المؤسسات ركزت الوزارة جميع جهودها من أجل توفير كل شروط النجاح الضرورية لها. لكن حرصا على احترام النهج العلمي في التعامل مع نتائج هذه التقييمات ينبغي التنبيه إلى مجموعة من المحاذير المنهجية التي يتعين أخذها بعين الاعتبار في سياق عزم الوزارة المرور من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم.
أولا، تعدد التقييمات يغني التقييم الإجمالي للمشروع لأنه يتيح النظر إليه من زوايا مختلفة، لكن عندما نسعى إلى قياس أثره على جودة التعلمات فإن توحيد معايير التقييم يكون أفيد إذا أردنا إجراء مقارنة دقيقة بين التقييمات. فإذا كان تقييم منهجية طارل انصب على معيار نسبة التلامذة المتمكنين من مهارة معينة والذي أظهر التقييم المنجز في شهر نونبر 2023 أنها تضاعفت ما بين مرتين إلى سبع مرات حسب المواد والمستويات الدراسية، فإن التقييم الأخير استعمل معيار مستوى التحكم في المهارات عبر قياس مدى التطور في الأداء مقارنة مع العينة الضابطة. كما أن تقييم طارل قام بقياس مستوى نفس التلاميذ قبل وبعد الاستفادة من برنامج الدعم التربوي دون مقارنة مع عينة ضابطة كما فعل التقييم الأخير، الشيء الذي يجعله أكثر قربا من المنهجية العلمية من الأول.
ثانيا، قالت وزارة التربية الوطنية بعد التقييم الأولي بأن التأثير الإيجابي لطارل الذي دام شهر ونصف يعادل تعويض سنتين من التعليم، وبنت استنتاجها على مقارنة نسبة المتحكمين في مهارة معينة في مستوى دراسي معين استفادوا من طارل مع أقرانهم في مستوى دراسي أعلى لم يستفيدوا من طارل. وهذه المقارنة غير سليمة لسببين: أولا لأن ربح سنة دراسية يقتضي تقييم المتعلم وفق روائز المستوى الدراسي المعني، وثانيا لأن المقارنة تمت مع عينة من التلامذة يعانون أصلا من تعثرات في التعلم.
ثالثا، لم يجازف التقييم الأخير بإصدار حكم في هذا الاتجاه رغم أن اعتماده عامل الانحراف المعياري في احتساب الأثر كان يحتمل أن يغريه بتبني ما ذهب إليه سينغ (2020) حينما قدر بأن التأثيرات الأكبر لعام دراسي، تتراوح من 0.35 إلى 0.40 انحراف معياري في إثيوبيا والهند، إلى 0.75 انحراف معياري في فيتنام. في المقابل اعتبر أن الأثر الذي أحدثه مشروع المدارس الرائدة تجاوز النسبة المئوية 99 من آثار التدخلات التربوية الأخرى في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لأنه حسن تعلم التلامذة بمقدار 0.90 انحراف معياري في المتوسط تتوزع ما بين 0.52 في اللغة العربية، و0.93 في الرياضيات، و1.30 في اللغة الفرنسية علما بأن الرائز المعتمد في هذه المادة كان أقل من المستوى الدراسي للتلامذة المعنيين. والحال أن دراسة إيفانس ويوان، التي استند إليها البحث في تقديره للأثر غير المسبوق عالميا لمدارس الريادة، تناولت محاولات إصلاحية جزئية في الدول التي شملتها، ونبهت إلى تأثير اختلاف عامل الانحراف المعياري على احتساب الآثار المفترضة على جودة التعلمات. وعلى سبيل المثال فكون الانحراف المعياري المحتسب في الدراسة هو واحد، فهذا يعني أن متوسط النقط المحصل عليها في مدارس الريادة انتقل بعد عام من التجريب من خمسة على عشرة إلى ستة على عشرة، وهو إنجاز بدون شك لكن ليس بالضخامة التي روجت لها الدراسة. علما أن دراسة سابقة لبول غليوي أحد المشرفين على البحث الذي نحن بصدده أكدت أن إصلاح الفصول الدراسية المتسربة في غانا أدى إلى زيادة قدرها 2.0 انحراف معياري في نتائج القراءة و2.2 في نتائج الرياضيات. كما كان للسبورات أيضا تأثيرات تقديرية كبيرة، مما رفع مستويات القراءة بمقدار 1.9 انحراف معياري والرياضيات بمقدار 1.8.
رابعا، الدراسة لم تتمكن من تحديد العناصر المؤثرة أكثر من غيرها في النتائج المحصل عليها من أجل مساعدة صانعي القرار على تطوير مشروع المدارس الرائدة والرفع من فعاليته. وربما التقييم الذي تقوم به الهيئة الوطنية للتقييم قد يساعد في تحقيق هذا المبتغى خاصة وأنه ينصب على جميع مكونات المشروع.
خامسا، تفترض الدراسة أن متوسط الاتجاه في نتائج التعلمات لمدارس الريادة كان من الممكن أن يكون هو نفسه في المدارس غير الرائدة لو لم تستفد من المشروع، وذلك اعتمادا على مقارنة الاتجاهات في نتائج امتحانات الشهادة الابتدائية على مدى السنوات السبع التي سبقت تنفيذ المشروع. وهذه الفرضية غير صحيحة اعتبارا لكون المؤسسات غير الرائدة تأثرت بشكل كبير بإضراب الأساتذة السنة الماضية مما أثر بشكل سلبي على نتائج تلامذتها في الرائز النهائي للدراسة، وأدى بالتالي إلى تقدير مبالغ فيه للأثر على التعلمات في مدارس الريادة.
سادسا، رغم أن عنوان هذه الدراسة يحيل على جانب الكلفة فإن مضمونه لا يتحدث عن هذا البعد وهو ما يطرح السؤال عن نجاعة المدارس الرائدة إلى جانب الفعالية التربوية التي يريد أن يثبتها البحث المنجز في الموضوع. إن المعالجة الدقيقة للتكاليف تستحق دراسة مفصلة، خاصة في ظل شح الدراسات التي تهتم بموضوع تكلفة الإصلاحات التربوية.
إن الغاية من هذا المقال ليست التهوين من إنجاز المدارس الرائدة ولكن التنبيه إلى خطورة الانسياق وراء الرغبة في تضخيم نتائجها مما قد يؤدي إلى رفع التوقعات عند الرأي العام إلى مستويات لن تستطيع الحكومة الوفاء بها. ولعله من المفيد استيعاب ما ذكرته دراسة إيفانس ويوان، التي أحالت عليها دراسة الوزارة، حينما أصرت على أن أحجام التأثير في كل المشاريع في مرحلة التجريب تكون أربعة أضعاف تلك التي تصل إليها في مرحلة التعميم فيما يتعلق بجودة التعلمات. وهو ما يحتم على صناع السياسات، تقول الدراسة المذكورة، توخي الحذر عندما يجدون نتائج تجريبية ذات أحجام تأثير مثيرة للإعجاب، لا يستبعد أن تكون مدفوعة جزئياً على الأقل بالتحيز في النشر الانتقائي.
المصدر
المصدر: اليوم 24
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.