الحب خسارات كبيرة وغير مقصودة
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
الخميس، 9 مايو 1991، سان دييغو، كاليفورنيا
(1)
اليوم، أتقدم بإصرار أكبر وحسم نهائي إلى القرار الذي كنت قد تردَّدت في اتخاذه: ضرورة إجراء الصَّدمة الكهربائيَّة.
لم تعد العقاقير المضادة للاكتئاب تفعل شيئًا (بل إن العكس هو الصحيح؛ فقد صار من المعروف «إكلينكيًّا» أن تناول أقراص الـWellbutrin لفترة طويلة يمكن أن يحرِّض الأفكار الانتحاريَّة ويحضَّ عليها عوضًا عن لجمها).
فليكن، ولتذهب الكهرباء إن شاءت بهذه الذَّاكرة إلى الجحيم.
(2)
يا له من حدث هائل يستحق التَّدوين، والذِّكر، والإشادة، وينبغي أن تقام له المآدب، وترقص الغواني، وتخفق الرَّايات؛ ففي هذا اليوم المجيد الذي من أعمال ربِّنا الذي في السماوات، وبعد أكثر من سنتين من التَّوسلات، والتَّسويفات، والتَّذكيرات، حصلت أعجوبة كونيَّة لا تحدث إلا مرة واحدة في كل عشرة قرون على الأقل؛ فقد وفى زاهر الغافري أخيرًا بوعده وأرسل «خطبة البيان» لعلي بن أبي طالب. ليس هذا فحسب، بل بمعجزة كونيَّة خارقة أخرى -وللرَّب المجد والخلود في الأعالي- أرفق زاهر أيضًا دراسة عن شعريَّة التَّصوف في حالة الحلَّاج التي، والحق يقال، وعد بها منذ ستة أشهر فقط؛ وبالتالي لا لوم، ولا تأخير، ولا تثريب، بل إشادة بالتَّبكير.
أما أحمد راشد ثاني، طبعًا وبالتأكيد، فقد وعد بإرسال «الخطبة» نفسها منذ أكثر من سنتين أيضًا. ويُفتَرَضُ أنني ما أزال أريق ماء توقي رجاء وانتظارًا لولا شهامة ونخوة زاهر، طبعًا، وحرارة حميَّته.
لديَّ إفادات دقيقة ومحدَّدة بأن السَّيدين المُبَجَّلين أنطونين آرتو وآرثر رامبو، اللذين لا يستطيع الصَّديقان العزيزان زاهر وأحمد الادعاء بأنهما أكثر تشتُّتًا وجوديًّا، واغترابيًّا، وعدميًّا، وعبثيًّا، وأبستميولوجيًّا، وأنطولوجيًّا، وميتافيزيقيًّا، إلخ، منهما، كانا -أي آرتو ورامبو- أكثر حرصًا على الوعود المتعلِّقة بالأدبيَّات مع من تربطهم بهما صداقة الكلمة.
إنني سعيد للغاية لحصولي أخيرًا على «خطبة البيان» بعد أن أخفقت كل جهودي للحصول عليها من مصادر أخرى إلى الحد الذي يجعلني أصرخ: ذلك غير معقول، غير معقول أبدًا!
الثلاثاء، 14 مايو 1991، سان دييغو، كاليفورنيا
(1)
حصلت على دقائق قليلة من واجبات الجامعة البليدة ليس لكتابة هذه السُّطور فحسب، ولكن لتصفُّح الصَّفحات السَّابقة من هذا الكرَّاسات أيضًا. وقد اكتشفت تناقضات أنا وحدي من يستطيع إثبات تماسكها وتناغمها (consistency).
وعلى الرَّغم من أني كنت قد قدَّمت في شيء من مساقات التَّخصص ورقة بحثيَّة لأحد أساتذتي اتخذت فيها موقفًا داحضًا للمزاعم بتناقض سقراط في حواره «The Crito»، فإنني أدرك تمامًا استحالة الاتِّساق المطْلق.
(2)
كلما رآني البحر من زرقة الاندحار، من مجز الصُّغرى إلى سان دييغو: صخرة ثقيلة أقُدُّها من سلاسل هذا الهواء الصلب، أربط بها ساقي، أتمهَّد، وأغطس نحو ظلمة العمق، حيث أستلقي على جنبي الأيمن، ملقيًا رأسي على زندي، ضامًّا ركبتيَّ إلى صدري، حيث أنام عاريًا، في رحمٍ من ماء، بلا أرق، كما لم تلدني مريم إبراهيم: أحلم، وحين أفيق أكون قد أصبحت موجة لا يضرُّها الأرق، ولا يضيرها أن تهجع.
الخميس، 16 مايو 1991، سان دييغو، كاليفورنيا
(1)
على الأمهات ألا ينجبن المزيد من الشعراء؛ فذلك خير للأرض، لأن أولئك سيعيش العالم عالة عليهم أيضًا.
كان ينبغي منذ البداية أن يُعلم أن الشُّعراء لا يصلحون للعالم، ولا العالم يصلح للشُّعراء.
كان ينبغي منذ البداية أن تكون الهندسة أفضل للجميع.
(2)
هذه التَّصنيفات البائسة بين اكتئاب وجودي، واكتئاب «إكلينكي»، واكتئاب ليلي، واكتئاب نهاري، واكتئاب موسمي، واكتئاب قبل الأكل، واكتئاب بعد الطعام، واكتئاب مزاجي، وما شابه، كلام فارغ لا يثير سوى الاكتئاب.
هناك اكتئاب واحد فقط: هناك كونٌ مريض، وهناك رجلٌ مريض. «أنا رجل مريض. أنا رجل خبيث. أنا رجلٌ يبعث على النُّفور» (دوستويفسكي، «ملاحظات من تحت الأرض»).
(3)
هكذا هو الأمر ببساطة: وجهي بلون الغروب، حرارة جسدي لاهبة، رأسي يغلي وأنا أنتظر منذ ساعات أن يتدفق ما حواه عبر فتحتي الأذنين كي ينتهي هذا الوجع، وأكون الشَّاهد الوحيد عليه.
الجمعة، 17 مايو 1991، سان دييغو، كاليفورنيا
وقفت في أثناء تصفُّح صحف اليوم على أن العلماء يتوقعون أن تستمر الشمس في الإشعاع لمدة خمسة ملايين سنة قادمة.
حسن جدًا، وماذا سيفعل البؤساء التَّافهون الذين لا رغبة لديهم في المغادرة قبل ذلك الموعد؟
الأحد، 19 مايو 1991، سان دييغو، كاليفورنيا
الخيط الرَّمادي لهذا الفجر يقطعه وجه [...] بقسماته ملائكيَّة الحزن، وحُسنِها الخَفِر، وخجل عينيها الهادئتين منذ أن تيتَّمت وهي لا تزال طفلة صغيرة. لا أتذكر أننا لعبنا مع بعضنا البعض ونحن طفلين ولو لمرة واحدة، فقد كانت المسافة الجغرافية تفصلنا. رأيتها للمرة الأولى (عمليًا) وقد أصبحت فتاة فائقة الجمال، وقد أحببتها كثيرًا، وهي أحبتني كثيرًا.
بعد ذلك بسنوات طويلة، في فجر اليوم، تسيل دماء غزيرة من وجنتيها البارزتين الجميلتين (كنت، في الحقيقة، أغازلها بتشبيههما بمختلف أنواع الفواكه المستديرة من دون أن أفقه، عهدذاك، موضوعة أن المرأة تُعامَلُ بوصفها «وجبة» في القاموس الغرامي البلدي)، بينما هي تتقدم مترنحة نحوي بابتسامة مُرَّة لضحيَّة تكشف في احتضارها عن هويَّة قاتلها، وسبَّابتها ممدودة نحوي بالاتهام.
يحدث ذلك في صحراء شاسعة لون رمالها خليط من البرتقالي والأصفر الفاقع، وليس بها سوى كوخ خشبي متهالك يتدفق قربه نبع ماء صغير.
أقف بجوار الكوخ وأحاول الصراخ أن عليها ألا تشير بسبَّابتها الاتِّهاميَّة إليَّ فأنا لست مسؤولًا عما حدث. لكني لا أستطيع الصراخ والكلام فقد تجمَّد كل شيء في حلقي، ما جعلني أشعر بالاختناق قبل أن أفيق بفزع مع الاستحالة، والندم، وكثير من العَرَق.
الحب خسارات كبيرة وغير مقصودة، ووجع الخسارات كبير في النوم واليقظة.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: سان دییغو
إقرأ أيضاً:
ذكرى رحيل «آخر ظرفاء الأدب والصحافة».. كامل الشناوي شاعر قتله الحب
تمر اليوم ذكرى رحيل الشاعر والصحفي الكبير كامل الشناوي، أحد أبرز وجوه الأدب العربي في القرن العشرين، والذي اقترنت سيرته بالإبداع والشجن والظرف، وبحكاية حب مأساوية ظلت تلاحقه حتى وفاته في نوفمبر 1965.
ولد الشناوي في السابع من ديسمبر 1908 بقرية نوسا البحر بمحافظة الدقهلية، بعد أشهر قليلة من وفاة الزعيم مصطفى كامل، فاختار والده - الشيخ سيد الشناوي القاضي الشرعي ورئيس المحكمة العليا الشرعية - أن يطلق عليه اسم «كامل» تيمنا بالزعيم الراحل.
نشأ في أسرة عريقة تجمع بين العلم والمكانة الاجتماعية، وكانت والدته صديقة هانم بنت سعيد باشا من سيدات القرية المرموقات، وهو الشقيق الأكبر للشاعر الغنائي مأمون الشناوي، كما كان عمه الإمام الأكبر الشيخ محمد مأمون الشناوي شيخ الأزهر.
التحق كامل الشناوي بالأزهر خمس سنوات قبل أن يتجه إلى المطالعة الحرة ومجالس الأدباء، ويدرس الآداب العربية والأجنبية.
بدأ حياته الصحفية في «الوادي» مع طه حسين، ثم «روز اليوسف» مع محمد التابعي، وتنقل بين «آخر ساعة» و«المصور»، قبل أن يتولى رئاسة قسم الأخبار في «الأهرام» عام 1954، ثم رئاسة تحرير «أخبار اليوم» حتى رحيله.
كان يقول عن نفسه: «ما بقتش في شعري صحفي، لكن أصبحت شاعرا في صحافتي»، وهي عبارة تلخص مسيرته التي جعلت من الشعر جوهرا لكتاباته الصحفية.
عرفه الوسط الأدبي بذكائه الحاد وخفة ظله وتلقائيته في صناعة النكتة والقفشة، حتى وصفه أنيس منصور بأنه «آخر ظرفاء الأدب والصحافة»، غير أن هذه الروح المرحة كانت تخفي ألما دفينا بدا واضحا في قصائده العاطفية.
أبدع الشناوي في عدد من الأعمال، من بينها: «اعترافات أبي نواس»، «أوبريت جميلة»، «الليل والحب والموت»، و«أوبريت أبو نواس»، وغنى له كبار الفنانين أعمالا أصبحت علامات في الوجدان العربي، منها:
لأم كلثوم «على باب مصر»، ولعبد الوهاب «الخطايا» و«نشيد الحرية»، ولعبد الحليم حافظ «لست قلبي» و«حبيبها»، ولنجاة «لا تكذبي» أشهر قصائده العاطفية، ولفريد الأطرش رائعتي «عدت يا يوم مولدي» و«لا وعينيكي»، فكانت قصائده العاطفية قصصا مغناة يشعر قارئها بأنه يعيش حكاية حب لا مجرد أبيات شعر.
لقب بـ«الشاعر المحروم» بعدما عاش تجربة حب مأساوية لازمت حياته، كما يروي رجاء النقاش في «شخصيات لا تنسى»، وكشف مصطفى أمين جانبا آخر من هذه المعاناة حين ذكر أن الشاعر كان يزور المقابر يوميا ليتعود على الجو الذي سيعيش فيه إلى الأبد، وقال عنه العقاد عبارته الشهيرة «لا تزال كما أنت، لست صغيرا ولا تريد أن تكون كبيرا»، وقد ظل هذا الجرح يؤلمه حتى قيل إنه مات مكتئبا دون مرض يذكر.
ورغم موهبته الكبيرة، لم يدون كامل الشناوي سوى ديوان صغير أصبح كنزا محببا لعشاق شعره، ويرى الكثير من النقاد أنه كان قادرا على منافسة نزار قباني لو أخلص للشعر وأبعد نفسه عن صخب الصحافة والسهر.
قبل عام من وفاته، عاش تجربة قريبة من الموت حين غاب عن الوعي ورآه رأي العين، فوصف ما حدث بأنه «بروفة للموت»، أدرك حينها أن النهاية تقترب، وقد صدق إحساسه.
كان الشناوي واسع الثقافة، تعلم الصحافة بالممارسة، وتمتع بذاكرة قوية وحضور مبهر في الأوساط الفنية والأدبية، وأحب تشجيع المواهب الشابة مثل عبد الحليم حافظ وبليغ حمدي، وأخلص للفصحى طوال حياته، بينما اتجه شقيقه مأمون إلى العامية، ليصبح كلاهما علما في مجاله.
بقيت قصائده - خصوصا «لا تكذبي» و«عدت يا يوم مولدي» - شاهدا على شاعر عاش الحب حتى الألم، ولم يزل يحافظ على مكانته كأحد أبرز شعراء العاطفة في العصر الحديث.
اقرأ أيضاً«رحلت أمي وأختي».. وفاة شقيقة طارق الشناوي
طاجن اللحم ودكتوراه الشناوي.. تفاصيل أول لقاء بين طارق عبد العزيز ومحمود السعدني
70 عامًا على (يوليو) العزة والكرامة.. حكايات من تاريخ ثورة تحكي قصة (شعب وجيش)