بيانات صادمة للمصرف المركزي..اقتصاد ليبيا إلى أين؟
تاريخ النشر: 13th, April 2025 GMT
لأول مرة، ودون سابق إنذار، نشر المصرف المركزي الليبي بيانات صادمة ومخيفة عن الوضع المالي للدولة الليبية، مفادها المزيد من الانزلاق في مستنقع التأزيم الاقتصادي، مع غياب ضمانات كبح جماح ذلك التأزيم.
البيانات التي نشرها المصرف المركزي الليبي تخص العام المالي 2024م، والربع الأول من العام 2015م، فقد كشف المصرف المركزي أن الإنفاق العام عن السنة المالية 2024م بلغ 224 مليار دينار ليبي (نحو 47 مليار دولار)، منها 123 مليار دينار نفقات حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، و59 مليار إنفاق مسؤولة عنه الحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق، بالإضافة إلى 42 مليار دينار قيمة مبادلة النفطة بالمحروقات.
هذا الإنفاق المتضخم رتب عجزا غير مسبوق بلغ 88 مليار دينار ليبي للسنة المالية 2024م، مع التنبيه أن هذا العجز لم يظهر في بيان الإيراد والانفاق المتعلق بالعام 2024م والذي صدر عن المصرف المركزي في يناير الماضي، نظرا لعدم تضمين نفقات حكومة الشرق والبيانات الخاصة بمبادلة النفط بالمحروقات، كما سبقت الإشارة.
لأول مرة أيضا يكشف المصرف المركزي عن القيمة الصادمة للدين العام المحلي والذي بلغ 270 مليار دينار، والتي انقسمت إلى 84 مليار دينار يتحملها المصرف المركزي في الغرب، و 186 مليار مسؤول عنها سلطات الشرق، وأكد المركزي في بيانه الأخير أن إجمالي الدين المحلي سيصل إلى 330 مليار دينار مع نهاية العام الجاري، أي ما يعادل285% من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا، وهي نسبة مقلقة جدا وبمثابة مؤشر حقيقي على استفحال الأزمة المالية.
عرض النقود بلغ حسب بيانات المصرف المركزي نحو 178 مليار دينار ليبي، وهو رقم غير مسبوق، ويشكل أبرز مظاهر التأزيم، ذلك أن التوسع في عرض النقود يدفع باتجاه ارتفاع معدلات التضخم ومضاعفة الضغط على قيمة الدينار الليبي من خلال زيادة الطلب على النقد الأجنبي.
بيانات الربع الأول من العام 2025م تسير على منوال سبقتها، بل هي أكثر انفلاتا، فقد بلغ العجز بالدولار 4.6 مليار خلال الشهور يناير فبراير مارس من العام الجاري، مما يعني أن العجز بالدولار يمكن أن يتخطى 15 مليار دولار مع نهاية العام ما لم تتخذ تدابير جادة لتصحيح الوضع.
إن استمرار الهدر والفاتورة المتضخمة في مختلف بنود الإنفاق سيقود حتما إلى وضع اقتصادي صعب للغاية، ذلك أن الهوة المتعاظمة بين الإيرادات والنفقات ستجر إلى الاعتماد استنزاف الاحتياطي الذي لن يصمد طويلا أمام هذا الانفلات، وسيكون لهذا الوضع المعقد تداعيات في شكل مزيد من التراجع في قيمة الدينار أمام الدولار، وارتفاع الأسعار وتدني الدخول الحقيقية لليبيين، وعدم القدرة على الإيفاء بالالتزامات الحكومية تجاه الخدمات الأساسية..الخ.وكان المصرف المركزي قد قرر مؤخرا تخفيض قيمة الدينار الليبي أمام الدولار والعملات الأجنبية الرئيسية وبنسبة 13.3%، ليصبح السعر الرسمي لصرف الدولار 5.56 دينار، ويتسبب هذا القرار مع عوامل مصاحبة في ارتفاع قيمة الدولار في السوق الموازي إلى نحو 7.5 دينار للدولار خلال اليومين الماضيين.
الخلاصة التي لا يختلف حولها المختصون في الاقتصاد والمالية العامة أن المؤشرات السابق ذكرها تمثل مظاهر أزمة خانقة، وأن الوضع العام مرشح إلى مزيد من التأزيم إذا ظل الحالي على ما هو عليه من انفلات الانفاق وعدم القدرة على تدبير إيرادات إضافية لمواجهة النفقات المتزايدة، والاستمرار في تبادل الاتهامات بين حكومتي الغرب والشرق وعجز المصرف المركزي على تكييف خيارات تسهم في وقف الانحدار إلى اسفل ماليا ونقديا.
المرتبات التي تمثل قرابة 60% من إجمالي الانفاق هي في زيادة مضطردة، حتى أن وزير مالية حكومة الوحدة حذر من أنها ستصل إلى 100 مليار دينار نهاية 2025م، وقد بلغت حتى نهاية العام الماضي 67 مليار دينار. كما يشكل بند مبادلة النفط بالمحروقات استنزافا كبيرا لعوائد النفط التي بلغت 18.6 مليار دولار أمريكي مع نهاية العام 2024م، ومرشحة إلى التراجع إذا ظل سعر برميل النفط عند المستوى الذي بلغه مؤخرا. ولقد ازدادات نفقات حكومة الشرق بشكل كبير لتصل إلى نحو 250 مليار دينار خلال الأعوام الماضية، برغم سداد مرتبات جل إن لم يكن كل موظفيها وموظفي الدولة العاملين في حدودها الجغرافية، وكذلك أوجه الإنفاق الأخرى بما في ذلك الإنفاق التسيير والإنفاق التنموي.
إن استمرار الهدر والفاتورة المتضخمة في مختلف بنود الإنفاق سيقود حتما إلى وضع اقتصادي صعب للغاية، ذلك أن الهوة المتعاظمة بين الإيرادات والنفقات ستجر إلى الاعتماد استنزاف الاحتياطي الذي لن يصمد طويلا أمام هذا الانفلات، وسيكون لهذا الوضع المعقد تداعيات في شكل مزيد من التراجع في قيمة الدينار أمام الدولار، وارتفاع الأسعار وتدني الدخول الحقيقية لليبيين، وعدم القدرة على الإيفاء بالالتزامات الحكومية تجاه الخدمات الأساسية..الخ.
ورغم الصورة القاتمة، إلا أن تلافي التداعيات واحتواء الأزمة ممكن شريطة أن يتحمل الساسة المسؤولية أولا من خلال إنهاء الصراع ووقف الإنقسام ومنع الازدواجية في القرار المالي والنقدي، وضبط وترشيد الإنفاق العام والتنسيق مع المصرف المركزي لإدارة سياسات مالية ونقدية تعود بالاستقرار والانتعاش للاقتصاد الوطني، فهذه بدائل ليست صعبة، إنما تتطلب إرادة ومسؤولية ودرجة عالية من الوطنية يبدو أنها ما تزال غائبة في المنتظم السياسي الرسمي.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاقتصادي ليبيا اقتصاد رأي أوضاع مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة اقتصاد سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المصرف المرکزی قیمة الدینار ملیار دینار نهایة العام المرکزی فی
إقرأ أيضاً:
منع الهدر وتعزيز الشفافية.. كيف أعاد قانون المالية العامة ضبط الإنفاق الحكومي؟
وضع قانون المالية العامة الموحد رقم 6 لسنة 2022 مجموعة من الضوابط الملزمة للجهات الإدارية عند إعداد وتنفيذ الموازنات، وحدد بشكل واضح الممارسات التي تُعد مخالفات مالية تستوجب المساءلة، بهدف ضمان الالتزام بالقواعد المنظمة للإنفاق وتحقيق أعلى درجات الشفافية في إدارة موارد الدولة.
وألزم القانون الجهات الإدارية باستخدام الأنظمة والتطبيقات الذكية في إعداد وتنفيذ موازناتها وفق القواعد التي تحددها وزارة المالية واللائحة التنفيذية، مع الالتزام بكافة الإجراءات المنظمة للعرض والتسجيل والمراجعة المالية.
وحدد القانون عددًا من الأفعال التي تعد مخالفات مالية، أبرزها:
1- التأخر في تقديم الموازنات والحسابات الختامية
تعد مخالفة عدم تقديم الجهة الإدارية للموازنة أو الحسابات الختامية أو القوائم المالية وتقارير تقييم الأداء، أو تقديمها بشكل غير مكتمل أو بعد المواعيد المحددة.
2- عدم انتظام السجلات المحاسبية
تشمل المخالفات عدم إمساك الدفاتر والسجلات المحاسبية أو عدم القيد بها بصورة منتظمة وفقًا للقواعد المالية المعتمدة.
يجرم القانون عدم تمكين ممثلي وزارة المالية وأعضاء الجهاز المركزي للمحاسبات من أداء مهامهم أو الاطلاع على المستندات والبيانات المطلوبة.
يعد امتناع الجهات الإدارية عن توفير المستندات أو التأخر في تقديمها أثناء أعمال الفحص والمراجعة مخالفة مالية.
يحظر القانون تجاوز البنود المالية المعتمدة أو نقل مبالغ بين أبواب الموازنة أو إجراء مصروفات غير مدرجة دون الحصول على الموافقات المالية اللازمة.
يعد تسليم مفاتيح التصديق الإلكتروني الخاصة بصاحبي التوقيعين الأول والثاني للغير مخالفة تستوجب المساءلة، مع عدم الإخلال بالعقوبات المقررة في القوانين الأخرى.
اعتبر القانون مخالفة أي من أحكامه أو القرارات واللوائح الصادرة تنفيذًا له من المخالفات المالية التي تستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية.
ويأتي ذلك في إطار توجه الدولة لتعزيز الحوكمة المالية، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد العامة، وتحقيق أعلى مستويات الرقابة والانضباط في إدارة الموازنة العامة.