"منظومة إجادة" من منظور علمي.. بين الرؤية والتأمل (3-4)
تاريخ النشر: 11th, June 2025 GMT
د. سالم بن محمد عمر العجيلي **
استكمالًا لما ذكرناه في الحلقة الماضية من هذا المقال، نؤكد أن لكل مؤسسة عملاء، وهُم: العملاء الداخليين الذين ينتمون للمؤسسة، من الموظفين العاملين والمساهمين بها، والعملاء الخارجيين من خارج المؤسسة، ليس لهم صلة بها سوى أنهم يتعاملون معها، فكثيرًا ما نجد من يهتم بالعميل الخارجي فقط، وينسى العميل الداخلي الذي يعتبر أهم منه، فالعميل الداخلي هو الذي يؤتمن ويتكل عليه لتحقيق النجاحات للمؤسسة، ويقوم للتسويق لها كالخارجي تمامًا، بل أنه يتعدى بولائه لمؤسسته عن العميل الخارجي.
وكل ما قيل يدخل في علم الجودة؛ فالجودة تعمل في الخلفية كالجاذبية، تجذبك نحو بعض المنتجات والخدمات دون إدراك السبب، وتشدك لتجربة الأفضل دون أن تراها مباشرة، وعندما تكون الجودة حقيقية لا تحتاج إلى إعلان العملاء بها فهم الذين يسوقون لها.
والدين الإسلامي الحنيف هو دين النظام بكل تفاصيله، فبدأ من قدرة الله عزوجل جلت قدرته في خلق الكون، خلق سبع سماوات طباقا طبقة فوق طبقة، فوق بعضهن البعض وسبع أرضين مثلهن، وصولًا للصلاة التي جعلها الله عزوجل جل جلاله منظمة في كل شيء، ومنها تنظيم الصفوف في الصلاة التي يجب أن تكون مرتبه، الأول فالأول تباعًا نبدأ بالصف الأول فالذي يليه، فديننا وجد منظمًا زاهيًا وسيبقى خالدًا بأذن الله إلى يوم الدين.
ومع التغير السريع في بيئة الأعمال، الذي أصبح هاجسًا لدى قادة المؤسسات، وفي ظل التحديات المتزايدة في بيئة الأعمال الحديثة، والثروة العلمية والمعرفية الهائلة التي يمتلكها العالم المتقدم، التي مكنته من تحقيق التقدم والرفاه الاجتماعي والرقي الحضاري، كانت سلطنة عمان دائمًا وأبدًا سباقه وبتوازن في كافة الميادين والمجالات، مصممة على النهوض والتطور في نهضه مستمرة، مسايرة للمنافسة العالمية المتقدمة، ولهذا فقد وضع وأسس السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- بنظرته الثاقبة خارطة الطريق للرؤية المستقبلية للسلطنة قبل وفاته، التي قام بالشروع بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- والبدء بتنفيذها في هذا العهد المتجدد، وما بين الرؤية والتنفيذ كان من بين تلك المؤسسات المختصة، التي وضعت وزارة العمل خططها توافقًا مع الرؤية الشاملة "عُمان 2040"، والتي كان من ضمن خطط تطويرها تطبيق برنامج "منظومة إجادة"، الذي تسارعت الخطى للبدء بها، وبالتأكيد إن لكل تجربة عمل جديد من إيجابيات وسلبيات، وعملية تقييم الأداء تمثل أحد هذه العمليات الجوهرية، التي تتبعها إدارة الموارد البشرية في المنظمات بمختلف مستوياتها، وتساهم في تحديد نقاط القوة والضعف للموظفين في عملها، وتهدف لتحسين أدائهم وزيادة رضاهم فهم شرايين المؤسسة المحورية، لأنهم يمثلون قوة العمل التي تحقق الأهداف المشتركة، والوصول لأهداف المنظمة لتساعد على تقييم التقدم والتأخر، في تحقيق الأهداف صعودًا وهبوطًا للمؤشر كالمد والجزر.
وبتصاعد تجربة وتيرة هذا العمل لفت نظرنا تساؤلات الموظفين، في مختلف المؤسسات بأن المنظومة تخلق جوًا من الجلبة وخيبة الأمل، فهل تمت دراسته على المجتمع والموظفين بدقه، ومن الذي أدرجها فيها وما الهدف منها، وهذا التقييم يثير العديد من الأسئلة وبحاجه لإجابات واضحة، نقوم بتحليلها ودراستها وتقييمها بشكل جيد، ومن الجودة ضرورة الضبط والمراجعة والتحسين لعمليات المنظمة، لا أن تكون عشوائية فالنجاح كما نعلم له خطوات. وبضبط عملية الجودة يمكن مراقبة الأعمال وتحقيق أهدافها المنشودة، ومع هذا وذاك ولما ننظر لأي عمل يجب أن نرى مدى تقدمه وندرسه باستفاضة، ولا نستعجل ونجامل فيه خصوصًا إن كان طور البناء والتجربة، ما سيؤدي لفشل وعدم نجاح أي عمل أو مشروع كان.
إن هناك تحديات تواجه الموظفين رغم مضي زمن عليها لتطبيق المنظومة، منها: عدم وضوح الخطط والرؤية والأهداف لبعض المؤسسات، التي ربما تعدتها بوضع أهدافها عبر الإدارة العليا لكل إدارة ومؤسسة، وصياغة الأهداف ووضع نتائجها بشكل صحيح مبنية على اجتهاد الموظفين، والتخوف من وضع الأهداف وصعوبة تحقيقها، وافتقارها لمؤشرات قياس واقعية لتقييم الأهداف وآلية اعتمادها، نستطيع من خلالها قياس أداء كل موظف بثقة ودون كسب رضا أو ميل لمسؤول، والابتعاد والتخوف والاستياء والسلبيات حول المنظومة، وتقسيم الموظفين في مواقع لا تناسب خبراتهم ومهاراتهم ومؤهلاتهم العلمية والعملية، وعدم فهم النظام من قبل الموظفين والمسؤولين، وفقدان المنهجية العملية لتقييم الأداء للمسؤولين، للتكيف مع التحولات الحديثة للمؤسسات، وعدم تقبل التغيير والعوامل السلبية بين الموظفين، وتداول الأفكار غير الدقيقة عن النظام، والشعور بالملل والجمود في تطور المؤسسات، لافتقادها للقيادات المبادرة المميزة التي تعمل على تعزيز قدراتها والابتكار.
ولو نظرنا لأسباب القلق والتذمر والانتقادات والمعارضة للموظفين، من التطبيق الفعلي "لمنظومة إجادة"، لحصرناه في: عدم الثقة بين الموظفين والمسؤولين، للميول للمصالح الشخصية والابتعاد عن أهداف المؤسسة، وربط الترقيات والمخصصات المالية والمكافآت بمستويات أداء الموظفين، وعدم الأخذ في الاعتبار توافق الأداء الفعلي مع الجهد المبذول لهم في مؤسساتهم، وعدم وجود معايير عملية للعدالة والنزاهة وعدم التحيز، تساعد المسؤولين للتقييم ومن يستحق التقدير والتكريم منهم، والعبء عليهم والجهات المكلفة بالترشيح والتقييم للفئات المستحقة للتفوق دون غيرهم، وافتقادها منذ البداية لآلية التظلم والضبابية وعدم الدقة والكشف والنشر في المؤسسات للجميع، لمراحل التخطيط لعملية التطبيق من التجربة إلى التنفيذ، ومواعيد التقييم ونوعية التكريم ومستحقيها، فطريقة التقييم تساعد على انخفاض المعنويات وعدم الرضا، وتؤثر على قدرات وطاقات الموظفين لأنها لا تعكس حقيقة واقع إنجازاتهم.
** خبير الجودة والتميز المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.