شبكة انباء العراق:
2026-07-24@00:13:30 GMT

اضواء على ألغام ورسائل قمة بغداد !

تاريخ النشر: 18th, May 2025 GMT

بقلم : د. سمير عبيد ..

أولا: لزمنا الصمت ولم نُعلّق على أي شيء قبيل واثناء القمة العربية رقم 34 في العاصمة بغداد على الرغم من الرسائل التي وصلتنا من اخوة عراقيين طلبوا رأينا .فكانت إجابتنا لهم ( في فمي ماء الآن .. أمهلونا حتى نهاية القمة لنرى الاحداث! ) لكي لا يُقال نحن بالضد من هذه القمة ،وبالضد من جهود ومساعي حكومة السوداني ( مع العلم كان لدينا علم مسبق من بعض الدبلوماسيين العرب انها ستكون قمة ارسال الرسائل الموجعة للطبقة السياسية الحاكمة في بغداد، والتي اصبحت شبه معزولة في محيطها العربي والاقليمي والدولي .

. وهذه حقيقة وليست فرية منّا او رغبة منّا… وبدأت بالرسائل القوية منذ اهمال العراق وعدم دعوته لقمة ترامب مع القادة العرب في الرياض !)
ثانيا :-الطبقة السياسية الشيعية لازالت تصر على الخطأ لانها لازالت تصر على وضع بيضها في السلة الإيرانية فقط والتي لم يبقى من هذه السلة إلا ( مقبضها فقط) .وطبعا هناك كُرد وسُنة يشاركون الشيعة بالالتصاق بإيران لمصالح خاصة . وآخرين من هؤلاء لهم علاقاتهم السرية والخاصة مع تركيا واستخبارات خليجية وجهات خارجية اخرى وحتى مع جهات معادية للعراق. والغريب سارع نحوهم السيد السوداني ليزايد عليهم في علاقاته الخاصة مع تركيا وقطر واخيراً مع الجولاني ( اجه يكحلها عماها) .مما خلق جبهة جديدة زادت في محنة العراق والعراقيين . نقطة نظام :- ان جميع حسابات تلك الجماعات اعلاه قاصرة ولم يستوعبوا ولم يقتنعوا أن هناك تغيير سياسيي قادم في العراق ( الزلزال ) .وقادة الدول الخليجية وبعض قادة الدول العربية تعلم بهذا التغيير المرتقب !
ثالثا: فقبيل انعقاد القمة العربية في بغداد بيوم واحد وصل الجنرال الإيراني المثير للجدل إسماعيل قاآني إلى العراق. والهدف واضح وهو :-
أ:-لإرباك الاستعدادات العراقية للقمة العربية ، وللتنسيق من وراء ظهر الحكومة العراقية مع حلفاء إيران في العراق والذين يمتلكون دويلات وجيوش خاصة — ان صح التعبير – ويأخذون التوجيهات من طهران. وترى بنفسها اي تلك الدويلات وتلك الجماعات الحليفة لإيران هي اقوى من الحكومة والدولة والمجتمع العراقي، وقادرة على فعل اي شيء، وحتى قادرة على الانقلاب واستلام الحكم في العراق ( هكذا تعتقد ومقتنعه بذلك ) !

حب:-محاولة قاآني الضغط والتأثير النفسي على القادة العرب بعدم الحضور لقمة بغداد . وبالفعل نجحت طهران ونجح الجنرال قاآني بتحقيق ذلك .وامتنع ٩٥٪؜ من القادة الخليجيين والعرب( الرؤساء والملوك والأمراء) من حضور القمة وارسلوا وفود مدنية جدا ! :-الضغط على الحكومة العراقية من خلال رئيسها للتبرع إلى غزة والى لبنان حصرا ب 40 مليون دولار دون استشارة الشعب ،ولا استشارة البرلمان، ودون الإعلان عن موافقة مجلس الوزراء في العراق . فكانت صدمة للعراقيين الذي يعانون نقص الخدمات في المستشفيات والمدارس والجامعات وفي كل شيء. ناهيك عن طوابير العاطلين عن العمل وجميعهم من الخريجين والشباب . ناهيك أن الرئيس اللبناني لم يحضر القمة أصلا وكان عدم حضوره رسالة سلبية للعراق .ورغم ذلك يتبرع العراق ب 20 مليون دولار إلى لبنان. وبالأمس زار الرئيس اللبناني نفسه الكويت بطائرة خاصة !.والـ 20 مليون دولار إلى غزة كيف تصل ونحن نعرف عدوها الحاضر في القمة الرئيس محمود عباس (( فيا ترى هل تعطى إلى الجنرال قاآني وهو يرسلها بطريقته ؟أم اعطيت ال 20 مليون دولار إلى الأمير القطري وهو يوزعها على قادة حماس الذين يعيشون في فنادق الدوحة فايف ستار ؟ ام انها مجرد إعلان وشعارات وسوف تذهب لجيوب الفاسدين في الحكومة والطبقة السياسية العراقية ؟ ام هي أوامر من حلفاء إيران بالعراق أن تتبرع الحكومة ب 40 مليون دولار إلى لبنان وغزة ؟ ) هذه الاسئلة يفترض يسألها برلمان العراق لحكومة السوداني وبجلسة برلمانية مفتوحة على الهواء مباشرة !

رابعا :- نعود للرسائل المهمة والتي تصر وكعادتها ان لا تقرأها الطبقة السياسية في العراق وبمقدمتها الاطار الحاكم !
أ: عدم حضور القادة الخليجيين إلى قمة بغداد هي رسالة واضحة انه ليس هناك ود ولا ثقة ولا حب للطبقة السياسية في العراق. بمعنى انها باتت معزولة !
ب:عدم حضور جلالة الملك الأردني هي اقوى رسالة ومزدوجة من المجتمع الدولي وبمقدمته( امريكا وبريطانيا ) ومعناها ان الطبقة السياسية في العراق انتهى عمرها الافتراضي. لانه معروف للمنطقة والعالم ان القرار في الاردن هو مرتبط بالقرار البريطاني الاميركي. وان الأردن تستضيف اكبر عدد عسكري من الاميركيين والدول الاوربية وعلى ارضها جيوش وقواعد ضخمة تابعة للاميركيين والبريطانيين والفرنسيين والاخرين!
ج:- وعدم حضور الملك الأردني نسف القمة الثلاثية التي كانت مُعدّة من قبل الحكومة العراقية والسوداني والتي يفترض تضم كل من قادة ( العراق ومصر والأردن ) وكانت رسالة واضحة انه لا تنسيق مع حكومة السوداني في المستقبل !
د:-حضور أمير قطر الشيخ تميم لسويعات ثم عاد إلى الدوحة ( وسط غموض واضح ورسالة واضحة للطبقة السياسية ) فالشيخ تميم حضر بضغط من الرئيس التركي اردوغان لساعتين لان محمد شياع السوداني ترجى اردوغان قبل القمة بأيام ان يوثر على قطر لتحضر بأميرها.. ولكن الهاتف المرعب الذي جاء إلى تميم ( هاتف خليجي ودولي) جعله ينهض ويهرول نحو المطار ويعود للدوحة !
هـ:- اقوى وأوضح رسالة جاءت على لسان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عندما سألته المندوبة العراقية ( عن العلاقة بين العراق وسوريا ) فقال (نحن مع العراق حيث يكون العراق) فكانت اجابة فلسفية وذكية للغاية وهو يعلم أن العراق الحالي حليف لايران وهم على عداء مع ايران. وهذا يعني أن العراق ذاهب إلى وضع آخر ونظام سياسي آخر !

خامسا : والغريب والمستهجن ويبدو بتوجيهات الجنرال إسماعيل قاآني وهو خروج جهات حليفة لايران ومحسوبة على الحشد نحو شارع المطار وقبل مغادرة الوفود العربية فانزلوا جميع أعلام الدول العربية وعلقوا بدلها أعلام الحشد الشعبي. فكانت اهانة للحكومة العراقية ورئيسها محمد السوداني وهما اللذان يستضيفان الوفود العربية. وكانت بمثابة تحدي للحكومة العراقية بأن الحشد وحلفاء ايران اقوى من الحكومة والدولة .وكذلك هي اهانة للشعب العراقي وللدولة العراقية التي يفترض لها حكومة واحدة ونظام واحد. والاهم هي رسالة ترهيب للوفود العربية ( ويبدو الجماعة كانوا يراهنون على ردة فعل الحكومة لكي يغلقوا المطار ويأخذون الوفود العربية اسرى .. ومن ثم تعطف ايران والجنرال قاآني بإطلاق سراحهم ) نحن لا نستبعد هذه الخطة ! (( لا بل نشرت فيدوهات على مواقع التواصل جماعات عراقية بسيارات في شارع المطار وهم يشتمون بأعلام الدول العربية وقادتها ))!

الخلاصة : فشلت قمة بغداد فشلا كبيرا ومن يتحمل مسؤولية الفشل واهانة العراق هي الحكومة العراقية وايران وجماعتها في العراق. وكان يفترض من السوداني الغاء القمة العربية حال عدم دعوة العراق إلى الرياض اسوة بقادة الدول العربية . وحال رفض ترامب اللقاء مع السوداني بوساطة قطرية وتركية وسعودية عندما ألح عليهم فيها السوداني ليلتقي ترامب !
ختاما :-انتهت اللعبة في العراق !
سمير عبيد
١٨ مايو ٢٠٢٥

سمير عبيد

المصدر

المصدر: شبكة انباء العراق

كلمات دلالية: احتجاجات الانتخابات البرلمانية الجيش الروسي الصدر الكرملين اوكرانيا ايران تشرين تشكيل الحكومة تظاهرات ايران رئيس الوزراء المكلف روسيا غضب الشارع مصطفى الكاظمي مظاهرات وقفات الحکومة العراقیة ملیون دولار إلى الدول العربیة قمة بغداد فی العراق عدم حضور

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • المرحلة الثانية من صولة الفجر: هل تكسر الحماية السياسية عن شخصيات بارزة؟
  • نائب وزير الخارجية يترأس الوفد المصري المشارك في القمة الاستثنائية للصحة بأفريقيا
  • بعد استهداف معبر الشلامجة.. هل دخلت الحدود العراقية في الصراع الأمريكي الإيراني؟
  • سمير فرج يكشف تطورات التصعيد الإيراني: ضربات دقيقة ورسائل عسكرية لواشنطن وحلفائها
  • سمير فرج يكشف تطورات التصعيد الإيراني : ضربات دقيقة ورسائل عسكرية لواشنطن وحلفائها
  • العراق وإيران يوقعان اتفاقية و3 مذكرات تفاهم للشراكة
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • القمة النسوية اليمنية تُثمّن إسهامات الزهراء لنقي في دعم السلام وتعزيز مشاركة النساء في اليمن
  • التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح
  • توازن بغداد ينهار.. الغارديان: العراق يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها