وكالة صينية: الانقسام والصراع يحولان طرابلس إلى مدينة خوف بلا أمن
تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT
تقرير صيني: طرابلس تعيش انعدام الأمن بعد 14 عامًا من أحداث 2011
ليبيا – تناول تقرير إخباري نشرته وكالة أنباء “شينخوا” الصينية استمرار معاناة العاصمة طرابلس من حالة انعدام الأمن، رغم مرور 14 عامًا على أحداث عام 2011.
فشل التدخل العسكري وتداعياته
وأوضح التقرير، الذي تابعت صحيفة المرصد وترجمت أبرز مضامينه الخبرية، أن التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي، الذي أدى إلى الإطاحة الدموية بالعقيد الراحل معمر القذافي، فشل في تحقيق السلام أو الازدهار، وجلب بدلًا من ذلك فترة طويلة من الانقسام السياسي وانعدام الأمن.
مشاهد الخوف في العاصمة
ووفقًا للتقرير، تحلّق الطائرات المسيّرة في الأجواء، وتدوّي نيران الأسلحة والمدفعية، لتتحول طرابلس إلى مساحة خوف أصبحت جزءًا من نسيجها العمراني، حيث تظهر آثار الرصاص على الجدران، والمباني المنهارة، ويترافق ذلك مع صرخات الأطفال المفاجئة عند كل انفجار.
شلل اقتصادي وخدمات منهارة
وأشار التقرير إلى أن الخلافات السياسية المستمرة فاقمت الفراغ الأمني وأدت إلى شلل اقتصادي، بينما أسهمت التدخلات العسكرية الأجنبية في إطالة أمد الصراع، ما زاد من معاناة المواطنين في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتكاثر الميليشيات المسلحة، وتأثر خدمات المياه والكهرباء، ونقص الإمدادات الطبية في المستشفيات.
معاناة الأسر وارتفاع الأسعار
وتابع التقرير أن إغلاق المدارس أصبح أمرًا معتادًا، بالتزامن مع ارتفاع جنوني للأسعار، وتراجع قيمة العملة، وتأخر صرف المرتبات. ونقل التقرير معاناة المواطن مصطفى المصري، البالغ من العمر 46 عامًا وأب لثلاثة أطفال، ويقيم في منزل يبعد نحو 10 كيلومترات عن وسط العاصمة.
حقيبة الهروب الدائم
وأوضح التقرير أن المصري بدا أكبر من عمره بفعل الإرهاق، مشيرًا إلى حقيبة صغيرة قرب باب منزله تحتوي على ملابس وأوراق رسمية وبعض النقود، قائلاً: «إنها جاهزة دائمًا، فإذا وقع هجوم أو انفجار قنبلة يجب أن نهرب، ولكن إلى أين؟ طرابلس بأكملها غير آمنة».
أطفال يعيشون على وقع الخوف
وأشار التقرير إلى أن المصري يراقب الشارع بحذر، بينما يجلس أبناؤه إلياس (15 عامًا) وعبد الله (13 عامًا) ومحمد (12 عامًا) في حالة قلق دائم، موضحًا أن دوي المدفعية يوقظهم فورًا، وأن مستواهم الدراسي تراجع، وأن الخوف أصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
حالات اختطاف وانتهاكات
كما استعرض التقرير شهادة أحمد قرين (26 عامًا) من حي عين زارة، الذي تعرّض للاختطاف في 27 أغسطس الماضي قرب نقطة تفتيش، حيث أشار التقرير إلى آثار كدمات على وجهه، موضحًا أنه تعرض للتعذيب بعد اتهامه بالانتماء إلى اللواء 444، قبل الإفراج عنه لاحقًا دون توجيه أي تهمة.
مدينة تعيش من أجل البقاء
وبيّن التقرير أن معظم العائلات في طرابلس تعيش إما بحقيبة جاهزة للهروب أو بآثار جسدية ونفسية للاختطاف، في صورة لمدينة استُبدلت فيها الحياة اليومية بصراع دائم من أجل البقاء.
رؤية سياسية للأزمة
ونقل التقرير عن رئيس حزب التجمع الوطني والمرشح الرئاسي أسعد زهيو قوله إن معاناة الليبيين مرتبطة بشكل مباشر بالجمود السياسي والتدخلات الخارجية الفاشلة، مشيرًا إلى أن الاعتماد على النفط، والفساد، والانقسام السياسي أسهمت في الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي وانتشار الميليشيات المسلحة.
الدعوة إلى الحل
وأكد زهيو أن المواطنين هم الضحايا الأكبر، داعيًا إلى توحيد المؤسسات السيادية والأمنية، وتشكيل حكومة فعالة تشرف على انتخابات حرة ونزيهة، وتطبيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة الفاسدين، إلى جانب دور فاعل للمجتمع المدني ودعم دولي محايد.
تطلع الليبيين إلى دولة تحمي الكرامة وتستعيد الاستقرار
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن زهيو والمصري وقرين يشتركون في تطلعهم إلى دولة تُصان فيها العدالة، وتُحفظ الكرامة، ويُستعاد فيها الاستقرار، بعد سنوات طويلة من الصراع وانعدام الأمن.
ترجمة المرصد – خاص
المصدر
المصدر: صحيفة المرصد الليبية
كلمات دلالية: إلى أن
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026