لم تعد التحركات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة مجرد “صراعات داخلية” حسبما يصورها البعض، فالأحداث التي شهدتها حضرموت، والمهرة ، وعدن وغيرها خلال الأيام الماضية كشفت بوضوح حجم المخطط الخارجي الذي يدار من الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة ودعم اماراتي، وينفذ عبر أدوات محلية تتمثل في مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي و طارق عفاش، اللذين يقدمان نفسيهما كقوى محلية، بينما هما في الحقيقة أدوات احتلال بالوكالة، تعمل ضمن صفقة مكتملة الأركان تهدف إلى تفتيت اليمن والسيطرة على ثرواته وموانئه وموقعه الاستراتيجي.

الثورة / مصطفى المنتصر

وقد شهدت المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة ، وفي مقدمتها حضرموت والمهرة وعدن، خلال الأيام الماضية تحولات خطيرة كشفت حجم التورط الخارجي في الشأن اليمني، ووضعت المجلس الانتقالي الجنوبي وميليشيات طارق عفاش في واجهة المشهد باعتبارهما الأدوات المحلية المنفذة لأجندة إماراتية–إسرائيلية–أميركية تهدف إلى تفكيك اليمن وتقويض سيادته ، فالتطورات الميدانية التي جرت بوتيرة خاطفة لم تكن نتيجة صدامات داخلية بقدر ما كانت انعكاساً لمخطط خارجي محكم، بدأ مع الانتشار المفاجئ لمليشيات الانتقالي في مدن وادي حضرموت والمهرة ومحيط عدن، وسط انسحابات غير متوقعة من بعض المليشيات المحسوبة على حزب الإصلاح الموالي للسعودية في مشهد حمل كل ملامح الترتيب المسبق والتنسيق عالي المستوى.

 قواعد إماراتية إسرائيلية تدير التحركات العسكرية للسيطرة على الممرات

وتشير المعطيات السياسية والأمنية إلى أن تلك التحركات لم تكن وليدة اللحظة ولا تعبيراً عن نزعة انفصالية فحسب، بل جاءت استجابة مباشرة لتوجيهات صادرة من غرف عمليات إماراتية وإسرائيلية أُنشئت خلال الأشهر الماضية في قواعد وجزر جنوبية، وارتبطت بمنظومة مراقبة ومعلومات توفرها واشنطن وتل أبيب ضمن ما يُعرف بـ “التحالف الأمني الجديد” الذي تسعى أبوظبي إلى تثبيته شرق البحر العربي. وتؤكد مصادر عسكرية أن سرعة السيطرة على المواقع العسكرية والنقاط الحساسة لم تكن ممكنة لولا أن الانتقالي تلقى دعماً عملياتياً مباشراً، سواء في الخطط أو في وسائل الاتصال والتوجيه، وهو ما جعل الأداء العسكري يتجاوز قدرات هذه المجموعات التي اعتادت العمل بأسلوب عشوائي لا علاقة له بتنفيذ عمليات منظمة بهذا المستوى.

وفي جوهر هذا التحرك العسكري، ظهرت مصالح إسرائيلية واضحة تتجاوز وجود الإمارات في الجنوب اليمني المحتل فالمناطق التي اندفع إليها الانتقالي ليست مجرد مدن يمنية، بل مساحات ترتبط بالساحل العربي ومحطات النفط والغاز وممرات بحرية تشكل أهمية خاصة للبحرية الإسرائيلية، الساعية منذ سنوات لإيجاد موطئ قدم آمن لها في المحيط الهندي وباب المندب. وقد سبق أن كشفت تقارير محلية ودولية عن وجود خبراء إسرائيليين في سقطرى وفي قواعد إماراتية داخل عدن والمكلا والمهرة والساحل الغربي، مما يجعل التحركات الأخيرة امتداداً طبيعياً لمسار اختراق مدروس للجنوب اليمني بهدف إحكام السيطرة على مواقع حيوية يمكن استخدامها في التجسس وعمليات الرصد أو حتى كمنصات عسكرية ضد محور المقاومة.

الانتهاكات وعمليات التطهير العنصري

ومع الاندفاعة العسكرية للانتقالي، شهدت حضرموت والمهرة موجة واسعة من الانتهاكات التي طالت ضباطاً وجنوداً ومدنيين من أبناء المحافظات الشمالية، في سلوك يعكس العقلية العنصرية التي تغذيها أبوظبي داخل أذرعها العسكرية والتي تتشابه إلى حد ما مع الانتهاكات التي تنفذها مليشيات الدعم السريع الموالية للإمارات في السودان. أقدمت مليشيات الانتقالي على إعدام عدد من المواطنين والضباط في ما يسمى المنطقة العسكرية الأولى بعد اعتقالهم، وحجز جثثهم قبل أن يُسلموا جثثاً إلى المستشفيات.

وبحسب مصادر حقوقية التي كشفت عن خسائر ما وصفته بالهجوم “المنظم” الذي شنته مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، على مدينة سيئون وعدد من مديريات وادي حضرموت ومحافظة المهرة، سقوط ما يقارب 100 قتيل في المواجهات الأخيرة.

كما طالت الاعتقالات مئات المدنيين الذين جرى اقتيادهم من الشوارع والأسواق ومن نقاط التفتيش بسبب انتمائهم المناطقي، في انتهاكات صارخة وصفتها منظمات حقوقية بعمليات تطهير عرقي لا علاقة لها بالقانون ولا بالأعراف.

وفي سيئون تحديداً، وثق شهود عمليات نهب منظمة للمقرات الحكومية والممتلكات الخاصة بالتزامن مع دخول مليشيات الانتقالي وطارق عفاش، في وقت تحدث فيه سكان مناطق عدة عن سطو على المركبات والمحلات التجارية ومحاولات للاستيلاء على منازل مملوكة لمدنيين.

وانتقلت هذه الانتهاكات إلى الاعتداء على شخصيات اجتماعية جنوبية رفضت التواجد وتأييد هذه العمليات العسكرية، وتعرض بعض الناشطين للتهديد بالتصفية، في محاولة لإسكات أي صوت رافض وتحويل الجنوب إلى منطقة خاضعة بالقوة لحكم الميليشيات ،وتزامن هذا الانتشار مع إدخال مجموعات تابعة لطارق عفاش إلى مناطق متفرقة من المهرة وحضرموت، في خطوة بدت مكشوفة من حيث الهدف والدافع، خصوصاً أن الإمارات تعتمد على هذه الميليشيات كذراع عسكرية ثانية موازية للانتقالي، تستخدمها لضبط إيقاع المشهد وضمان عدم خروج القرار المسلح عن قبضتها.

ويصف مراقبون هذا التوزيع للقوى بأنه محاولة لصناعة “مليشيات دولة موازية” تتقاسم النفوذ وتتبع جميعها القيادة الإماراتية، بحيث لا يملك اليمنيون أي قدرة على فرض قرار وطني مستقل في المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرة الاحتلال السعودي الإماراتي.

توحيد الجبهة الوطنية لمواجهة مشروع احتلال

ان توقيت هذه التحركات لا ينفصل عن المشهد الإقليمي، إذ يرى محللون أن صعود العمل المقاوم اليمني ضد الكيان الصهيوني في البحر الأحمر وباب المندب دفع واشنطن وتل أبيب إلى البحث عن أوراق ضغط داخلية لإعادة تشكيل الجبهة الجنوبية وخلق إرباك يحد من قدرة صنعاء على مواصلة عمليات الردع ، ويبدو أن الإمارات تولت دور “المقاول” التنفيذي لهذه الخطة، محاولة تحويل الجنوب المحتل إلى قاعدة ضغط بديلة، عبر استخدام أدواتها المحلية لإشعال الفوضى وتأجيج الصراع الداخلي.

ولأن المشهد يرتبط بصورة مباشرة بمخطط احتلال جديد، فإن خطورته لا تقتصر على الانتهاكات أو السيطرة الميدانية، بل تتعدى ذلك إلى تهديد وجودي لوحدة اليمن وسيادته. فالمشروع الذي يجري تنفيذه في حضرموت والمهرة وعدن لن يقف عند هذا الحد وتكريس لحدود الانفصال المعلن الذي يتبناه الانتقالي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل المناطق الجنوبية والشرقية المحتلة ككيان تابع للإمارات وإسرائيل، تتحكمان بموارده وثرواته وموانئه وممراته البحرية، فيما يُترك أبناؤه رهائن لمليشيات تعمل بالوكالة ولا تؤمن بالانتماء للوطن والوحدة ولا بالنسيج الوطني.

إن التطورات الأخيرة تضع اليمن أمام مرحلة دقيقة، فالصمت على ما يجري يعني القبول بالاحتلال الجديد الذي يتخفى خلف شعارات سياسية زائفة بينما يعمل على تدمير ما تبقى من سيادة وطنية ، والوقائع الميدانية تؤكد أن الانتقالي وميليشيات طارق عفاش لم يعودا قوى محلية، بل أصبحا جزءاً من منظومة إقليمية ودولية تستهدف اليمن أرضاً وشعباً وهوية، وتعمل على تمزيق الجنوب واستخدامه منصة عدائية ضد مصالح اليمنيين ، ومع كل ذلك، فإن إرادة الشعب اليمني ومسار التحرر الذي تقوده صنعاء يشكلان السد الحقيقي في مواجهة هذا المشروع، وقد أثبتت التجارب أن اليمنيين قادرون على إفشال المخططات الخارجية مهما بدت معقدة ومتعددة الأطراف.

وما يجري في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة ليس سوى مرحلة من مراحل التهديد الخارجي ، والتي تتطلب توحيد الجبهة الوطنية وإسناد القوى الوطنية الرافضة للاحتلال، وتحويل الوعي الشعبي إلى قوة مواجهة قادرة على إفشال جميع محاولات فرض الوصاية والهيمنة الأجنبية.

المصدر

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: الجنوبیة والشرقیة المحتلة حضرموت والمهرة

إقرأ أيضاً:

الكشف عن تصديق الاحتلال على مصادرة 6 آلاف دونم لصالح مخطط استيطاني ببيت لحم

بيت لحم - صفا

أعلن معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" – القدس، يوم الخميس، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي صدّقت على الاستيلاء على 6 آلاف دونم، ضمن مخطط هيكلي استيطاني واسع النطاق للمنطقة الواقعة جنوب شرق مستوطنة تقوع المقامة على أراضي بلدة تقوع ببيت لحم.

وقال المعهد في بيان له، إن ما يسمى "المجلس الإقليمي لمستوطنات غوش عتصيون" جنوب الضفة الغربية، صدّق في 20 تموز/ يوليو الجاري، على مخطط هيكلي استيطاني يمتد على مساحة تقارب 6,000 دونم، ويجري الترويج له بالتعاون بين المجلس والمستوطنة، وحركة "أماناه" الاستيطانية.

وأشار إلى أن المخطط الاستيطاني الجديد يتضمن إنشاء وحدات استيطانية سكنية، ومرافق سياحية، ومناطق تشغيل، وأراضٍ زراعية، إضافة إلى مساحات مفتوحة وطرق في المنطقة التي تتوسط قريتي تقوع والمنية، والأراضي التي صُنفت كمحمية طبيعية شرق بيت لحم.

وأوضح المعهد أن سلطات الاحتلال تسعى لخلق امتداد جغرافي لمستوطنة تقوع باتجاه الجنوب من خلال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والبناء الاستيطاني فيها، ما يحد من الامتداد العمراني الفلسطيني بالمنطقة.

وأفاد بأن هذا الامتداد سيعمل على خلق تواصل جغرافي كبير بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية في المنطقة، مثل: معاليه عاموس، وأبي حناحال، وتقوع، ونيكوديم، والدافيد، لتشكل حزاماً استيطانياً تحت مظلة "المجلس الإقليمي لمستوطنات غوش عتصيون".

ولفت إلى أن رئيس المجلس الإقليمي أرون روزنتال نشر المخطط التوسعي للمستوطنة، واصفاً الخطة بأنها "خطوة استراتيجية تهدف لتعزيز تطوير الجزء الشرقي من غوش عتصيون وضمان مستقبل التجمعات اليهودية، والتخطيط لمستقبل الأجيال القادمة عبر مواصلة البناء وإيجاد تواصل استيطاني".

وأظهر تحليل المعهد للمخطط والصور المنشورة أن 28.2% من المنطقة المستهدفة (1640 دونماً من إجمالي 5,822 دونماً) تقع ضمن نطاق الأراضي التصنيفية كـ "أراضي حكومية" بموجب الأمر العسكري الإسرائيلي رقم 59 لعام 1967.

وأكد المعهد أن المخطط الجديد يكشف أن الاستيلاء على الأراضي لم يعد يقتصر على ما تدعيه سلطات الاحتلال "أراضٍ حكومية" أو "مناطق نفوذ مستوطنات"، بل يمتد ليشمل أراضٍ خارج هذه التصنيفات، لفرض واقع استيطاني جديد بغض النظر عن الذرائع والمسميات المستعملة لتبرير سياساتها التوسعية.

 

مقالات مشابهة

  • مشروع سجن التماسيح.. خطة إسرائيلية لتشديد القيود على أسرى النخبة
  • قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفذ عمليات نسف وإطلاق نار في جنوب لبنان
  • الخارجية الفلسطينية تدين المجزرة التي ارتكبها المستوطنون بالشراكة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي غرب نابلس
  • الموساد يكشف عن مخطط إيراني لاستهداف مسؤولين كبار داخل إسرائيل
  • المقاومة الفلسطينية تنفذ 24 عملية ضد العدو الصهيوني بينها عمليتا طعن
  • مسيرات جنوبية ترفض مخططات إخوانية لشق الصف وتتمسك بقيادة الانتقالي
  • مكتب نتنياهو: إحباط مخطط إيراني لاستهداف مسئولين كبار في إسرائيل
  • الكشف عن تصديق الاحتلال على مصادرة 6 آلاف دونم لصالح مخطط استيطاني ببيت لحم
  • السودان يعلن إحباط أكبر مخطط لتصنيع وتهريب المخدرات
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري