صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-03@01:30:05 GMT

البرهان يتحدث بلسانين وسط العاصفة

تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT

البرهان يتحدث بلسانين وسط العاصفة

 

البرهان يتحدث بلسانين وسط العاصفة

أحمد عثمان جبريل

في لحظات الصدق مع النفس، تزدحم الأسئلة لتأتي أكثر مما يحتمل صدر إنسان، حيث يقف السودان اليوم أمام مشهد لا يشبه سوى نفسه:” بلد تتنازعه الأوهام والحقائق، وتتكاثر فيه جراح الأرض والقلب معًا، وتتداخل أقدار الناس مع تشظّي السلطة، فيما تتربص به رياح العاصفة من كل جانب.

. وفي قلب هذا المشهد يقف الفريق عبد الفتاح البرهان، ليس كرئيس لمجلس سيادي ولا كقائد للجيش فحسب، بل كرمز لحالة تائهة بين لغة الدولة ولغة الحرب، بين خطاب الشرعية وخشية الانهيار، بين رغبة إنقاذ الوطن ووزن الفشل الثقيل.. هو اليوم ليس فقط مسؤولاً عن القرار، بل مرآة لصراع داخلي وخارجي؛ مرآة يرى فيها كل من تألم وفقد الأمل، وكل من خاف على مستقبل هذا الوطن، وسط عاصفة سياسية وأمنية لا تعرف الرحمة .

❝ الدولة إذا دخلها الوهم، فسدت سياستها، وضلّت أقدام أهلها. ❞ — ابن خلدون

1 .
في ضوء ما قاله لبن خلدون هنا، تصبح ازدواجية الكلام علامة تدل على وهم كبير.. فالسلطة التي تتعاطى مع نفسها بلسانين، كمن يبني قصرًا فوق رمالٍ متحركة.. الكلام الأول يُعلن سيادة الدولة، وحدة القرار، استعادة النظام، ومنجزات المستقبل، وكأنه يريد أن يُعيد رسم خارطة الأمل فوق خريطة الدمار. أما الكلام الآخر — الذي لا يُصدره رسميًا، لكنه يُشعر به من خلال نبرة الغموض، من خلال الإشارات المتضاربة، من خلال صمت الفعل؛ فهو صدى الحقيقة التي لا تريد السلطة الاعتراف بها.. أن الخراب أخذ يمشي في الشوارع، وأن الدولة التي تُسدَّدت عليها البندقية، لم تعد قادرة على حماية نفسها، فكيف تحمي شعباً؟

2 .
إن اللسان الأول، لسان الدولة، يخاطب الداخل بـ “نحن بالجيش والدولة” يرفع راية الاستقرار وينتشر كخطيبٍ في مولد.، لكن الرسالة تفقد صدقيتها مع كل جبهة تُفتح، وكل حيٍّ يُشرد، وكل بيت يُدمّر.. الناس التي كانت تصغي إلى الكلام، عرفت بعد سنوات أنه لا يكفي أن تُعلَن البيانات، إذا ظلت الأوامر تتبعها دبابات القصف، ونزوح الأطفال، وتوسّع رقعة الفقر.. فتلك كانت لحظة الانتقال من الوطن كمشروع إلى الوطن كجوعٍ وفوضى .. وهنا تنهار السياسة حين تُقاس بوعود لا تتجاوز حنايا الكلام.

3 .
أما اللسان الآخر، فهو لسان الرجل الذي يرى أن العالم يخنق الحكم من الخارج، وأن الجبهات تنهش من الداخل، فيتحول التصريح إلى همس في أروقة ضيقة، ويتحوّل الإعلان إلى مرونة في الحسابات.. يتحدث أحيانًا عن “ضغوط دولية” و “مؤامرات” كما لو الوطن مسجون بين أيدي قوى لا تُرى، وليس كما لو أن قدره بيد من قاد سلاحه إلى أرضه.. هذا اللسان يتماهى مع الخوف، لا مع القرار؛ يتماهى مع صدارة الإعلام، لا مع مؤسسات الدولة؛ يتماهى مع الدفاع عن الذات، لا مع مسؤولية القيادة.. والمفارقة أن لسان الحرب هذا بات يُسمع أكثر من لسان الدولة، لأن الواقع صار يُجبر الجميع على الاعتراف بأن الكلام لم يعد مصدر ثقة.

4 .
ثم يأتي ما خفي من عبء.. الولايات المتحدة تشرع في إسقاط تهمة “الكيماوي” على مسار الحرب في السودان، فالتلويح والعقوبات المحتملة يُعيدان رسم أمن الخرطوم العالمي نحو عنوان الحرج الدبلوماسي.. ملف الكيماوي ليس تهمة عادية تُضاف إلى قائمة انتهاكات .. بل هو تهمة تتعالى فوق الحدود، وتغيّر قواعد اللعبة.. حين تُهدّد دولة كبرى بهذا الملف، فإنها لا تستهدف ذكوراً أو صف ثانٍ، بل تستهدف رأس القائد ذاته، وتستهدف الدولة ككيان.. وهكذا يخرج الصراع المحلي من دائرة المواجهات الداخلية إلى دائرة حسابات إقليمية ودولية.. هكذا يتحدث علم السياسة وتكتيك الحصار.

5 .
احتمال أن تُعدَّ المعركة في ميدان المواجهة ميدانية وجودية، وتحول الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية إلى سياج حول القيادة، هو ما يجعل “السودان القائد” في موقع هشّ.. فالقوى الدولية لا تهتم فقط بمآسي الحرب كما هو اوضح، بل بالملفات التي تخرج الحرب من سياقها المحلي إلى سياق يهدد الأمن الإقليمي أو المصالح الخارجية.. وما لم يفهم القائد (صاحب اللسانين) أن ملف الكيماوي ليس ورقة ضغط بل مدخل لخنق سياسي، ستظل خطايا الحرب تُحسب عليه، وسيظل الشك يغلف الداخل قبل الخارج.

6 .
والبرهان، في هذا المشهد، ليس غافلاً.. هو يدرك ” ربما أكثر من غيره ” أن التهديد الخارجي ليس كلاماً فارغاً.. هو يسمع صدى التحذيرات، يرى ارتجافات السياسات الدولية، يدرك أن بعض رفقاء الأمس ربما استبدلوا الوقوف جانبه بصياغة بخلفية ائتلافات جديدة.. لكنه أيضًا يجد نفسه محاصرًا بين أمكنة لا تُشبه بعضها ..” بين جبهات مفتوحة، وبين زوايا دبلوماسية مغلقة، وبين شعب تحت الماء، وبين جهاز أُرهق من القتال”.. وهذا الحصار السياسي والنفسي يجعل الرجل في دوامة لسانين: خطاب خارجي، وصراع داخلي، وعجز عن الجمع بينهما.

7 .
ومع مرور الأيام، تتبدّل خارطة الأرض: مناطق تُفقد، مدن تُخلى، خدمات تنهار، إنسان يحسب على الفقر.. جهاز الدولة الذي يُفترض أن يعيد ترتيب الأمور، يبدو اليوم كجهاز تابع لمراكز قوة لم تُقدَّر حساباتها من البداية.. وهنا تتضح مأساة القيادة: أن يقود حرباً لا تملك القدرة على الانتصار فيها، وأن يعلن بناء دولة في وقت تنهار فيه مؤسسات الدولة يوميًا.. فحين تصبح كل خطوة انتخابًا بين سوءين، ويصبح كل وعد تذكرة إلى مزيد من الجرح، يتحول القائد (وإن بدا قوياً في خطابه) إلى رهينة ظرفه.

8 .
في هذا السياق، يتبلور السؤال الأكبر: (إلى أين يتجه هذا الرجل؟ ..هل الطريق أمامه هو الاستمرار في لعبة التناقض بين الخطاب والحرب؟ .. أم أن بداية الاعتراف بأن لسانين لا يصنعان دولة قد تفتح أمامه مخرجًا؟ ) ..الخيار ليس سهلاً. إنه لا يختار بين سياسة أو حرب فحسب، بل بين شرعية تُبنى على تضحيات شعب، وبين رئاسة تُبنى على صفقات وهم. والحقيقة أن الشعب لا ينظر اليوم إلى الورق، بل إلى الواقع.. إلى المأوى، إلى الخبز، إلى الأمان؛ وإلى الأمل الذي لم يعد يُشترى ببيان.

9 .
ولذلك، دائما ما نقول: إن استمرار الرجل في هذا المسار يعني بالضرورة أن العاصفة ستأخذ أهل البلاد معه، لا فقط بصواريخ الحرب، بل بصمت السياسة وتخاذل القرار.. والعاصفة التي لا تُرى نهايتها ليست عدوَّ خارجي فحسب، بل هي تساؤل داخلي ينهش الثقة ببطء، يفتك بالأمل خفية، ويُسقط الدولة برفق كما يُسقط ضوء قنديل قادم من تقادم خزانته.
وفي هذه اللحظة — اللحظة التي تتداخل فيها الألسن، وتتشابك فيها الحسابات، وتغرق فيها البلاد في صمت أهل السياسة — يحق للمواطن للسوداني أن يسأل:”هل بقي في هذا الرجل ما يُنقذ السودان؟ .. أم أن لسانين لا يصنعان وطنًا، وأن الأوهام لا تبني مؤسسات، وأن الحرب لا تلد سلامًا، وأن البلاد تستحق أن يُنظر إليها بعين الحقيقة، لا بعين المزاودات، ولا بعين وهم القيادة؟ إنت لله ياخ.. الله غالب.

الوسومأحمد عثمان جبريل البرهان لسان الدولة نحن الجيش والدولة وسط العاصفة يتحدث بلسانين

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: البرهان لسان الدولة وسط العاصفة

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • الرئيس أردوغان يستقبل البرهان في أنقرة
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • أحمد سليمان يتحدث عن أزمات وقف قيد الزمالك: « في حد بيحرك المسائل من تحت»
  • بمليون و916 ألف جنيه.. «الكلام على إيه» يحتفظ بالمركز الثاني بإيرادات أفلام عيد الأضحى 2026
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • إيرادات فيلم الكلام على إيه تقترب من 2 مليون جنيه أمس
  • اليابان: عاصفة قوية تقترب من طوكيو وتوقع مصابين
  • إصابة 9 أشخاص في اليابان بسبب العاصفة الاستوائية "جانجمي"
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش