لجريدة عمان:
2026-06-03@00:03:02 GMT

«لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال»

تاريخ النشر: 12th, March 2024 GMT

إذ كان الأمرُ كذلك، فما أوفر المُختالين من القُصّاص والقصّاصين، فنظرا إلى أنّه من العسير إيجاد قاصّ أمير أو مأمور بإتيان القصص من قِبَل آمرٍ، فإنّ أغلب القُصّاص واقعون في دائرة الاختيال، والاختيالُ كما تُجمع المعاجم على حدّه هو التكبُّر والتبختر والزهوّ والتيه والذهاب بالنفس مذهب العلوّ والرفعة، «إن اللّه لا يُحبّ كلّ مختال فخور».

لقد عنيتُ توظيف حديث أُخرِج عن سياقه الشرعيّ في وسْم القُصّاص وتحديد منازلهم حتّى أعرض لظاهرة القُصّاص والحكّائين، لا للقصّة والحكاية في حدّ ذاتها. قلتُ إنّ الحديث خارجٌ عن سياقه وعن مقامه التاريخيّ لعلّة في نفسي أُبْديها، فأمّا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو الحديث الذي رواه عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقصّ إلا أمير أو مأمور أو مختال»، والذي وظّفه الفقهاء في لاحق الزمان لمنْع ظاهرة انتشار القُصّاص في العصر العبّاسي، وللوقوف ضدّهم، وفق سياقٍ كان فيه القصص عالقا بالتأريخ وبصدق الحكاية، صدورا عن قصص أصليّ مطلق الصدق وهو القصص القرآنيّ، الذي لا ينبغي أن يُجانَب بقَصص آخر، ويجب أن يبقى هو الصورة الوحيدة الحاملة للصدق والحق. أمّا في زماننا، فإنّ للقصّة مفهوما مختلفا، فهي التخييل، وهي الممكن، وهي الحكيُ الخارج عن مطابقة الواقع، الصادر بالضرورة عن واقع. القُصّاص في زماننا ليسوا القُصّاص في زمنٍ كان، وأدوارهم بالضرورة اختلفت، ولكن ممّا لا ريب فيه أنّ صلةً جامعة بين اختال واختلّ، وبين المختال والمختلّ، هي صلة صوتية في الدلالة المعجميّة وهي صلة نفسيّة تأويليّة في الدلالة السياقية المقامية. عندما عدت إلى لسان العرب باحثا عن معنى الختل فوجدته «الخداع عن غفلةٍ»، معانٍ تتراكم قد تُبْعدنا عن مقصود المعنى، فيكفينا من القاصّ ختلا معنيين، التباهي والجنون، فأمّا التباهي فإنّ «عُقدة الأدب» تصنع في العادة شخصيّة متعالية، متباهية بنبوّتها، وبيقينها امتلاك بصيرة ورؤية، وهي الصفة الأدبيّة التي شفّ عنها المتنبي في مقام مغاير عندما قال: «أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي/ أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي/ وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الـ/ لاهُ وَما لَم يَخلُقِ/ مُحتَقَرٌ في هِمَّتي/ كَشَعرَةٍ في مَفرِقي»، وأمّا الجنون فهو بابٌ من أبوابٍ قليلة يتأطّر فيها عامّة الداخل في عالم الأدب في هيْأته وفي حركته وفي كلامه، وفي تمثّل المجتمع له. عودا إلى أصل الموضوع، إنّ صورة القصّاص في عالمنا العربيّ جامعة بين «الرجم بالغيب»، فهو مالك عالم الأحلام، ومهندسُ عوالم الخيال، له القُدرة على صياغة عوالم ممكنة، لم تُوجَد على وجه الإحالة والإرجاع، ولكن قد تُوجَد على وجه الإمكان، في ما ينعته الفلاسفة بالوجود بالقوّة مقابلا للوجود بالفعل، فعالم القصّاص هو عالم الوجود بالقوّة، عالمٌ افتراضيّ، يقيم فيه ممالك، ويُسْقِط ملوكا وشعوبا وحضارات، يُحيي شخصيّات ويُميتهم، يبني دورا ويهدمها، عالم ممكن باللّغة يُصنَعُ وبالخيال تُقَام عناصره وبالقصص يكون جوهره. ينبغي أن يكون القاصّ مختلاّ ومختالا، إذ يعجز أن يكون آمرا أو مأمورا، فلا صاحبَ أمرٍ له فراغٌ للخيال والقصص، ولا يقبل القاصّ عموما أن يكون مأمورا، فوجب أن يكون مختالا ومختلاّ، يجب أن يفقد عقله الواعي المُدرِك، العقل المنطقي، ليُعْمل العقل السرديّ، عقل المتخيّل الذي يشدّ إليه النافر من عالم اليقين، الهارب إلى عالم الظنّ والتأويل، فهل الذي بنى «مُدن الملح» في القصص قبل أن تُبْنى في واقع الحياة هو شخص غير مختل وغير مختال؟ ينبغي أن يكون منيف مزهوّا نافرا ريشه بالعالم الذي بناه، بالمدن الملحيّة التي أقامها، ولو لم يكن له عقلٌ مختلّ، لا ينظر إلى الأشياء كما ينظر إليها عامّة النّاس، لما استطاع أن يدخل سرد العوالم الممكنة، ولبقي في السرد الحرفيّ الذي يدخل فيه الشقّ الأوفر من قصّاصي اليوم، الساردون في زماننا هو -في أغلبهم- لا يرتقون لمنزلة قصّاص القرية، أو حكّاء السمر، فهم يعيدون إنتاج الواقع رصدا وتتبّعا. القاصّ الحقّ هو ليس محضَ راوٍ يعيد إنتاج الحكايات أو يتلقّف القصص ليكتبها بلغة يُبدي فيها تيهه اللّغوي والبلاغي، القاصّ الحقّ هو متبصّر، له رؤية خارقة، مختلٌّ في حسبان ميزان العقل، كما اتّهم غاليلي بالاختلال، وكما اتّهم نيوتن بالاختلال، القاصّ في جوهره لا يخرج عن هذه الدائرة التي يُنْكَر فيها المرء بسبب أفكاره أو قصصه أو علمه، يجب أن يتوقّف هذا السيل السرديّ القصصيّ اليوميّ ليترك المجال لأصوات قد نتوه عن عمقها، وهي تُبدي رؤيتها القصصية للكون، وهي تحكي المُقبل، وتحكي الحالّ بعينٍ لا يمتلكها عامّة النّاس.

محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: أن یکون

إقرأ أيضاً:

تطورات في عالم آبل.. أول آيفون قابل للطي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

ظهرت تسريبات لصور جديدة لنموذج تجريبي (Dummy Unit) يُعتقد أنه يستند إلى التسريبات الحالية الخاصة بأول هاتف آيفون قابل للطي من شركة “أبل”، ما يمنح المهتمين بالتقنية تصورًا أوضح لشكل الجهاز المنتظر قبل سنوات من إطلاقه الرسمي.

ويُظهر النموذج المسرب جهازًا باللون الأبيض يعتمد تصميمًا قابلًا للطي على غرار الكتاب، وهو النمط نفسه الذي تتبعه معظم الهواتف القابلة للطي الرائدة في السوق حاليًا.

تصميم أكثر انسيابية

أحد أبرز التفاصيل اللافتة في الصور هو اعتماد “أبل”، وفقًا للتسريبات، على حواف وزوايا أكثر نعومة وانسيابية مقارنة بعدد من المنافسين في فئة الهواتف القابلة للطي، بحسب تقرير نشره موقع “Gizmochina”.

كما يبرز تصميم وحدة الكاميرات الخلفية بشكل واضح، حيث تبدو قريبة من لغة التصميم المستخدمة في هاتف آيفون إير وفق الشائعات المتداولة.

ويضم النموذج كاميرتين خلفيتين فقط بدلًا من ثلاث، وهو ما يتماشى مع تقارير سابقة أشارت إلى أن “أبل” قد تركز على تقديم تصميم نحيف وخفيف الوزن بدلًا من زيادة عدد المستشعرات.

 

ألوان محدودة في البداية

 

وتشير التسريبات الحالية إلى أن “أبل” قد تعتمد خيارات ألوان محدودة نسبيًا في الجيل الأول من الهاتف القابل للطي.

فاللون الأبيض الظاهر في الصور يتوافق مع الشائعات التي تتحدث عن طرح الجهاز بألوان مثل الفضي ودرجات داكنة أخرى، في حين يُتوقع أن تحصل سلسلة آيفون 18 برو على تنوع لوني أكبر.

شاشة كبيرة ومعالج قوي

وبحسب المعلومات المتداولة، قد يأتي الهاتف بشاشة خارجية قياسها نحو 5.5 بوصة، إلى جانب شاشة داخلية قابلة للطي يصل حجمها إلى نحو 7.8 بوصة عند فتح الجهاز بالكامل.

كما يُتوقع أن يعتمد على معالج A20 Pro، الذي يُرجح أن يكون من بين أقوى الشرائح التي تطورها “أبل” خلال تلك الفترة.

 

عودة Touch ID

 

من أكثر الشائعات إثارة للاهتمام حول الهاتف القابل للطي احتمال عودة تقنية Touch ID.

وتشير بعض التقارير إلى أن “أبل” قد تعتمد مستشعر بصمة مدمجًا في زر الطاقة الجانبي بدلًا من نظام Face ID التقليدي.

ويُعتقد أن ذلك يعود إلى التحديات الهندسية المرتبطة بدمج نظام TrueDepth الخاص بالتعرف على الوجه داخل هيكل قابل للطي فائق النحافة.

وفي حال تحقق ذلك، ستكون هذه أول عودة فعلية لتقنية Touch ID إلى هواتف آيفون الرائدة منذ سنوات طويلة.

 

مجرد نموذج مبني على التسريبات

 

ورغم الاهتمام الكبير الذي حظيت به الصور المتداولة، من المهم الإشارة إلى أنها لا تمثل جهازًا رسميًا من “أبل”.

فالنموذج الظاهر عبارة عن تصميم تجريبي مبني على تسريبات غير مؤكدة، بهدف إعطاء تصور تقريبي لشكل الهاتف المتوقع.

وبالتالي، قد يختلف التصميم النهائي بشكل ملحوظ عند الكشف الرسمي، خاصة أن “أبل” لا تزال في مراحل تطوير أول هاتف قابل للطي في تاريخها، وسط توقعات بأن يكون من أبرز الإطلاقات التقنية خلال السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • متى يكون التعب المزمن مؤشرًا لمشكلة صحية خطيرة؟
  • خرائط عالمنا الجديد
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • تطورات في عالم آبل.. أول آيفون قابل للطي
  • "الطيبات" في عالم الشرور!
  • بعد طرح البوستر الرسمي.. موعد عرض فيلم القصص لـ نيللي كريم
  • جدل بسبب بوستر فيلم القصص قبل طرحه في دور العرض | خاص
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟