ابن رشد.. الفيلسوف المفكر الذي احتفى به الغرب وأحرقت سلطات المسلمين كتبه
تاريخ النشر: 11th, July 2023 GMT
ما من فيلسوف عربي أثار جدلا وأشعل معارك فكرية مثلما فعل ابن رشد، ففي الوقت الذي احتفى به الغرب ورأى كثيرون أن مؤلفاته كانت أحد روافد نهضته العقلية، أدت معاركه الفكرية وخلافاته مع فلاسفة المسلمين وعلماء الكلام والفقهاء إلى حرق كتبه وانزواء أفكاره في جانب بعيد عن التيار الرئيسي للفكر العربي والإسلامي.
وُلِد أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد بمدينة قرطبة حاضرة الأندلس عام 520 للهجرة، ونشأ في بيت عريق في العلم والأدب، وكان والده قاضيا وفقيها له مجلس يُدّرس فيه في جامع قرطبة.
مارس الطب وتولى القضاء في إشبيلية وقرطبة، وتنوعت مؤلفاته لتشمل الفلسفة وعلم النفس والفقه واللغة وعلم الكلام والفيزياء والجغرافيا والقانون، وبلغ ما وصل للعصر الحالي من كتبه 58 مؤلفا.
من أبرز ما قدمه ابن رشد للثقافتين العربية والغربية شرحه الوافي لفلسفة أرسطو، فتناول كل ما استطاع أن يحصل عليه من مؤلفاته وشروحها بالدراسة العميقة المبنية على التحليل الدقيق والنقد العميق لأفكاره، بعدما اطلع على كل ما تُرجم من كتب اليونان التي ضاع أغلبها فيما بعد، لذلك فهو صاحب الفضل الأكبر في الحفاظ على فلسفة أرسطو وقراءتها نقديا، حتى أنه لقب في الأوساط العلمية الغربية بـ"الشارح".
وكان لإعجابه العظيم بمنطق أرسطو دور كبير في نقده لأفكار الفلاسفة العرب من أمثال الفارابي وابن سينا، اللذين سار في نقدهما على نفس منهج نقد أرسطو لأفلاطون، بل وحاول أن يدمج فلسفة أرسطو مع الفكر الإسلامي، معتبرا أن الفلسفة لا تتعارض مع الدين، ورأى أن كليهما طريق للغاية نفسها، وهو الأمر الذي جعله يختلف مع كثير من فقهاء عصره، فاختلف في مسائل كثيرة مع الأشاعرة، كما لم يُقرّ كثيرا من أفكار المعتزلة الذين مثلوا اتجاها باطنيا في الفكر الإسلامي.
من مؤلفاته في الفقه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" و"مناهج الأدلة"، أما كتابه "فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، فقد أكد فيه أهمية التفكير التحليلي في تفسير القرآن، مخالفا علماء الكلام في عصره، ومعليا من قيمة البرهان العقلي. ويعد كتابه "الكليات" موسوعة لعلوم الطب في وقته، كما شرح "أرجوزة" ابن سينا في الطب.
كما كانت له أبحاثه في مجال الفلك، إذ قدم نقدا لنظرية بطليموس، ووصفا للقمر أضاف لما كان معروفا وقتها، بل إنه اكتشف كويكبا لم يكن معروفا من خلال رصد فلكي أجراه في المغرب وهو في سن الـ25. وبالإضافة إلى إسهاماته في مجال الرياضيات، يعتقد أنه أول من اقترح مفهوم "القصور الذاتي" في الفيزياء، واجتهد في تفسير ظاهرة قوس قزح.
أما أشهر كتبه ومعاركه الفكرية، فكان كتابه "تهافت التهافت" الذي رد فيه على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة"، والكتابان يقدمان عرضا فكريا شائقا لمدرستين متعارضتين في النظر إلى الفكر والوصول إلى الحقيقة.
ورغم انتمائه لعائلة تولت مناصب الفقه والقضاء، وتوليه هو نفسه مناصب القضاء في كل من إشبيلية وقرطبة، وتقلده وظيفة الطبيب الخاص للخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف في مراكش، وتكليفه بمهام سياسية بحكم قربه من البلاط، فلم يتحرج من أن تكون له آراء سياسية تحمل أفكارا إصلاحية لواقع الناس في الأندلس، فقد ركز على أهمية الممارسة السياسية، بمعني أن تتطابق أفعال الحاكم مع أقواله، وفي ذلك يقول عند الحديث عن التحول إلى المدينة الفاضلة إن ذلك يكون "بالأعمال الصالحة، لا بالآراء الحسنة، وأنت تلمس ذلك في مدننا، وبالجملة فلن يصعب على من كملت لديه أقوال أجزاء الفلسفة، واطلع على طرق تحول المدن، أن يرى أنها لن تؤول نحو الأفضل بالآراء وحدها".
بقي ابن رشد في بلاط الموحدي في مراكش حتى توفي الخليفة وخلفه ولده المنصور، الذي غضب على ابن رشد، واتهمه بالزندقة، ونفاه إلى قرية اليسانة في الأندلس، التي كان يسكنها أغلبية من اليهود، وأحرق كتبه، بل وأصدر منشورا يحرم قراءة كتب الفلسفة، لكنه بعد أعوام راجع نفسه وعفا عنه، فعاد ابن رشد إلى مراكش حيث توفي ودفن فيها عام 595 للهجرة، ثم نقل رفاته فيما بعد إلى مسقط رأسه في قرطبة.
من أشهر أقواله: "من العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي لنفسه"، و"الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل"، و"لو سكت من لا يعرف، لقل الخلاف".
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
في الصميم
#في_الصميم
د. #هاشم_غرايبه
يحاول المنافقون (ومسماهم المعاصر: العلمانيين والتنويريين ) من بيننا تبرير استهداف الغرب لأمتنا، بأنه رد على الإرهاب الإسلامي، وأنه اجراء دفاعي لحماية العالمي من شرور الإرهابيين.
ما يكشف زيفهم أن قصة الارهاب جديدة، لم تكن معروفة قبل الألفية الجديدة، لكن عداء الغرب الاستعماري وحروبه على منطقتنا موجودة منذ فجر التاريخ، متمثلة بالحملات العسكرية المتتالية من الاغريق والبيزنطيين والرومان، ثم أحفادهم من االدول الأوروبية هولنديين وبلجيكين ورووس وانجليز وفرنجه واسان وبرتغال وطليان ..الخ، ولم تتوقف في أية حقبة، مع عدم وجود أي استفزاز أو هجوم من طرف أمتنا في أية مرة.
أما التفسير المنطقي لسر هذا العداء والاستهداف، فليس كون الاسلام ارهابيا، بل من قبل نزوله، فقد اعتادت الامبراطوريات الإغريقية والبيزنطية والرومانية الغازية للشرق استعباد أهل المنطقة العربية، ونهب خيراتها، فلما جاء الإسلام وحررها، بل وكوّن حضارة منافسة لحضارتهم، ولأول مرة في تاريخ العرب، لذلك جعلت القضاء على الإسلام أهم أهدافها.
الغرب عموما وضع تصورا محددا للإسلام لا يستند الى حقيقة محتواه، بل الى الصور النمطية المضللة المتوارثة عبر القرون، والمعادية مبدئيا من غير محاولة فهمه،.
لقد أجج حقدهم، أن هذه المنطقة ظلت محمية من أطماعهم ثلاثة عشر قرنا، أي طيلة بقائها تحت حماية الدولة الإسلامية، وما تمكن الأوربيون من اخضاعها لتسلطهم من جديد إلا بعد سقوط هذه الدولة.
فكيف يتوقع منهم أن يسمحوا للإسلام بالعودة بشكل دولة جامعة من جديد!؟.
النظام السياسي العربي الحالي هو صورة محدثة عن الواقع العربي الجاهلي، ولا يختلف كثيرا عن ممالك الغساسنة والمناذرة التي حكمت عربان الشام والعراق فيما هم مجرد ولاة للفرس والرومان، ودول البطالمة التي حكمت شمال افريقيا، وفي اليمن نقلها “سيف بن ذي يزن” من الاستعمار الحبشي الى الفارسي، لذلك لا نتوقع منهم أن يدافعوا عن الاسلام، ولا أن يتصدوا لوصفه بالإرهابي.
التحقيق الأمثل لمصالح الغرب هو في إبقاء العرب بشكلهم الحالي، ولايات هامشية متفرقة، يتقبل ولاتها ذل التبعية للغرب مقابل بقاءهم في الحكم، لذلك استمالوا بعض المثقفين الذين وظفوا عقولهم لخدمة جيوبهم، وبإغراء تسميتهم بالمتنورينين العلمانيين، دفعوهم للوقوف بوجه مساعي استعادة وحدة الأمة تحت الرابط الجامع (الإسلام)، وبوهم أنها يمكن أن تتقدم باتباع منهج الغرب، وأن تتوحد تحت عنوان بديل هو القومية العربية، مع أن التاريخ يثبت أنه لم يجتمع العرب يوما تحت هذا العنوان قط، ما جمعهم سوى الرابط العقدي فقط.
وللتخويف من الإسلام فقد تحالف المضللون على نشر فكرة لا أساس لها، قائمة على أن الدين فكر ماضوي غير صالح لعصر الحريات الحالي، وأنه يفرض إرهابا فكريا على من لا يعتنقونه، بهدف إكراههم على دخوله، بينما تعامل الدول العلمانية مواطنيها على قدم المساواة بغض النظر عن عقيدتهم.
ولما لم يجدوا هنالك مصداقية لهذه الفكرة، سواء من التشريعات أو شواهد الممارسة التاريخية، لكنهم وجدوا ضالتهم في بعض المتشددين الذين أمدوهم بمعززات فكرتهم، لأن انحرافهم النفسي يتيح توجيههم لتحقيق الصورة المنفرة المطلوب تجسيدها.
فوجدنا أن الغرب قد منح قيادات المتشددين الإسلاميين المأوى والرعاية، ومن خلالهم استطاع (عن طريق مخابرات الأنظمة العربية) اختراق الجماعات السلفية، وتشكيل تنظيمات (سرية) سميت جهادية اجتذبت المؤمنين البسطاء الذين يسعون الى الجهاد في سبيل الله.
لكن حقيقة هذه الجماعات انكشفت سريعا من الدلائل التالية:
1 – دعوتها الحقيقية كانت لطاعة ولي الأمر، للدفاع عن الأنظمة العميلة للغرب، وتبرير تقصيرهم بحق أمتهم.
2 – جهادها زائف، لأنه لم نره يوما ضد من احتل أرض المسلمين في فلسطين، ولا ضد من والوا الكفار ومنحوهم قواعد على أرضهم ضربوا منها ديار المسلمين.
3 – عملت لتشويه صورة الإسلام، لجعلها متطابقة مع ما يشيعه افتراء أعداء الإسلام، فما قاوموا الطغاة كما يدعون بل نفذوا تفجيرات بحق الأبرياء لتبرير بطش الأنظمة العميلة بالثوار، وبأهل السنة في العراق.
4 – تزامن نشاطها مع قيام الثورات العربية، بهدف خلط الإرهاب بالجهاد والكفاح ضد الإستعمار وعملائه، لشيطنة الثوار والبطش بهم بذريعة أنهم إرهابيين، فلما تم قمع الثورات انقطعت أخبار جهادهم المصطنع.
الخلاصة أن قصة محاربة الارهاب ساقطة، ولا يتبناها الا معادو الاسلام وعملاء الغرب.