الدوحة- في ظل مشهد أفريقي يتقاطع فيه تصاعد الانقلابات العسكرية مع تراجع المسارات الديمقراطية وتنامي التهديدات الأمنية، عقد مركز الجزيرة للدراسات اليوم السبت جلسة نقاشية بعنوان "الحكومات العسكرية والتهديدات الأمنية وتنافس الإستراتيجيات الإقليمية"، ضمن مؤتمر "أفريقيا وتحديات الأمن والسيادة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة"، الذي انطلقت أعماله صباح اليوم السبت وتستمر يومين.

وحذر الباحثون والأكاديميون المشاركون في الجلسة من أن القارة الأفريقية تشهد منذ عام 2020 موجة جديدة من الانقلابات التي تتميز بالقبول الشعبي المتزايد، مدفوعة بالفساد والتلاعب بالدساتير وفشل الحكومات المدنية في إدارة الأزمات، إضافة إلى ما أسموه "البيئة التمكينية" المتمثلة في عدوى الانقلابات والمشاعر المناهضة للقوى الأجنبية، لا سيما فرنسا.

كما رأوا أن الديمقراطية الأفريقية لم تتجذر رغم التعددية الشكلية، بسبب تحكم الأنظمة في المسار الانتخابي واستفحال الفساد والاضطرابات الأمنية، محذرين من أن استمرار هذه الأوضاع قد يبدد فرص استثمار التنافس الدولي على موارد القارة في تحقيق نهضة اقتصادية وتنموية.

وبحث المتحدثون في الجلسة أيضا أنماط الجماعات المسلحة في أفريقيا، من الجهادية والانفصالية إلى الإثنية وعصابات الجريمة المنظمة، وأهمية المزج بين المقاربات الأمنية والتنموية وربطها بالسياقات المحلية لضمان الفاعلية.

الكاتب والإعلامي الموريتاني محفوظ السالك شارك في جلسات مؤتمر أفريقيا وتحديات الأمن والسيادة عبر منصة "زووم" (الجزيرة)موجة جديدة من الانقلابات العسكرية

وتطرح الموجة الأخيرة من الانقلابات العسكرية في أفريقيا سؤالا عميقا حول أسباب تكرارها واتساع رقعتها، لا سيما في غرب القارة ومنطقة الساحل، وسط قبول شعبي ملحوظ في بعض الدول، مما يميزها عن الموجات السابقة.

إعلان

ولذلك يوضح الباحث النيجيري حكيم ألادي نجم الدين أن العوامل المفسرة لهذه الظاهرة تنقسم إلى 3 مجموعات:

عوامل أساسية محلية تشمل الفساد والمحسوبية، والتلاعب بالدساتير، وتمديد الفترات الرئاسية، وضعف الأداء الاقتصادي، وغياب استقلالية المؤسسات التشريعية والقضائية. عوامل محفِّزة مثل انعدام الأمن، وهشاشة الدولة، والتاريخ الطويل للحكم العسكري، إلى جانب استياء المواطنين من فشل الحكومات المدنية في تقديم الخدمات. بيئة تمكينية تتمثل في تأثير "عدوى الانقلابات"، وتنامي المشاعر المناهضة لفرنسا، وانهيار الشراكات الأمنية التقليدية، وفشل العقوبات الإقليمية في ردع من يعبث بالدساتير أو ينقلب على الشرعية.

وأشار نجم الدين إلى وجود منظورين رئيسيين لتحليل هذه الظاهرة:

الأول يرى الانقلابات انعكاسا لـ"أزمة الدولة". الثاني يعتبرها شكلا من "السيادة الجديدة" في مواجهة الهيمنة الخارجية. الباحث النيجيري حكيم ألادي نجم الدين ناقش في ورقته مستقبل الديمقراطيات في أفريقيا (الجزيرة)الديمقراطية بين الانفتاح السياسي وإجهاض التجربة

ويكشف واقع الديمقراطية في أفريقيا عن فجوة بين الشكل التعددي وصورة الانتخابات، وبين المضمون والمؤسسية الحقيقية، حيث لم تثمر موجة الانفتاح السياسي منذ التسعينيات عن ديمقراطية راسخة في معظم بلدان القارة.

وهذا ما استعرضه الإعلامي الموريتاني محفوظ السالك في ورقته التي قدمها تحت عنوان "مستقبل الديمقراطيات في أفريقيا"، موضحا أن كثيرا من الدول انتقلت من حقبة الحزب الواحد إلى التعددية، لكن الأنظمة الحاكمة ظلت تتحكم في المسار الانتخابي، مما أدى إلى إبقاء رؤساء في السلطة عقودا طويلة.

كما أشار السالك إلى أن الانقلابات العسكرية، واستشراء الفساد، وضعف الحوكمة، وانتشار الإرهاب والنزاعات المسلحة، كلها عوامل قوّضت المسار الديمقراطي. موضحا أن أفريقيا تخسر سنويا ما لا يقل عن 120 مليار دولار بسبب الفساد، وأن نحو نصف النزاعات المسلحة في العالم العام الماضي وقعت في القارة.

وأكد الإعلامي الموريتاني أن القارة تمتلك فرصا إذا أحسنت استثمارها يمكنها منافسة القوى الدولية عليها، عبر تنويع الشركاء واستغلال مواردها، شريطة وجود مؤسسات قوية، وأن تتصف بالشفافية، وتكون هناك سيادة حقيقية على المقدرات.

الأكاديمي المغربي إسماعيل حمودي قال إن المقاربات الأمنية تحقق مكاسب مؤقتة لكنها تتجاهل جذور الصراع (الجزيرة)مكافحة الجماعات المسلحة

وتتوزع الجماعات المسلحة في أفريقيا على أنماط مختلفة، مما يجعل إستراتيجيات مكافحتها معقدة ومتعددة الأبعاد، تتراوح بين الحلول الأمنية البحتة والمقاربات التنموية الشاملة، حسب ما شرحه أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد عبد الله في المغرب إسماعيل حمودي، في ورقة بعنوان "إستراتيجيات مكافحة الجماعات المسلحة".

حيث صنّف حمودي هذه الجماعات إلى 4 أنماط: جهادية، وانفصالية، وإثنية، وجماعات الجريمة المنظمة. موضحا أن المقاربات الأمنية تعتمد على العمليات العسكرية، والتدخلات الدولية، وبرامج نزع السلاح ومكافحة التمويل.

وأضاف الأكاديمي المغربي أن هذ المقاربات غالبا ما تحقق مكاسب مؤقتة وتتجاهل جذور الصراع، بل قد تؤدي الانتهاكات الأمنية إلى إطالة أمد الأزمة.

إعلان

وفي ما يتعلق بالمقاربات التنموية، فقد قال حمودي إنها تركز على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، وتفعيل آليات الإنذار المبكر، والتحالفات الإقليمية. ورغم ذلك فإنه استدرك بأنها تواجه عقبات من ضعف الدولة، والفساد، واستمرار النزاع.

وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن الحلول الفعّالة يجب أن تنطلق من السياقات المحلية، وأن تتحمل النخب الأفريقية مسؤولية صياغتها وتنفيذها.

إحدى جلسات مؤتمر أفريقيا وتحديات الأمن والسيادة الذي ينظمه مركز الجزيرة للدراسات (الجزيرة)التحديات والفرص أمام أفريقيا

وتكشف محاور هذه الجلسة صورة متشابكة لأوضاع القارة، حيث تتقاطع فيها الأزمات السياسية والأمنية مع اختلالات اقتصادية وهيكلية مزمنة. فمن منظور حكيم ألادي نجم الدين فإن أي معالجة جادة لظاهرة الانقلابات تستلزم إصلاحا عميقا في بنية الدولة ومؤسساتها.

لكن محفوظ السالك يرى أن بناء ديمقراطية حقيقية هو المدخل الأساسي لتحويل التنافس الدولي إلى فرصة تنموية، لا أداة لاستدامة النخب الحاكمة.

ويضيف إسماعيل حمودي أن مكافحة العنف المسلح تحتاج إلى رؤية متكاملة تعالج المظالم الاجتماعية وتربط الأمن بالتنمية.

ورغم حدة التحديات، يتفق المتحدثون على أن القارة ما تزال تمتلك عوامل قوة إستراتيجية، مثل: موارد طبيعية هائلة، وموقع جغرافي مؤثر، وكتلة سكانية شابة يمكن أن تقود النهضة إذا ما توفرت الإرادة السياسية، والإدارة الرشيدة، والتعاون الإقليمي الفعّال.

يذكر أن فعاليات مؤتمر "أفريقيا وتحديات الأمن والسيادة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة" مستمرة حتى الغد، عبر عدة جلسات يشارك فيها باحثون وأكاديميون وإعلاميون لمناقشة المزيد من القضايا التي تتعلق بمستقبل القارة ودورها في المشهد الدولي.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات دراسات الانقلابات العسکریة الجماعات المسلحة من الانقلابات من والسیادة فی أفریقیا نجم الدین

إقرأ أيضاً:

مصر تستضيف الاجتماع التحضيري للمجموعة الإفريقية لمكافحة التصحر استعدادًا لـ "COP17"

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

استضافت مصر، ممثلة في وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، فعاليات الاجتماع التحضيري للمجموعة الإفريقية للمفاوضين التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، في إطار الاستعدادات للدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP17).

وشهد الاجتماع، الذي نظمه مركز بحوث الصحراء تحت رعاية علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، مشاركة ممثلين عن مفوضية الاتحاد الإفريقي وأمانة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إلى جانب خبراء ومفاوضين من مختلف الدول الإفريقية.

وخلال الجلسة الافتتاحية، ألقت الدكتورة غادة حجازي، نائب رئيس مركز بحوث الصحراء للبحوث والدراسات، كلمة نيابةً عن الدكتور حسام شوقي، رئيس المركز والمنسق الوطني لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، حيث نقلت تحيات وزير الزراعة، ورئيس المركز، إلى جميع المشاركين، مرحبةً بالوفود الإفريقية في مصر، ومؤكدةً التزام الدولة المصرية بدعم العمل الإفريقي المشترك وتعزيز التنسيق بين دول القارة لمواجهة تحديات التصحر والجفاف وتدهور الأراضي.

 

تحديات تواجه القارة الإفريقية

وأشارت نائب رئيس المركز، إلى أن قضايا الأراضي والمياه والأمن الغذائي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه القارة الإفريقية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، مؤكدةً أن مكافحة التصحر لا تمثل قضية بيئية فحسب، بل تُعد أيضًا أولوية تنموية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بتحقيق الاستقرار وتحسين سبل معيشة المجتمعات المحلية. كما أكدت على أهمية تنمية المراعي وتعزيز الإدارة المستدامة لها، ودعم المجتمعات الرعوية، لا سيما في المناطق الجافة وشبه الجافة، بما يسهم في تعزيز القدرة على الصمود والتكيف مع آثار الجفاف والتغيرات المناخية. وشددت كذلك على ضرورة تعزيز أوجه التكامل والتنسيق بين اتفاقيات ريو الثلاث، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الموارد والتمويلات الدولية المخصصة لمواجهة التحديات البيئية والتنموية.

توقيت بالغ الأهمية

وأوضحت حجازي أن الاجتماع يأتي في توقيت بالغ الأهمية بالتزامن مع الاستعدادات الجارية لمؤتمر الأطراف السابع عشر، واستمرار المناقشات المتعلقة بالاستراتيجية المستقبلية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لما بعد عام 2030. وأشارت إلى أن ذلك يتطلب بلورة موقف إفريقي موحد يعكس أولويات القارة واحتياجاتها التنموية، خاصة فيما يتعلق باستعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات.

وأعربت عن تقديرها لمفوضية الاتحاد الإفريقي وأمانة الاتفاقية وجميع الشركاء والمنظمين على جهودهم في الإعداد لهذا الاجتماع، معربةً عن أملها في أن تسهم مخرجاته في تعزيز الموقف الإفريقي خلال المفاوضات الدولية المقبلة، ودعم جهود التنمية المستدامة في مختلف أنحاء القارة الإفريقية.

مقالات مشابهة

  • باكستان: حريق غابات يدمر أكثر من 3 آلاف هكتار وسط موجة حر
  • ماذا طلب الرئيس السيسي من القوات المسلحة؟.. توجيهات جديدة خلال اجتماع رفيع المستوى
  • مصر تقود التنسيق الإفريقي لمكافحة التصحر استعدادًا لـ COP17
  • مصر تستضيف الاجتماع التحضيري للمجموعة الإفريقية لمكافحة التصحر استعدادًا لـ "COP17"
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • بعد موجة الارتفاع الأخيرة.. سوق الحديد يشهد حالة من الاستقرار
  • الأرصاد تحذر من موجة حر شديدة وأمطار رعدية متوقعة في عدد من المحافظات
  • خلية المطرية.. استكمال محاكمة 7 متهمين بتهم الإرهاب وتمويل الجماعات المتطرفة
  • الرئيس الكولومبي يرفض النتائج الأولية للانتخابات ويدعو لانتظار الحسم القضائي
  • الكولومبيون يدلون بأصواتهم في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية