ليبيا بمعادلة شرق المتوسط: أثر الاتفاقية البحرية التركية الليبية على موازين القوة والسيادة
تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT
تُعدّ مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا في عام 2019 إحدى أهم الوثائق القانونية التي أثرت في مسار النزاع الجيوسياسي في شرق المتوسط، لأنها لم تعد مجرد اتفاق لترسيم الحدود البحرية، بل أصبحت اختبارا مباشرا لقدرة الدولة الليبية -رغم انقسام مؤسساتها- على ممارسة قرارها السيادي وحماية مصالحها الحيوية في منطقة تتنافس فيها الإرادات الإقليمية على الطاقة والنفوذ.
من الزاوية القانونية الصرفة، تستند المذكرة إلى قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإلى السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية ومحكمة البحار، والتي تُرسخ قاعدة أن مبدأ الخط الأوسط هو الأساس العادل لترسيم المناطق البحرية بين الدول المتقابلة، وأن الجزر لا تمنح حقوقا بحرية كاملة إذا أدى ذلك إلى إلحاق ضرر فادح بدولة ساحلية مقابلة أو إلى تهميش امتدادها الطبيعي. تبقى الحقيقة الأساسية أن مذكرة 2019 أعادت ليبيا إلى قلب الجغرافيا السياسية للمتوسط. فقد منحتها امتدادا بحريا يتفق مع موقعها الطبيعي، وحررتها من مبدأ "العزل البحري" الذي كان يُمارس بحقهاوقد التزمت المذكرة بهذه المرجعية عندما اعتمدت خطا وسطيا يمنح ليبيا امتدادا بحريا مشروعا شرقا، ويحول دون حرمانها من مجالها الطبيعي لصالح خرائط كانت اليونان ومصر تعملان على تثبيتها دوليا.
ومع دخول ليبيا في الممر البحري الذي أنشأته الاتفاقية، أصبحت جزءا من معادلة الغاز في شرق المتوسط. ففي ظل مشروع خط الغاز "إيست ميد" الذي كان يُخطط لربط دول المنطقة بأوروبا مع تجاوز ليبيا بالكامل، مثّل الاتفاق تحولا هيكليا، إذ لم يعد بالإمكان استبعاد ليبيا من أي ترتيبات بحرية أو اقتصادية تخص شرق المتوسط. وهذا يمثل لأول مرة منذ 2011 نقطة القوة الاستراتيجية التي عادت بها ليبيا إلى طاولة التفاوض الكبرى.
غير أن هذا المكسب الخارجي اصطدم بفجوة الشرعية الداخلية الناجمة عن عدم مصادقة مجلس النواب على الاتفاقية، ما جعلها في وضع فريد: نافذة دوليا ومعلّقة داخليا. وقد أتاح هذا الوضع للقوى السياسية توظيف الاتفاقية في صراعاتها الداخلية، إذ أصبح كل طرف يعيد تأويلها وفق مصلحته، رغم أن القاعدة الدستورية واضحة في أن البرلمان هو الجهة المختصة بالتصديق. غير أن الانقسام المؤسسي جعل هذا الاختصاص غير قابل للممارسة، وخلق فراغا استغلته أطراف إقليمية.
هذا الفراغ بالتحديد هو ما حاولت اليونان استثماره. فالاعتراض اليوناني ليس اعتراضا قانونيا، بل اعتراض استراتيجي؛ إذ ترى أثينا أن الاتفاقية تُضعف امتدادها البحري المستند إلى الجزر، وتهدد مشاريعها المرتبطة بخطوط الغاز، وتعزز نفوذ تركيا الذي تعتبره تحديا استراتيجيا تاريخيا. لذلك سعت اليونان إلى الضغط لإسقاط الاتفاقية أو تجميدها عبر بوابة الانقسام الليبي، باعتبار أن ذلك يخدم مصالحها الحيوية في المتوسط.
قوة الوثيقة وحدها لا تكفي؛ فالمعيار الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على تحويل الاتفاقية إلى سياسة بحرية وطنية مستقرة، عبر توحيد المؤسسات، وصياغة رؤية واضحة للترسيم، وإيداع خرائط دقيقة لدى الأمم المتحدة
وفي هذا الإطار جاء موقف رئيس مجلس النواب الليبي الذي حافظ على مسافة تفاوضية دقيقة: لم يصادق ولم يُلغِ. فقد أكد أن الاتفاقية غير نافذة داخليا لعدم المصادقة، لكنه امتنع عن إلغائها، وهو ما يعكس رغبة في إبقاء المذكرة ورقة ضغط سياسية تتيح لليبيا التحرك بين أنقرة وأثينا دون اصطفاف نهائي. غير أن هذا التكتيك -رغم منطقه السياسي-يحمل مخاطره؛ فترك الحقوق البحرية دون تثبيت رسمي قد يسمح لدول أخرى بإيداع خرائط منافسة، ويُضعف من موقف ليبيا حين يبدأ الترسيم الدولي الشامل للمتوسط.
وعلى الرغم من الجدل، تبقى الحقيقة الأساسية أن مذكرة 2019 أعادت ليبيا إلى قلب الجغرافيا السياسية للمتوسط. فقد منحتها امتدادا بحريا يتفق مع موقعها الطبيعي، وحررتها من مبدأ "العزل البحري" الذي كان يُمارس بحقها، وأعطتها دورا لا يمكن تجاوزه. لكن قوة الوثيقة وحدها لا تكفي؛ فالمعيار الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على تحويل الاتفاقية إلى سياسة بحرية وطنية مستقرة، عبر توحيد المؤسسات، وصياغة رؤية واضحة للترسيم، وإيداع خرائط دقيقة لدى الأمم المتحدة، وتفعيل شراكات إقليمية متوازنة.
وعليه، فإن مستقبل السيادة البحرية لليبيا مرهون بإرادة الدولة لا بنص الاتفاق. فالسؤال اليوم ليس: هل ستستمر مذكرة 2019؟ بل: هل ستبني ليبيا القدرة المؤسسية التي تجعل من البحر جزءا من أمنها القومي لا مسرحا لصراعات الداخل؟ هذا السؤال وحده هو ما سيحدد شكل الحدود وشكل الدولة معا خلال العقد القادم.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء ليبيا شرق المتوسط الاتفاقية اليونان تركيا ليبيا تركيا اليونان اتفاقية شرق المتوسط قضايا وآراء قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة رياضة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة شرق المتوسط
إقرأ أيضاً:
انطلاق منتدى “أسواق رأس المال الإسلامية التركية-الماليزية” في إسطنبول
تركيا – أنطلق في مدينة إسطنبول، الثلاثاء، “منتدى أسواق رأس المال الإسلامية التركية-الماليزية” بمشاركة مسؤولين وشخصيات أكاديمية من البلدين.المنتدى تنظمه جامعة ابن خلدون التركية بالتعاون مع مكتب الاستثمار والتمويل التابع للرئاسة التركية وهيئة أسواق المال التركية وهيئة الأوراق المالية الماليزية.
وفي كلمة له خلال الافتتاح، قال بلال أردوغان، نائب رئيس مجلس أمناء جامعة ابن خلدون، إن العلاقات بين تركيا وماليزيا تستند إلى جذور تاريخية عميقة تتجاوز أرقام التجارة والاستثمار.
وأكد أن الثقة تمثل الركيزة الأساسية للشراكات الاقتصادية المستدامة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن ماليزيا تمتلك خبرة عميقة في التمويل الإسلامي وأسواق رأس المال الإسلامية، وأن تركيا توفر بالمقابل، مزايا الحجم الاقتصادي والربط الإقليمي والوصول إلى أسواق واسعة، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة بين البلدين في هذا المجال.
وأوضح أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ نحو 5 مليارات دولار، فيما يستهدف الجانبان رفعه إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة، لافتا إلى أن أسواق رأس المال الإسلامية تمثل أحد أكثر مجالات التعاون الواعدة.
وأضاف أن ماليزيا أصبحت من أبرز المراكز العالمية في التمويل الإسلامي بفضل خبرتها في أسواق الصكوك والأدوات الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة.
ولفت إلى أن تركيا تتمتع بالمقابل باقتصاد يتجاوز حجمه 1.6 تريليون دولار وموقع استراتيجي يربط بين أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا والعالم التركي.
ودعا بلال أردوغان إلى تعزيز مشاركة المستثمرين والمؤسسات المالية الماليزية في منظومة التمويل التشاركي في تركيا، وتطوير التعاون في الصكوك العابرة للحدود ومنصات التمويل المبتكرة.
كما شدد على أهمية التعاون الأكاديمي في دعم مستقبل التمويل الإسلامي، مؤكدا أن تطوير هذا القطاع يتطلب مساهمة الباحثين والمنظمين ورواد الأعمال والمستثمرين إلى جانب رؤوس الأموال.
وأشار إلى أن التمويل الإسلامي قادر على المساهمة في مواجهة تحديات عالمية مثل التكيف مع التغير المناخي وتمويل البنية التحتية المستدامة والأمن الغذائي وإدارة المياه.
وشدد على أن تركيا وماليزيا تملكان فرصة لإبراز دور التمويل الإسلامي في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.
واختتم أردوغان بالتعبير عن أمله في أن تسفر فعاليات المنتدى، الذي يستمر يومين، عن مبادرات ملموسة وعلاقات مؤسسية أقوى وتعاون مستدام بين الجانبين.
الأناضول