نملة الشارقة.. اكتشاف مثير عابر للحدود الإماراتية
تاريخ النشر: 27th, November 2025 GMT
تحت رمال وادي شيص الواقع في جبال الحجر بإمارة الشارقة الإماراتية، كان الفريق العلمي بمركز الذيد للحياة الفطرية، التابع لهيئة البيئة والمحميات الطبيعية، على موعد مع اكتشاف مثير، ليس فقط لأنه يتعلق بأول نوع من جنس النمل "كاريبارا" يتم تسجيله في بيئة الإمارات، بل لأن هذا الاكتشاف، الذي تم توثيقه في دورية "جورنال أوف ناتشورال هيستوري"، تتجاوز قيمته العلمية حدود موطنه الصحراوي.
ويتميز جنس النمل "كاريبارا" بأفراده بالغة الصغر، ومستعمراته التي تعيش في الطبقات السفلية من التربة أو المخابئ الدقيقة، حيث تؤدي دورا مهما في تفكيك المواد العضوية وتدوير المغذيات. ويشتهر هذا الجنس كذلك بالتباين الواضح بين أفراد الشغالات، إذ تجمع مستعمراته بين شغالات صغيرة الحجم وأخرى أكبر تُعرف بـ"الجنود" مما يجعله نموذجا مهما لدراسة التكيفات التطورية والتنظيم الاجتماعي في عالم الحشرات.
وينتشر هذا الجنس في مناطق واسعة حول العالم، خاصة البيئات الاستوائية وشبه الاستوائية، لكنه لا يزال يخفي العديد من الأنواع غير المكتشفة في البيئات الصحراوية، وهنا تتجلى قيمة الاكتشاف الجديد الذي قاده الدكتور مصطفى شرف عالم النمل بمركز الذيد للحياة الفطرية.
وينتمي النوع الذي اكتشفه شرف إلى فئة "الجنود" وقد تم جمع جندي واحد فقط منه أُطلق عليه اسم "كاريبارا شارقاهينسِس" تكريما لإمارة الشارقة، ولذلك يعد الاكتشاف إضافة مهمة إلى قائمة النمل من هذا الجنس في شبه الجزيرة العربية، وهو ما يمنحه قيمة علمية تتجاوز حدود بيئته في الإمارات.
وأصبح "كاريبارا شارقاهينسِس" ثالث نوع من جنس كاريبارا يتم تسجيله في شبه الجزيرة العربية بعد "كاريبارا أرابيكا" الذي اكتُشف باليمن وجنوب غرب السعودية، وكذلك "كاريبارا فيروزاي" الذي اكتُشف وسط وشرق المملكة.
ولا تتوقف الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف عند مجرد إضافة نوع جديد في الإقليم، بل تظهر أيضا في المواصفات المورفولوجية الفريدة لهذا النوع، والتي تتيح إجراء مقارنات مع نظائره في مناطق أخرى.
إعلانفبحسب الدراسة التي وثّقت الاكتشاف، فإن الجندي الذي جرى العثور عليه يشبه إلى حد كبير نوع "كاريبارا خاميينسِس" المسجل في زيمبابوي، من حيث لون الجسم وضعف البروزات الهيكلية في منطقة الصدر، إضافة إلى شكل الرأس المزود ببروزات خلفية جانبية وحافة خلفية مقعرة بوضوح.
ولكن النوع الإماراتي الجديد يتميز -وفق للدراسة- بعدة صفات تفصله عن غيره، أبرزها وجود قرون خلفية جانبية متطورة ومغطاة بشعيرات دقيقة، وحافة أمامية مستقيمة للشفرة العلوية للفم، وغياب الزائدة السفلية في حلقة البطن الأولى، إلى جانب تضاريس أمامية للرأس أقل تطورا مقارنة بالأنواع الأخرى.
قطع مفقودة في فسيفساء شجرة الحياةوإذا كانت الدراسة قد ركزت على الوصف المورفولوجي (الشكلي والبنيوي للكائن الحي) فإن القيمة العلمية العابرة للحدود تتجلى أيضا -وفق ما يؤكده الدكتور عمرو عبد السميع أستاذ علم الحشرات بجامعة القاهرة- في أن نملة "كاريبارا الشارقة" توسع حدود تصنيف جنس ذي انتشار عالمي، مما يمنح علماء التصنيف والأنثروبولوجيا البيئية مادة جديدة للتحقق من الروابط النشوئية والاختلافات الوراثية الممكنة.
ويقول عبد السميع للجزيرة نت "الأنواع الجديدة تعمل كقطع مفقودة في فسيفساء شجرة الحياة، فكل نوع مسجل يتيح اختبار فرضيات حول تباين الصفات الشكلية، وإستراتيجيات التغذية، والانتشار الجغرافي. وبالنسبة للأنواع التي تعيش في طبقات التربة أو المخابئ الدقيقة، فإن اكتشافها يؤكد أن التنوع الحيوي كثيرا ما يظل مستترا مما يستدعي أساليب جمع ودراسة أكثر دقة وحساسية".
ويشير أستاذ علم الحشرات إلى أن القيمة العلمية تشمل أيضا البعد البيئي والتطوري لهذا الاكتشاف، خصوصا أنه جاء من نظام إيكولوجي صحراوي شديد الهشاشة.
ويوضح أن "تكيفات الحشرات الصغيرة، مثل السلوك تحت السطحي، والتحمل الحراري، والاعتماد على موارد عضوية محدودة، تعكس تاريخا تطوريا طويلا استجابت فيه لضغوط مناخية محلية، ووجود كاريبارا الشارقة في مثل هذه البيئات يشير إلى وجود شبكات تغذية دقيقة تسهم في تفكيك المواد العضوية، وتدوير المغذيات، والحفاظ على بنى التربة الدقيقة، كما أن وجوده في نطاق جغرافي ضيق قد يجعل النوع عرضة سريعا للتأثر بتغيرات بيئية أو تدخلات بشرية، مما يجعل تسجيله خطوة أساسية نحو تقييم حالة الحفظ".
شهادة جديدة في سجل البحث الميدانيولا تقف القيمة العلمية العابرة للحدود عند الوصف والتصنيف، بل تمتد لتؤكد الدور الحاسم للبحث الميداني والدراسات البيئية المصممة بعناية.
ويقول عبد السميع "المسوحات المتكررة، وتقنيات غربلة التربة، وفحص المخابئ التحتية، إلى جانب أدوات ترقيم العينات والحفظ الميداني الدقيق، تكشف عن أنواع لا تظهر في المسوحات السطحية العادية، وهذا يثبت أن ثروة من التنوع قد تختبئ في أماكن يظنها البعض فقيرة حيويا، لذلك فإن الرسالة المهمة من الاكتشاف هي أن الاستثمار في العمل الحقلي ذو مردود معرفي وعملي كبير".
ويتابع أستاذ علم الحشرات موضحا أن الاكتشافات الجديدة ترتبط مباشرة بجهود الحفظ وصياغة السياسات المعتمدة على الأدلة. ويضيف: وصف النوع الجديد ينبغي أن يترجم سريعا إلى خرائط توزيع، وتقييمات للخطر، وتوصيات لحماية مواطن حيوية. فالسياسات البيئية الفعالة تحتاج إلى بيانات دقيقة حول انتشار الأنواع ووظائفها الإيكولوجية، حتى يمكن تقييم الأثر البيئي للمشروعات العمرانية أو الزراعية، وتحديد المناطق التي تستحق حماية خاصة أو تعديلًا في إدارة أراضيها".
إعلانويختتم عبد السميع حديثه قائلاً "هذا الاكتشاف يشكل دعوة قوية للاستثمار المستمر في العلوم الأساسية، من مختبرات وطنية مجهزة، وبنوك حيوية مرجعية، وبرامج تمويل طويلة المدى للبحوث الحقلية والتصنيفية، ودعم الباحثين، وتوفير التدريب المنهجي بما يعزز القدرة المحلية على رصد التنوع وحمايته".
ويضيف "المعرفة العلمية تصبح ذات قيمة حقيقية عندما تتحول إلى سياسات حفظ فعالة، فحماية موائل صغيرة قد تبدو هامشية اليوم، وقد تصون تنوعا تطوريا مهما غدا، لذلك يجب أن نرصد ونوثق ونحمي بمنهج علمي رصين ورؤية وطنية مستقرة ما تبقى من حلقات حية في نسيج الطبيعة".
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات هذا الاکتشاف عبد السمیع
إقرأ أيضاً:
«حديث الأجيال».. قراءة في تطور اللهجة الإماراتية
العين (الاتحاد)
احتضن قصر المويجعي، ضمن فعاليات مهرجان العين للكتاب 2025 الذي ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية، جلسة ثقافية بعنوان «حديث الأجيال»، سلّطت الضوء على كتاب «مَحلاها رمستنا»، أحدث إصدارات الباحثة والكاتبة الإماراتية لمياء راشد الشامسي.
وتوقّفت الشامسي، خلال الجلسة التي أدارها عبد الرحمن اليعربي، عند مسيرتها البحثية التي استمرت سنوات في هذا المجال. وعرّفت الحضور على تجربتها الغنية والممتدة عبر جماليات اللهجة الإماراتية، فقد قدمت نفسها بوصفها باحثة بدأت في الشارقة، المدينة التي شكلت وعيها الثقافي، حيث درست التاريخ، ما منحها قدرة فريدة على قراءة الإنسان والمجتمع من خلال لغته ولهجته.
وأوضحت الشامسي أن دراستها الأكاديمية جعلتها تدرك مبكراً أن اللغة، خصوصاً اللهجة المحكية، ليست مجرد وسيلة للتواصل اليومي، بل مرآة دقيقة لطبيعة المجتمع، وقيمه، وتطوره، وذاكرته المشتركة، وهذا الوعي دفعها إلى تعميق اهتمامها بالتراث اللغوي، قبل أن تكرس سبعة أعوام من حياتها للعمل في سلك التعليم، حيث لاحظت عن قرب التغيرات اللغوية بين الأجيال، وما يرافقها من اندثار كلمات وظهور أخرى جديدة.
وتحدثت الشامسي عن نقطة التحول في مسيرتها، حين بدأت في العام 2014 مشروعاً بسيطاً لجمع المفردات الإماراتية وتوثيقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وروت للحضور كيف انطلقت بهدوء مدفوعة بشغف الباحث الذي يسمع للكلمة نبضها، ويمنحها قيمة تتجاوز حدود الاستخدام اليومي. ومع الوقت، بدأ المشروع ينمو، ويتفاعل معه المتابعون، لتتحول تلك المبادرة الشخصية الصغيرة إلى منصة تعليمية وتثقيفية واسعة الانتشار، يقصدها الآلاف من الراغبين في تعلم اللهجة الإماراتية أو استعادة علاقتهم بلغتهم اليومية الجميلة.
وبفضل دعم أسرتها ومجتمع المتابعين، أصبحت الشامسي مرجعاً لغوياً معاصراً، وحارسة للهجة الإماراتية في فضاء رقمي سريع الإيقاع، تسعى من خلاله إلى حماية التراث الشفهي من النسيان، وبث الحياة في الكلمات القديمة عبر محتوى مبسط وقريب من الناس.
وشدّدت الشامسي على أن اللهجة هي أول أشكال الانتماء، مؤكدة أن التنوع اللغوي بين مناطق دولة الإمارات يمثل ثراء ثقافياً يجب الاحتفاء به.
وأضافت أن عملها في الكتاب «محلاها رمستنا» جاء لتعريف القراء على اختلاف اللهجات الإماراتية من منطقة إلى أخرى، وإبراز جمال هذا التنوع، وشد الانتباه إلى المفردات التي بدأت تتراجع أمام زخم التطور الحضاري وسرعة التحولات الاجتماعية.
وأشارت الشامسي إلى أن مشاركتها في مهرجان العين للكتاب هذا العام هي الأولى، معبرة عن سعادتها بوجودها في قصر المويجعي، المكان الذي يمثل ذاكرة دولة الإمارات وحضورها التاريخي.
وأكدت أن إطلاق الكتاب في هذا الموقع العريق يضيف قيمة مضاعفة لعمل يهدف إلى حفظ الهوية اللغوية، وتعزيز الانتماء الوطني.