لجريدة عمان:
2026-07-24@06:20:56 GMT

الرحلة البرية إلى صلالة .. متعة مصحوبة بالحذر

تاريخ النشر: 12th, July 2025 GMT

يشهد طريق السلطان سعيد بن تيمور (نزوى - صلالة)، حركة مرورية نشطة خلال هذه الفترة، حيث يتوجه آلاف السياح من داخل سلطنة عُمان وخارجها إلى محافظة ظفار برًّا، للاستمتاع بأجواء الخريف، ودرجات الحرارة المعتدلة.

ونظرًا لطول الطريق وما يشهده من إصلاحات وكثافة مرورية، فإن الرحلة عبر هذا الطريق، تتطلب الكثير من الاستعداد وأخذ الاحتياطات اللازمة قبل البدء في الرحلة، وأثناءها، حتى الوصول إلى محافظة ظفار.

"عُمان" استطلعت آراء عدد من المهتمين بالرحلات البرية ومستخدمي الطريق، حول أبرز الاحتياطات التي يجب أن يستعد لها المسافر قبل رحلة التوجه إلى محافظة ظفار عبر طريق السلطان سعيد بن تيمور، وكيف يستثمر المسافر رحلته حتى يصل بسلام.

تجربة فريدة

في البداية قال محمد بن بدر البطاشي، هاوي طقس، إن التوجه إلى صلالة برًا عبر طريق السلطان سعيد بن تيمور يمثل تجربة ممتعة تتطلب الحذر والاستعداد، وقال: في الوقت الذي تشهد فيه محافظة ظفار توافد أعداد كبيرة من الزوار خلال موسم الخريف، تظل الرحلة البرية إلى صلالة تجربة فريدة وممتعة لعشّاق الطبيعة والمغامرات، إلا أنها تتطلب الاستعداد الجيد والحذر الشديد نظرًا لطبيعة الطريق الطويلة والمتغيرة.

وأوضح البطاشي أن الطريق المؤدي إلى صلالة طويل، إلا أنه مليء بالمفاجآت غير المتوقعة التي قد تعرّض المسافرين للخطر إذا لم يتم التجهيز الجيد لها، مشيرًا إلى أن احتياطات السلامة تبدأ من فحص المركبة، ونصح السائقين بضرورة فحص المركبة بشكل شامل قبل الانطلاق، بما يشمل الإطارات وضغط الهواء ومستوى الزيت والماء، وكفاءة الفرامل، والتأكد من عمل المسّاحات للزجاج الأمامي والإضاءة، والتأكد من وجود عدة الطوارئ في المركبة، مثل مثلث التحذير، والكشافات، وكابلات تشغيل البطارية، ولوازم الإسعافات الأولية.

وتحدث البطاشي عن القيادة الليلية وخطر الحيوانات السائبة، مؤكدًا أن القيادة ليلًا تشكل خطرًا حقيقيًا في بعض المناطق، خاصة الصحراوية التي تنتشر فيها الجِمال السائبة على الطرق السريعة دون إنارة كافية، ما يستوجب الحذر وتجنب القيادة في ساعات الليل المتأخرة قدر الإمكان.

ونبه البطاشي إلى خطورة الرمال والعواصف الترابية، موضحا إن الرمال والعواصف الترابية تُعد خطرًا صامتًا، موضحًا أن طريق السلطان سعيد بن تيمور يمر بعدة مناطق صحراوية، ما يجعله عرضة للعواصف الرملية المفاجئة والرمال المتحركة التي قد تعيق الرؤية وتسبب حوادث، كما أن درجات الحرارة المرتفعة في بعض أجزاء الطريق قد تؤثر على أداء المركبة أو تُسبب إجهادًا للسائقين.

وأكّد البطاشي أهمية متابعة النشرات الجوية بشكل دوري، خصوصًا أثناء الفترات التي تزداد فيها احتمالية الرياح والعواصف.

خيارات السفر

من جانبها، قالت آية بنت حمد السالمية، مختصة في الشأن الاجتماعي: يُعد طريق السلطان سعيد بن تيمور واحدًا من أشهر طرق السفر البرية في سلطنة عُمان، ويجذب الآلاف من الزوّار خلال موسم الخريف لمشاهدة الطبيعة الخلابة والأجواء الماطرة، وبينما يستعد المسافرون لقطع مئات الكيلومترات للوصول إلى هذه الجوهرة الخضراء، تبرز خيارات عديدة حول الأوقات التي يفضلها قائدو المركبات للسفر ليلًا أو نهارًا، موضحة أن لكل الأوقات ميزتها وعيوبها، وأن الترحال نهارًا له مزايا عديدة، منها الأمان والمناظر الطبيعية والرؤية التي تكون واضحة؛ فالسفر في ضوء النهار يوفر رؤية أوضح للطريق، ما يقلل من خطر الحوادث ويجعل القيادة أكثر أمانًا، خصوصًا في المناطق الجبلية والمنحدرات، كذلك الاستمتاع بالمناظر الطبيعية، حيث إن الطريق إلى صلالة معروف بجماله الطبيعي، خاصة عند الاقتراب من ظفار؛ وعليه فإن السفر نهارًا يتيح التمتع بهذه المناظر والتقاط الصور، كما أن من مميزاته سهولة التوقف في حال حدوث أي طارئ أو الحاجة للراحة، حيث يسهل التوقف في محطات الوقود أو الاستراحات المفتوحة خلال النهار.

وأوضحت أن السفر نهارًا يوفر الأمان من الحيوانات البرية، حيث تقل حركة الجِمال أو الحيوانات البرية على الطريق خلال النهار، مما يقلل من احتمالات الاصطدام بها.

وأشارت إلى أن من عيوب الترحال نهارًا الحرارة المرتفعة في أشهر الصيف، فقد تكون القيادة نهارًا مرهقة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، خصوصًا في المناطق الصحراوية، وقد يكون هناك ازدحام مروري في النهار، خاصة خلال مواسم الإجازات، أما عن الترحال ليلًا، فمن مزاياه الهدوء والانخفاض النسبي في درجات الحرارة في الليل، ما يجعل القيادة أقل إرهاقًا، كما يمنح السفر ليلًا سلاسة في الطريق ويقلل من احتمالات الزحام، كذلك الانطلاق ليلًا يتيح الوصول إلى صلالة صباحًا، ما يمنح المسافر يومًا كاملًا للاستكشاف.

واستدركت قائلة: إن من عيوب الترحال ليلًا أن القيادة الليلية تتطلب تركيزًا أعلى بسبب ضعف الإضاءة، ما يزيد احتمالية الحوادث، خاصة في المناطق الوعرة أو غير المضاءة، وهناك خطر الاصطدام بالجِمال وغيرها من الحيوانات التي قد تظهر على الطريق ليلًا بشكل مفاجئ، مما يشكل خطرًا كبيرًا، كما إن من العيوب أيضًا أن السفر ليلًا قد يكون مرهقًا، خاصةً إذا لم يكن السائق قد حصل على قسطٍ كافٍ من الراحة.

وأشارت إلى عدد من الجوانب التي يجب أن تتوافر في الطريق المؤدي إلى محافظة ظفار، وقالت: إن دورات المياه في محطات الوقود أو التوقف في الطريق غير نظيفة أو محدودة، حيث يشكو الكثيرون من سوء النظافة أو قلة عدد دورات المياه، خصوصًا في المحطات الصغيرة، بالإضافة إلى ضعف خيارات الطعام، حيث إن معظم المحطات تعتمد على الوجبات السريعة أو البقالة المحدودة، دون تنوع أو وجود أطعمة طازجة وصحية، كذلك قلة الاستراحات المظللة أو المريحة، إذ لا تتوفر أماكن مناسبة للجلوس أو أخذ قسط من الراحة، خاصة للعائلات أو كبار السن، كما أن مرافق الصلاة غير مجهزة جيدًا، فقد تكون صغيرة، وغير مكيفة، أو تفتقر للنظافة والخصوصية، وأيضًا انعدام خدمات الطوارئ البسيطة، مثل غياب المراكز المخصصة لصيانة المركبات.

رحلات جماعية

من جانبه، قال ناصر بن محمد بن سيف الجابري: الرحلة عن طريق البر إلى محافظة ظفار شاقة، ومن الضروري أن يكون قائد المركبة والمسافرون على استعداد تام، حيث يقضي المسافر ساعات طويلة من القيادة، وأنصح أن تكون الرحلة جماعية بحيث تترافق عدد من المركبات في رحلة متزامنة مع بعضهم البعض، لكي يكون الجميع متابعين لبعضهم البعض، ويوفرون الدعم لمن يُصاب بالإرهاق أو التعب أو يتعرض لأي حالة عرضية.

وأضاف الجابري: إن الرحلات الجماعية لها العديد من الفوائد، من بينها المساعدة إذا ما تعرّضت أي مركبة لأي عطل، حيث يقوم البقية بمساعدته وتقديم العون له.

وأكّد أهمية الدراية التامة بالمسافات، ومتى يجب أن يقوم قائد المركبة بتزويد مركبته بالوقود، خاصة وأن محطات التعبئة متباعدة، ومن الضروري أن يستغل المسافر كل المحطات للتأكد من توفر الوقود، ويستغل توقفه بفحص المركبة والإطارات بشكل دائم، للتأكد من صلاحيتها وعدم تعرضه لأي عطل وهو في الطريق بعيدًا عن المحطات والخدمات.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: طریق السلطان سعید بن تیمور إلى محافظة ظفار إلى صلالة فی الطریق نهار ا خصوص ا

إقرأ أيضاً:

هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو

لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.

ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.

بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.

الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة

وفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.

ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.

إعلان

وفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.

ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.

ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.

لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.

وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.

ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.

وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.

وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:

سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلان

فقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.

ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.

غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.

وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.

الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطية

ليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.

وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".

ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.

وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.

ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.

الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا

تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.

ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".

ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".

وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.

الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقية

نالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.

إعلان

وتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.

وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).

ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.

وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.

وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.

إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر

في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.

غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.

وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.

مقالات مشابهة

  • خالد الغندور: الزمالك سدد مستحقاته والرخصة الإفريقية في الطريق
  • وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق يروي تفاصيل الساعات الأخيرة قبل إعدام سيد قطب
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • جمال حمزة: مدرب الزمالك الجديد في ورطة.. والضغوطات أثرت على زيزو
  • قافلة فلسطين البرية.. مسار لم يُجرَّب من قبل ونهاية معلقة عند الحدود
  • من فرنسا إلى أستراليا بلا توقف.. إيرباص تختبر أطول رحلة عالميا
  • مساران حيويان لربط الرياض بالباحة لتعزيز السياحة
  • كيف تؤثر مكيفات الهواء على أعضاء الجسم
  • بسبب الحرائق.. غلق الطريق الرابط بين بلديتي سيدي بوبكر و اولاد خالد في سعيدة
  • الطريق لمونديال البرازيل.. كل ما تريد معرفته عن كأس أفريقيا للسيدات المغرب 2026