فريق بحثي أميركي ينجح في تحويل ذباب الجندي الأسود إلى بلاستيك قابل للتحلل
تاريخ النشر: 15th, August 2023 GMT
تمكنت مجموعة بحثية أميركية من إحراز تقدم كبير في تحويل نوع من الذباب إلى منتجات من البلاستيك الحيوي القابل للتحلل. وعرض الباحثون التقدم الذي أحرزوه في هذا السياق خلال اجتماع تعقده الجمعية الكيميائية الأميركية في سان فرنسيسكو بولاية كاليفورنيا.
تقول الدكتورة كارين وولي الباحثة الرئيسية في المشروع -في بيان منشور على موقع "فيز دوت أورغ" أمس الاثنين- إنه "على مدار 20 عاما، طورت المجموعة طرقا لتحويل المنتجات الطبيعية -مثل الغلوكوز الذي يتم الحصول عليه من قصب السكر أو الأشجار- إلى بوليمرات قابلة للتحلل والهضم لا تصمد في البيئة، لكن هذه المنتجات الطبيعية التي يتم حصادها من الموارد تُستخدم أيضا في الغذاء والوقود والبناء والنقل".
لذلك بدأت وولي في البحث عن مصادر بديلة لا تستخدم في تطبيقات منافسة، واقترح زميلها الدكتور جيفري تومبرلين استخدام النفايات المتبقية من زراعة ذباب الجندي الأسود، وهي صناعة متوسعة كان يساعد في تطويرها.
تحتوي يرقات هذا الذباب على عديد من البروتينات والمركبات المغذية الأخرى، لذلك تتم تربية الحشرات غير الناضجة بشكل متزايد لتغذية الحيوانات واستهلاك النفايات. وعمر البالغين من تلك الحشرات قصير ويتم التخلص منها بعد انتهاء أيام تكاثرها.
وبناء على اقتراح تومبرلين، أصبحت تلك البقايا مادة البداية الجديدة لفريق وولي.
من جهتها، تقول كاسيدي تيبتس -طالبة دراسات عليا تعمل في المشروع بمختبر وولي في جامعة تكساس إيه آند إم- "إننا نأخذ شيئا يعتبر قمامة -بالمعنى الحرفي للكلمة- ونصنع منه شيئًا مفيدا".
وعندما فحصت تيبتس الذباب الميت وجدت أن الكيتين مكون رئيسي. ويقوي هذا البوليمر غير السام والقابل للتحلل القشرة، أو الهيكل الخارجي للحشرات والقشريات. وعادة ما يقوم المصنعون باستخراج مادة الكيتين من قشور الجمبري وسرطان البحر لاستخدامات مختلفة، وقد طبقت تيبيتس تقنيات مماثلة لاستخراج الكيتين وتنقيته من بقايا الحشرات.
وتضيف تيبتس أن مسحوق الكيتين من ذبابة الجندي الأسود ربما يكون أكثر نقاء، كما أن الحصول على الكيتين من الذباب قد يجنب المخاوف المحتملة بشأن بعض أنواع الحساسية من المأكولات البحرية.
وفي حين يعزل بعض الباحثين الآخرين الكيتين أو البروتينات من يرقات الذباب، فإن وولي تقول إن فريقها هو أول فريق يستخرج مادة الكيتين من الذباب البالغ المهمل، الذي لا يُستخدم غذاء، على عكس اليرقات.
وبينما تواصل تيبتس تحسين تقنيات الاستخراج الخاصة بها، تقوم هونغمينغ غوا، وهي طالبة دراسات عليا أخرى في مختبر وولي، بتحويل كيتين الذباب المنقى إلى بوليمر سكري يُعرف باسم الشيتوزان، ثم تعمل على تحويل الشيتوزان إلى مواد بلاستيكية حيوية مفيدة، مثل الهلاميات المائية فائقة الامتصاص، وهي عبارة عن شبكات بوليمر ثلاثية الأبعاد تمتص الماء.
وقد أنتجت غوا مادة هيدروجيل يمكنها امتصاص الماء بمقدار 47 مرة في دقيقة واحدة فقط. ويمكن استخدام هذا المنتج في تربة الأراضي الزراعية لالتقاط مياه الفيضانات ثم إطلاق الرطوبة ببطء في أثناء فترات الجفاف اللاحقة، حسبما تقول وولي.
بعد ذلك، سوف يبدأ الفريق في مشروع لتحطيم الكيتين إلى غلوكوزامين أحادي، ليتم بعد ذلك استخدام جزيئات السكر الصغيرة هذه في صناعة البلاستيك الحيوي، مثل البولي كربونات أو البولي يوريثان الذي يصنع تقليديا من البتروكيميائيات.
يحتوي ذباب الجندي الأسود أيضا على عديد من المركبات المفيدة الأخرى التي تخطط المجموعة لاستخدامها مواد أولية، بما في ذلك البروتينات والحمض النووي والأحماض الدهنية والدهون والفيتامينات.
وتهدف المنتجات المصنوعة من هذا النوع من الذباب إلى التحلل عند التخلص منها، لذلك لن تسهم في مشكلة التلوث البلاستيكي الحالية، بما يتوافق مع رؤية وولي لهذه العملية التي تتواءم مع مفهوم الاقتصاد الدائري المستدام.
وتختم وولي حديثها بالقول: "في النهاية، نود أن تأكل الحشرات نفايات البلاستيك كمصدر للغذاء، ثم نحصدها مرة أخرى، ونجمع مكوناتها لصنع مواد بلاستيكية جديدة، لذا فإن الحشرات لن تكون المصدر فحسب، بل إنها سوف تستهلك أيضا المواد البلاستيكية التي تم التخلص منها".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: من الذباب
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..