بسم الله الرحمن الرحيم
القاهرة – خاص (سودانايل)

حوار: طارق الجزولي – رئيس التحرير
أمجد شرف الدين المكي – سكرتير التحرير
د. أماني الطويل لسودانايل:
الذهاب إلى طاولة المفاوضات، ليس تقليلاً من أي طرف لأن استمرار الحرب سيؤدي إلى فشل الدولة
قوات الدعم السريع مثقلة بالانتهاكات رغم انتصاراتها العسكرية وغاية المُني لحميدتي بأن يتم الاعتراف به ولو بنسبة عشرين في المئة
ما شهدناه بلغة الجسد في أديس أبابا لم يكن حياداً
كل ما أصدره من آراء هو مرتبط بحالة وعي شخصي ولا يعبر رأي النظام السياسي المصري
نهر النيل خلق الوجدان المشترك، وهذا الوجدان لا يباع ولا يُشتري.

والجغرافيا كونت لنا عامل مشترك
المنوط بالقوات المسلحة السودانية هو حماية الدولة



في مقابلة خاصة، التقت سودانايل ممثلة في رئيس وسكرتير التحرير بالدكتورة أماني الطويل الصحفية والباحثة وخبيرة الشؤون السودانية ومديرة البرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، وتناول اللقاء ما يدور في الشأن السياسي السوداني الآني والاحداث الدامية هناك وما يصدر منها من أراء وتعليقات في هذه الخصوص . ولضيق الزمن، كان هذا الحوار القصير.

*آراء أماني الطويل هي تعبير عن رأي النظام السياسي المصري. هذا ما تعتقد به الأوساط السياسية والمجتمعية السودانية، هل هذا صحيح؟ وماهو تقييمك للوضع في السودان وماهي هي رسالتك للقوى السياسية والمدنية في السودان؟

- في الدول الحديثة لا يمكن لشخص غير رسمي بأن يُعبر عن رأي رسمي. أو رُبما تماهي مع الرأي الرسمي، خصوصاً في الدول ذات التفاعلات المُعقدة. فدولة كمصر، القرارات تتم فيها بناءاً على مؤسسية. بمعني آخر دولة ذات مؤسسات، وقراراتها يؤخذ فيها بعين الإعتبار عناصر متنوعة. عليه أي شخص خارج هذه المنظومة المؤسسية، لا يستطيع أن يكون أداة أو تعريف أو رأي مصري رسمي.
عموماً كل ما أصدره من آراء هو مرتبط بحالة وعي شخصي، وتراكم ذات خلفية وخبرات مهنية، إضافةً الي رؤية خبرات إقليمية وعالمية في هذا المجال. عليه وطبقاً لخبراتنا المتنوعة في القارة الإفريقية، نعلم أن أي صراع عسكري أو صراعات مسلحة ستؤدي الي فشل الدولة. وتحديداً في الدول غير المتقدمة، والتي تعاني من مشاكل عدة، بالتالي يصبح من الصعب استعادة هياكل الدولة.
بصفتي مصرية، والتي أنتمي إليها – الدولة - بشكل وجداني، وعموماً نحن كمصريين لدينا فكرة الإرتباط بالوطن والأرض، والتي تعتبر أفكار مركزية في تكويننا. وإذا ما سئلت كيف حدث هذا؟ فيمكنني القول بأن فهم المصريين لهذا التكوين هو فهم متوارث وقديم. مصر لم تتغير وجدانياً منذ عهد الفراعنة والي يومنا هذا. وأن أي إدارة في مصر مهما كانت، عملت على المصالح المصرية بطرق مختلفة.
حقيقة أنا أري أمام أعيني بلاد مثل الصومال، مالي والكنغو ولا أتمنى أن يصبح السودان مثلهم. عليه وإنطلاقاً من إيماني كما ذكرت بأن الصراعات العسكرية يمكن أن تُفتت الدول، دائماً ما أسعى وطوال الوقت، ولا أود أن أقول بأنني أقترح، بل على الجميع أن يعي وأن يأخذ في الحسبان بأن الحرب ستؤدي إلى فشل الدولة. وما أعني بفشل الدولة هو ما نراه اليوم. أنظر الي الأسر التي تركت منازلها، النساء والفتيات اللآتي تم إغتصابهن والتعدي عليهن، وهنا أتحدث في هذه الجزئية بمشاعر المرأة. لا تتخيلوا مدي ألمي عندما أعرف بأن هناك امرأة أو فتاة تم التعدي عليهن، وقد سمعت الكثير من القصص من أصدقاء سودانيين في هذا الشأن. أعني تماماً ماذا يعني أن يلمس رجل فتاة أو امرأة من غير رضاها.
حينما أدعوا الأطراف بالذهاب إلى طاولة المفاوضات، ليس تقليلاً من أي طرف. فقط محاولة للحفاظ على الرقعة الجغرافية المُسماة السودان. وألا نعلن وفاة السودان. فرغم إخفاقات الجيش مؤخراً، إلا أنه يظل هو الجيش السوداني والقوات المسلحة السودانية. هذا الإسم بمفردة يجعل منه وزناً على أية مائدة تفاوض. أي أطراف إقليمية أو دولية، تضع إعتبار لهذا الإسم، أي المؤسسة العسكرية، بغض النظر عمن يقوده.
أما بالنسبة للطرف الآخر- قوات الدعم السريع- فقد أصبح مُثقلاً بالإنتهاكات. فرغم إنتصاراته العسكرية، إلا أنه قد خسر سياسياً. مرة أخري أشدد وأري أن مؤسسة بهذا الإسم "الجيش السوداني" فإن نهايته تعني وفاة السودان. فلماذا لا يذهب إلى التفاوض؟ هل لأن الطرف الآخر مارس إنتهاكات؟ يمكن محاسبته عليها، وهناك ما يعرف بآليات المحاسبة. في تقديري أن غاية المُني (التمني) لحميدتي بأن يتم الإعتراف به ولو بنسبة عشرين في المئة في أية معادلة قادمة. ومهما كانت القوي التي تقف من خلفه، لاتستطيع أن تصل أو تقوده إلى أكثر من ذلك.
المنوط بالقوات المسلحة السودانية، هو حماية الدولة. وأن تحافظ عليها، وأن تعمل من الإستراتيجيات والبرامج السياسية، ما يساوي عملية تحول آمنة، تضمن إستقرار سياسي. ليس بالضرورة أن تقودها القوات المسلحة السودانية، وليس من المطلوب. لكن من حق هذه القوات المسلحة السودانية بعد حرب بهذه الدموية أن تضع محددات سياسية للقوي المدنية التي تقود البلاد. وهذا من حقها وواجبها وهو ما أنادي به، لأني أعلم تماماً ماذا يعني مجتمع ما بعد الحرب.

*رسالة تقدميها للقوي المدنية السياسية السودانية، والزملاء الإعلاميين؟
في تقديري وبحسب رؤيتي أعرف أن النُخب السياسية المدنية الإنتقالية التي تولد أو تأتي بعد تجارب أنظمة شمولية طويلة، وفي حالة الثورات، وربما نتيجة للسرعة في تكويناتها، تكون خبراتها غير مكتملة. لكن منذ العام 2018 وإلى هذا اليوم، كثير من الخبرات والنُخب السياسية والمدنية السودانية قد تبلورت. الأمر الذي يُلقي عليها مسئولية كبيرة. ومن أهم ملامح هذه المسئولية: الحياد المُطلق بين طرفي الصراع. ما شهدناه بلغة الجسد في أديس أبابا لم يكن حياداً. ما شهدناه في أديس أبابا ترحيباً برجل دماء السودانيين والسودانيات ملطخة في يديه. ومهما تنصل من أفعال قوات الدعم السريع على الأرض، تظل دماء السودانيين في رقبته. وعليه أن يدفع الثمن والتعويضات لكل المتضررين من ذهب السودان الذي يملكه، وهذا هو ربما ثمن العشرين بالمائة التي رُبما سيحصل عليها ثمناً لإيقاف الحرب.
الحياد في هذه المرحلة مطلوب، وبلورة المشاريع السياسية الممكنة مطلوب، ايضاً المسافة بين القوي السياسية والإدارات الإقليمية والمحلية والعالمية أيضاً مطلوب. المصلحة السودانية العليا يجب أن تكون في الأحداق وفي العيون.

*كيف تري د. أماني الطويل وجود السودانيين بهذا العدد الكبير في مصر؟

في تقديري أن السياسات المصرية كانت ذكية. مصر تاريخياً مُصنفة بأنها بلد مُستقبل للهجرة، ومُصدر، ومعبر لها. السياسات الإستراتيجية المصرية يتم صياغتها بهذا المعني. بالتالي يتم إستقبال النازحين، واللاجئين والفارين من الأزمات السياسية والعسكرية في مصر ومعاملتهم معاملة المواطنين.
وبالرغم من العبء الاقتصادي، فإن مصر تري أنه إضافة إليها إنسانياً. من هذه الزاوية، مصر تحافظ على إستقرارها الاجتماعي. أيضاً ومن هذا المنظور مصر تتعامل مع كل أنواع الوافدين بترحاب. فعلي سبيل المثال، نقابات الصحفيين، الأطباء والمهندسين، قدمت تسهيلات كبيرة وحقوق من المصريين لنظرائهم السودانيين في هذه المهن، متساويين مع المصريين. الجميع حصل علي الحق في العمل، والإقامة، إضافةً إلى تقديم العلاج الكامل. كل هذه المؤسسات والنقابات المؤطرة، إبتدعت أساليب لرعاية السودانيين.
دعونا نقول إن نهر النيل خلق الوجدان المشترك، وهذا الوجدان لا يباع ولا يُشتري. الجغرافيا كونت لنا عامل مشترك، ولا يستطيع أي شخص أن يتلاعب به. من الممكن والسهولة لمصالح إقليمية مُعينة أن تقوم بعمل منصات إعلامية، وأن تقوم بتشويه الشخصيات وتشويه صورة مصر. مع كل هذا الماء مثل الدم. خلق الشريان الذي بداخل الشعبيين، والذي هو الوجدان المشترك.
هناك إندماج علي المستوي الاجتماعي مع السودانيين من قبل المصريين، وأصبح لديهم تجليات ثقافية، إجتماعية وأدبية في المنتديات الفنية والعروض الدورية كمعرض الكتاب، في وزارة الثقافة، في المجلس المصري للشؤون الخارجية، في كل الأطر المصرية يتم التعامل من منطلق الإندماج، والوجدان بين البلدين. وأتمني أن يعود السودان كما كان.

   

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: المسلحة السودانیة فی أدیس أبابا أمانی الطویل فی هذه

إقرأ أيضاً:

السودان بلا مركز: تعدد السلطات وتفكك الدولة بين الحرب وغياب السيادة

منتدى الاعلام السوداني: صحيفة سودانايل

تقرير: أمجد شرف الدين المكي

المقدّمة:

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان المعاصر، يتوارى “المركز” السياسي للدولة خلف مشهدٍ دمويّ تتنازعه جبهات مسلحة وسلطات متنافرة، فيما تترنّح المؤسسات السيادية تحت وطأة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتغيب الدولة بوصفها كيانًا موحِّدًا. هذا التفكك المتسارع لمظاهر السلطة المركزية لا يعكس مجرد انهيار ظرفي في الحكم، بل يُنبئ بتحوُّلٍ هيكليّ يطال طبيعة الدولة نفسها. فالسودان، في امتداد نزاعاته الراهنة، يبدو وقد دخل طورًا من “اللا-مركزية القسرية”، حيث بات الحكم موزعًا بين قوى عسكرية، وحركات مسلحة، وزعامات قبلية، وإدارات مدنية محلية—كلٌّ منها يدّعي شرعية أمر واقع تغذّيها الجغرافيا والسلاح والفراغ.

يتجاوز هذا المشهد حدود التوصيف الأمني أو السياسي العابر، ليطرح تساؤلاً وجوديًا: هل ما نشهده هو إنزلاق نحو “الصوملة”، أي نحو نمط من الدولة المفككة التي تتقاسمها سلطات محلية وأمراء حرب؟ أم أن السودان، رغم هذا التشرذم الظاهر، لا يزال يحتفظ بفرصٍ لإعادة بناء مركز سيادي موحّد، حتى وإن كان ذلك عبر صيغ جديدة من الحكم اللامركزي أو التوافقي؟

تحاول هذه القراءة التحليلية تتبّع ديناميات تعدد السلطات في السودان، في سياق تفكك الدولة المركزية وتلاشي إحتكارها للعنف والقرار، مُسلّطة الضوء على النماذج البديلة للحكم الناشئة في غياب الدولة، وعلى التبعات البنيوية لذلك على وحدة البلاد، ووظائف الدولة، ومعنى السيادة ذاته.

من العاصمة (المركز) إلى الأطراف (الهامش): كيف توزّعت السُّلطة في السودان؟

منذ اندلاع الحرب في 15 /أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، شهدت العاصمة الخرطوم انهيارًا غير مسبوق في بنيتها الإدارية والعسكرية والمدنية، إذ سرعان ما تحوّلت إلى مسرح للقتال المباشر، ومن ثم إلى مدينة مهجورة تسودها سلطة السلاح، لا سلطة الدولة. ومع تفكك المركز، تمددت مراكز قوى محلية في أنحاء السودان، لتملأ الفراغ السياسي والأمني، وتقيم سلطاتها الخاصة التي تستند إلى القوة المسلحة والشرعية القَبَلية أو الثورية أو الجهوية.

في غرب البلاد، تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من إقليم دارفور، وتُقيم أنماط حكم شِبه مستقل، حيث تفرض الضرائب علي أشكال “إتاوات” مقابل الحماية الكاذبة، ذات الإضطهاد، والتحرش والتنمر، وتدير نوعاً ما المعابر الحدودية، بل وتعيّن مسؤولين مدنيين في بعض المناطق، في صورة تُشبه إلى حدٍّ بعيد نماذج الحوكمة البديلة التي ظهرت في الصومال بعد انهيار نظام سياد بري، أو في ليبيا بعد سقوط القذافي. في شرق البلاد، تتمركز قيادة الجيش في مدينة بورتسودان، وتدير ما تبقى من وزارات الدولة والمؤسسات شبه المركزية، في وضعٍ يُعبِّر عن سلطة “منفية” تتحكّم باسم الدولة دون أن تسيطر فعليًا عليها وعلي عاصمتها.

إلى جانب هذين القطبين العسكريين، تتوزع السلطة فعليًا بين جهات أخرى، فالحركات المسلحة الموقعة على إتفاق جوبا للسلام تحتفظ بنفوذ كبير، ولو نوعياً في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وتمتلك قوات ميدانية وقيادات سياسية، بعضها يشغل مناصب، قيادية وسيادية في حكومة بورتسودان، بينما البعض الآخر يتخذ مواقف مستقلة أو متذبذبة. كذلك، شهدت بعض مناطق السودان—وخاصة في شمال وغرب البلاد—عودة لافتة لنفوذ الإدارات الأهلية والقيادات القَبَلية، التي باتت تدير الأمن والخدمات، وتحلّ النزاعات بوسائل تقليدية، في ظل غياب كامل للمؤسسات الرسمية.

وفقًا لتحليلات نشرتها دورية foreign Policy   الأميركية، فإن المشهد السوداني الحالي يمثل “تفكيكًا متدرجًا للسلطة المركزية”، يُعيد إنتاج السلطة على أسس محلية، عشائرية، وأمنية، وهو ما يعيد إلى الأذهان نماذج الدولة اللامركزية الفاشلة، التي تهيمن فيها وحدات محلية على حساب الدولة الجامعة.

تفكّك الدولة وتآكل السيادة: هل دخل السودان فعلاً مرحلة الدولة المتفككة؟ أو الصوملة؟

ليس تراجع المركز في السودان محضَ اختلالٍ إداريّ أو اضطرابٍ ظرفيّ، بل هو إنحرافٌ عميق في وظيفة الدولة نفسها، بما هي كيانٌ سياديّ يحتكر أدوات العنف، ويُنظّم الفضاء السياسي، ويضمن وحدة الأرض والسكان. ما نشهده اليوم هو تحوّلٌ تدريجيّ نحو نموذج الدولة المتفككة، حيث تُستبدل الهياكلُ الرسميّةُ بمراكزَ نفوذٍ متعدّدة، كثيرٌ منها يُعيد إنتاج السلطة بناءً على الولاء القبليّ أو الجهويّ أو وفق منطق القوّة المسلّحة.

قد يكون من المُغري، في هذا السياق، إستخدام مصطلح “الصوملة” للإشارة إلى هذا النمط من الإنهيار، لكنّ هذا التشبيه، رغم وجاهته التحليلية، قد لا يُحيط بتعقيدات الحالة السودانية. ففي حين شهدت الصومال انهيارًا مفاجئًا لنظامٍ مركزيّ، فإن السودان ينزلق في مسارٍ تدريجيّ، تغذّيه تراكمات من الانقسامات البنيوية، والنزاعات المحلية، وتعدّد الفاعلين، فضلًا عن الأدوار الإقليميّة والدوليّة المعقّدة.

وبحسب تقرير صادر عن Internation Crises Group, فإنّ السودان يواجه اليوم “واحدةً من أخطر حالات تراجع السيادة في إفريقيا المعاصرة”، حيث تتآكل سلطة الدولة المركزية، لا بفعل انهيارٍ شامل، بل نتيجةً لتوزّع أدوات السيادة على قوى غير حكوميّةٍ تُمارس أدوارًا سياديّة، تتراوح بين فرض الجباية، وإدارة الخدمات، وتنظيم الحدود، وأحيانًا التنسيق المباشر مع أطرافٍ دوليّة عبر ممرات وإشرافات إقليمية.

إنّ أخطر ما في هذا التحوّل، ليس مجرد انقسام سياسيّ أو عسكريّ، بل إعادة تعريف الدولة نفسها: من كيانٍ يحتكر السيادة، إلى فضاءٍ سلطويٍّ تتقاسمه قوى محليّة تتصرّف كأنّها دولٌ مصغّرة داخل الدولة الأم.

الدور الإقليمي والدولي: كيف ساهم الخارج في تفكيك الداخل؟

لم يكن تفكك الدولة السودانية نتاجًا لعوامل داخلية فحسب، بل لعبت التفاعلات الإقليمية والدولية دورًا بالغ التأثير في تسريع الإنهيار وتكريس منطق الحرب بديلاً عن منطق الدولة. فمنذ إندلاع النزاع الأخير، تداخلت حسابات الفاعلين الخارجيين مع مصالح الأطراف المحلية، وتحوّلت الجغرافيا السودانية إلى مسرح مفتوح لصراعات المحاور، وتنافس المصالح، والتدخلات غير المعلنة.

تأتي الإمارات العربية المتحدة في مقدّمة اللاعبين الإقليميين الذين ارتبطت أسماؤهم بالدعم المالي واللوجستي لقوات الدعم السريع، وذلك في سياق إستراتيجيتها الإقليمية التي تعتمد على دعم الوكلاء المحليين لتعزيز النفوذ في مناطق حيوية مثل البحر الأحمر، وإمتداده الإفريقي. وفي المقابل، تحاول مصر الحفاظ على الجيش السوداني كحليف إستراتيجي تقليدي، إنطلاقًا من إعتبارات الأمن المائي في ملف سد النهضة، ومنظورها الأمني المتوجس من احتمالات تمدد قوى غير نظامية على حدودها الجنوبية.

أما روسيا، فتبرز من خلال علاقتها شبه المعلنة مع مجموعة “فاغنر”، التي نشطت في السودان منذ سنوات عبر بوابة الذهب والدعم الأمني، وكرّست نمطًا من الشراكة الرمادية مع الفاعلين غير الرسميين. وقد وثّقت تقارير BBC وReuters، بالإضافة إلى نشرات أكاديمية صادرة عن Chatham House وCarnegie Middle East Center، حجم النفوذ الروسي المتنامي، لا سيما في دارفور، عبر شبكات تهريب الذهب وتمويل الصراعات المحلية.

وفي مقابل هذه المحاور المتنافسة، بدت المنظمات الدولية والمؤسسات الأممية عاجزة عن صياغة مقاربة سياسية أو إنسانية فعالة، حيث فشلت مبادرات مثل “مباحثات جدة” في تثبيت أي وقف دائم لإطلاق النار، فيما إنحسر الدور الأممي في البيانات التحذيرية دون أدوات فعلية للتدخل أو الردع، في ظل انقسام مجلس الأمن، وتراجع أولويات السودان في أجندة القوى الكبرى.

تُظهِر هذه المعطيات أن تفكك الدولة في السودان لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، حيث لم يكن الخارج مجرّد متفرّج، بل كان – بدرجات متفاوتة – شريكًا في إنتاج الهشاشة، وتعزيز الانقسام، وتأطير السلطة خارج نطاق الدولة المركزية.

مستقبل الدولة في السودان: هل من أفقٍ لإعادة البناء؟

في خضمّ الانهيار المتعدّد المستويات، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح:   هل يمكن إحياء الدولة السودانية ككيان موحِّد؟ أم أنّ البلاد قد دخلت طورًا لا رجعة فيه من التفتت السياسي والمناطقي، تُعاد فيه هندسة السلطة على أساس مراكز قوى محلية، تحكمها شبكات المصالح، ومنطق السيطرة لا منطق الشرعية؟

من الناحية النظرية، يُتيح تاريخ الدولة السودانية- رغم تعقيداته- مجالًا للتعافي وإعادة البناء، خصوصًا في ظل ما يُعرف بـ”النُظُم ما بعد الصراع” (Post-Conflict State Formation)، التي تشهد فيها الدول المفككة عودةً تدريجية للمركز عبر ترتيبات تفاوضية أو إقليمية تُعيد إنتاج الدولة بشكل مغاير. لكنّ هذه الإمكانية مشروطة بعدة عوامل:

أولًا: وقف الحرب بشكل شامل ودائم، وهو شرطٌ لا يزال بعيد المنال، في ظل غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المتصارعة، وتحوّل الاقتصاد السياسي للحرب إلى موردٍ للسلطة والنفوذ.

ثانيًا: إرادة وطنية جامعة تتجاوز منطق الغلبة والانتصار العسكري، وتتأسّس على مبدأ إعادة تعريف الدولة لا بإعتبارها غنيمة أو أداة للهيمنة، بل كعقد اجتماعي يضمن مشاركة عادلة في السلطة والثروة.

ثالثًا: ضمانات إقليمية ودولية جدّية، لا تقتصر على دعم الإغاثة والمساعدات الإنسانية، بل تنخرط في هندسة حلّ سياسي قائم على الشرعية، والمساءلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بعيدًا عن محاور الاصطفاف التي عمّقت الأزمة.

بحسب ورقة صادرة عن The United States Institute of Peace، فإن السودان بحاجة إلى “عملية سياسية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وتضع أسسًا جديدة للحكم المحليّ، دون أن تُكرّس الإنفصال أو تنسف وحدة الدولة”.

لكن يبقى التحدّي الأكبر في السودان متمثّلًا في غياب الفاعل الوطني الجامع. فالمشهد السياسي بعد الثورة، ثم الإنقلاب، ثم الحرب، أفرز قوى متصارعة ومُشتَّتة، تُنافس بعضها على الشرعية وتفتقر إلى رؤية استراتيجية متكاملة للدولة القادمة.

إنّ مستقبل الدولة في السودان لن يُحدّده ميزان القوى العسكري فقط، بل أيضًا قدرة السودانيين، بمختلف مكوّناتهم، على تجاوز منطق “السلطة كإمتياز” إلى “الدولة كمشروع مشترك”. وهذا التحوّل، وإن بدا بعيدًا، يظلّ شرطًا لبقاء السودان كدولة لا كجغرافيا فقط.

آنياً ومن منحى آخر- وفي تطوّر دراماتيكي يُعيد رسم ملامح النزاع في السودان، شهدت مدينة بورتسودان- العاصمة الإدارية المؤقتة ومقر الحكومة المعترف بها دوليًّا- ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت حيوية ومقار سيادية.

هذه الهجمات، التي لم تكن معروفة على هذا النطاق في شرق البلاد من قبل، مثّلت نقطة تحوّل نوعي في سير المعركة، وأظهرت اتساع رقعة الإستهداف وتقدّم قدرات الطرف الآخر، مما قوّض إفتراضات “الملاذ الآمن” في الشرق، وزاد من هشاشة السلطة المركزية هناك.

لكن اللافت أكثر من الهجوم ذاته، هو صمت القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، أو ما يشبه “اللا ردّ” المنظّم. رأى بعض المحللين- كما أشارت تحليلات منشورة في Middle East Eye وAl Jazeera Centre for Studies- أن هذا الصمت ليس غفلةً ولا حيادًا، بل جزءٌ من استراتيجية غير معلنة للضغط على المؤسسة العسكرية السودانية، لدفعها نحو التفاوض بعد تمسّكها بخيار الحسم العسكري ورفضها لأي حلول سياسية شاملة. فبورتسودان، رغم كونها المقر الرسمي للحكومة، لم تحظَ بأي حزام حماية سياسي أو دعم علني من حلفائها الإقليميين، وهو ما يُقرأ كتلميح ضمني: إمّا التسوية أو المزيد من التعرّي الاستراتيجي.

لكنّ هذه المعادلة- التي تُبنى على توازنات قوى ومصالح إقليمية-تتجاهل الثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن السوداني. فبينما تتحرّك المسيرات في السماء لتبدّل موازين القوى، تزداد على الأرض مآسي النازحين واللاجئين والمشردين، الذين طُردوا من ديارهم وأُجبروا على عبور الحدود، أو الاحتماء بمناطق لا تتوفّر فيها أدنى مقومات الحياة. هؤلاء هم الحلقة الأضعف في سلسلة الصراع، لا صوت لهم في المؤتمرات ولا حضور في غرف التفاوض، ومع ذلك فهم من يدفع الكلفة الكاملة.

خاتمة بين سؤال الدولة وسؤال النجاة

إنّ ما يشهده السودان اليوم لا يمكن إختزاله في حربٍ بين طرفين مسلحين، ولا حتى في صراعٍ على السلطة؛ بل هو أزمة بنيوية عميقة تطال فكرة الدولة نفسها: كيف تُبنى؟ ولمن تُبنى؟ ومن يملك الحق في تمثيلها، وصياغة معالمها، وحماية حدودها الداخلية والخارجية؟ فغياب المركز، وتعدّد السلطات، وتآكل السيادة، وتداخل الفاعلين المحليين، الإقليمميين والدوليين، كلّها ليست أعراضًا عابرة، بل مؤشرات على تحوّلٍ عميق في البنية السياسية السودانية، يهدد وجود الدولة كإطار ناظم للمجتمع.

في هذا السياق، لا تكفي الحلول التقليدية، ولا تنفع التسويات الشكلية، ما لم تُصاحبها رؤية وطنية تُعيد تعريف الدولة لا باعتبارها مركزًا يُخضع الأطراف، بل فضاءً تشاركيًّا يُعبّر عن التعدّد ولا يقمعه. السودان في حاجة إلى ما هو أكثر من وقف إطلاق نار، هو في حاجة إلى مصالحة مع نفسه، ومع تاريخه، ومع هامشه، ومع مواطنيه الذين صارت الدولة بالنسبة إليهم إما سلاحًا في وجوههم، أو ظلًّا بعيدًا لا يقي حرًّا ولا بردًا.

وإذا كانت الطائرات المسيّرة قد وصلت إلى بورتسودان، فذلك لا يُنبئ فقط بامتداد النيران إلى ما تبقّى من المركز، بل يُعيد طرح السؤال الأهم: هل ستبقى الدولة في السودان ككيان؟ أم سنُعيد تعريفها بوصفها جغرافيا متنازعة تحت إدارة سلطات متعددة، تحكم ولا تُمثّل، وتُسيطر ولا تُوحِّد؟

في الإجابة على هذا السؤال يتحدد مستقبل السودان، لا فقط كجمهورية، بل كفكرةٍ قابلة للاستمرار، أو ككِيانٍ يُعاد رسمه من الخارج، وباسم الداخل، في غياب صوت الداخل الحقيقي: الموطن والمواطن!

الوسومالإمارات الجيش الحرب الدعم السريع السودان الصوملة روسيا

مقالات مشابهة

  • «زين» تقفز بأرباحها الفصلية الصافية 66% إلى 157 مليون دولار ومفاجأة في السودان
  • يونيسف: قصف مدفعي يحرم ألف مريض المياه في مدينة الفاشر السودانية
  • برلماني: مصر تمتلك الإرادة السياسية والكوادر القادرة على تجاوز الأزمات
  • التربية تنشر جدول امتحانات الشهادة الثانوية السودانية 2024 الدفعة المؤجلة
  • وزارة التربية السودانية تنشر جدول امتحانات الشهادة الثانوية الدفعة المؤجلة
  • محافظ الغربية يشهد توزيع دفعة جديدة من لحوم صكوك الإطعام.. ويؤكد: المواطن البسيط في أولويات الدولة
  • سفارة السودان في ليبيا تطلق تحذيرات مناشدات عاجلة للجالية السودانية بعد اشتباكات في طرابلس
  • محمود بسيوني: الالتفاف الشعبي حول القيادة السياسية الضمانة الحقيقية لحماية الدولة من محاولات زعزعة استقرارها
  • السودان بلا مركز: تعدد السلطات وتفكك الدولة بين الحرب وغياب السيادة
  • الجيش السوداني يحرز تقدماً ميدانياً في أم درمان ويجري عمليات إجلاء إنسانية