لجريدة عمان:
2025-05-09@21:34:50 GMT

عُمان.. وطن له تاريخ

تاريخ النشر: 13th, April 2024 GMT

عندما التحقتُ بالعمل في جامعة السلطان قابوس منذ بداية افتتاحها عام ١٩٨٦، كان قد مرّ على اعتلاء المرحوم السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- ستة عشرة عاما واجهت عمان في سنواتها الأولى حروبا ضارية استغرقت خمس سنوات، وهي تجربة صعبة حينما ضربت التيارات الأيديولوچية جنوب عمان «ظفار»، وقاد السلطان الشاب حربا في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية، إلا أن إرادة العمانيين اجتمعت على الوقوف خلف هذا الابن البار الذي صمم على جمع الشمل واستثمار الموارد المتواضعة وقتئذ في خوض تلك الحرب التي وجدت من يقف خلفها لتأجيج صراع استهدف نشر أفكار وأيديولوچيات كانت أبعد ما تكون عن ثقافة العمانيين الذين التفوا حول سلطانهم الذي أصر على أن تستعيد عمان مكانتها التاريخية، وكان شعاره دائما دعوة كل أبناء وطنه إلى المشاركة في بناء الوطن وإلقاء السلاح، وهي سياسة وجدت قبولا من غالبية العمانيين، الذين التفوا حول قائدهم.

بعد عشر سنوات من توقف الحرب راح السلطان يجوب عمان من شمالها إلى جنوبها، يلتقي بالناس، يتحدث إليهم، يشاركهم أحلامهم إيمانا منه بأن إدارة الدولة بالحب والحوار هو الطريق الأمثل لتحقيق أحلامه الكبيرة، وكانت الجامعة (جامعة السلطان قابوس) واحدة من منجزات هذه المرحلة، وقد توالت المشروعات الكبيرة التي شاهدها الناس على أرض الواقع؛ شق الطرق، بناء المدارس، دخول الكهرباء والمياه النقية إلى القرى والمناطق الوعرة، إقامة المشروعات الاقتصادية في الزراعة والصناعة وكل مرافق البنية الأساسية، كنت أشعر وأنا أرقب هذه التجربة بقدر من التقدير والاحترام نحو تجربة تستحق الإشادة، في ظل تحديات صعبة، لكن إرادة الحاكم المستنير كانت أكبر من كل التحديات، كنت أرى مظاهر الفخار والامتنان على وجوه كل العمانيين، جميعهم كانوا فخورين بتجربة وطنهم.

رأيت ذلك رأي العين من خلال الجيل الأول من الشباب الذين التحقوا بالدراسة في الجامعة، جميعهم فخورون، متحمسون متطلعون نحو مستقبل عظيم يملأهم الطموح والرغبة في أن يتخرجوا من الجامعة لكي يشاركوا في هذا المشروع الكبير، كنت أتحدث معهم يحملون أحلامهم وإيمانهم بمستقبل كبير ينتظرهم، وما كان يلفت نظري طموح الفتيات وثقتهن في مستقبلهن، وإقدامهن على الدراسة، وعزمهن على التفوق، الجميع كانوا مؤمنين بالقيادة التي شاركتهم أفراحهم، وعندما تخرج الجيل الأول من الجامعة تلقفتهم مشروعات التنمية في التعليم والاقتصاد والصحة والإدارة، وكل مشروعات الدولة في مختلف المجالات، جميعهم كانوا بمثابة القاطرة التي دفعت بالمجتمع إلى مستقبل جديد من خلال قيادات شابة أعتقد أنها حظيت بتعليم جيد، بعد أن وفرت لهم الدولة كل الإمكانات ابتداء من البيئة الجامعية التي أتاحت لهم تعليما جيدا وسكنا مناسبا، ووفرت لهم القدر المناسب من الأنشطة الاجتماعية والرياضية والفنية، لكي يتفرغ الطلاب للدراسة الأكاديمية التي أقبلوا عليها بكل جد وعزيمة.

أمضيت في الجامعة ما يقرب من ست سنوات، تركتها وأنا فخور بمشاركتي في تلك التجربة التي سأظل طوال حياتي معتزا بها، ولم تفارقني هذه التجربة طوال هذه السنوات، وشاءت الظروف أن أعود إلى الجامعة أستاذا زائرا عام ٢٠١٧، لكي أتولى التدريس في الفصل الدراسي الأول، ورحت أستعيد كل ذكرياتي الجميلة في الجامعة التي التحقت بها في المرة الأولى، ولم أكن قد تجاوزت الخامسة والثلاثين عاما، وعدت إليها وأنا أقترب من نهاية الستينيات من عمري، وتضاعفت سعادتي حينما اكتشفت أن الجامعة قد اتسعت كثيرا في عمرانها، وأضافت برامج جديدة لدراسة المسرح والسياحة والموسيقى وتكنولوجيا المعلومات، وهي برامج يحتاجها المجتمع لكي يكتمل مشروعه الكبير، وقد لاحظت أن قاعات الدراسة أصبحت كبيرة، بينما كنا ندرس في قاعات صغيرة، لكن القلوب كانت أكثر شفافية، والنفوس أكثر محبة.

كنت أدرس بعض مقررات التاريخ الحديث والمعاصر للمرحلة الجامعية، فضلا عن مرحلة الماجستير، وقد تملكني شعور بالفخار حينما دخلت إلى الطلاب وعرَّفتهم بنفسي، ورحت أتحدث إليهم عن المقرر الدراسي، والمنهج الذي سوف نعمل عليه، وفي كل مرة كنت أعود إلى تاريخ عمان القديم والمعاصر، وأقارن بين العصور التاريخية ما بين عصر اليعاربة وعصر دولة البوسعيد، وصولا إلى النهضة الجديدة، التي تنشد عودة عمان إلى مجدها القديم، في ظل أدوات عصرية حديثة، لم أكن أتوقف عند المقرر الذي يدرسه الطلاب، بل كنت أقارن بين سياسات اليعاربة وسياسات البوسعيديين، من قبيل التحديات الإقليمية والاقتصادية وعوامل النجاح والإخفاق في كل تجربة، كنت كثيرا ما أتجاوز سياقات المقرر الدراسي إلى سياقات مشابهة في التاريخ العماني، الذي قد يبدو للبعض أن كل تجربة منقطعة السياق عما سبقها، إلا أنني كنت أرى أن كل التجارب تمثل سياقا متصلا، لا يفصل بين كل هذه السياقات إلا أسماء الأئمة والسلاطين والحروب القبلية، التي تجد دائما من يقف خلفها من وراء الحدود، وكل النجاحات والانتصارات التي مكنت العمانيين من السيطرة على البحار والمحيطات لم تتحقق إلا بفضل وحدة العمانيين، والتفافهم حول إمامهم أو سلطانهم، غالبا ما كنت أفتح المجال للحوار مع الطلاب، وكثيرا ما كنت أربط الماضي بالحاضر، بل والمستقبل أيضا، وكثيرا ما كنت أتوقف لكي أعود إلى الحديث عن عمان قبل عصر النهضة ومعاناة شعبها في مجالات الصحة والتعليم ووعورة الطرق، والمعوقات الهائلة التي تربط الساحل بالداخل، وهي معوقات لم تكن مادية فقط، بل كانت ثقافية واجتماعية.

الجيل الأول ممن درست إليهم في حقبة ثمانينات القرن الماضي، كانوا جميعا فخورين بتجربة وطنهم، مؤمنين بقيادتهم، وأكثر حرصا على التحصيل والاجتهاد، بينما الجيل الذي التقيت به عام ٢٠١٧، كان أكثر خبرة في الوسائل التكنولوجية والتقاط المعلومات عبر وسائل الإنترنت وبنك المعلومات، وهو أمر جيد للغاية، لكن الجيل الأول الذي كانت وسيلته الوحيدة هي الكتاب والمرجع والقراءة كان أكثر خبرة ودراية؛ فالبحوث التي يكلفون بإعدادها تعتمد على الوسائل التقليدية، وهو ما يضاعف من تعرفهم على المعلومات من مصادرها الأصيلة، بينما الجيل الجديد لا يجد مشقة، إلا أن معلوماتهم تظل قاصرة بحكم التقاط مادتهم العلمية بطريقة أسهل، إلا أنها تفتقد إلى العمق والتأصيل والبحث والتحليل، والتعرف على الآراء ، حينما يحصلون على المعلومة منزوعة السياق من تاريخها، وهو ما يفقدهم القدرة على دراسة التجربة التاريخية مكتملة، من حيث نجاحاتها وإخفاقاتها، كما لاحظت عزوف الطلاب عن القراءة، معتمدين على كتب ومذكرات معدة سلفا، يمكن أن تكون مناسبة للمرحلة قبل الجامعية.

لعل مما لاحظته أيضا عدم إلمام الطلاب بتاريخ وطنهم، والدروس المستفادة من التجارب الكبيرة، وعدم معرفتهم بمعاناة أهلهم قبل حقبة السبعينات من القرن الماضي، ولعل لهم العذر لأنهم قد ولدوا جميعا في نهايات القرن الماضي، ومعظمهم لم يكن آباؤهم قد عاصروا هذه التجربة، فهم جميعا قد ولدوا في بلدٍ شيدت فيه كل المرافق الكبيرة منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ولم يقفوا على ما بذله الأجداد والآباء من جهود مضنية، لكي يوفروا لهم هذه الحياة الكريمة، التي جعلت من عمان وطنا يفخر به الجميع، ليس في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية فقط، وإنما فيما تحقق من نجاحات سياسية، جعلت عمان موضع تقدير واحترام العالم، فضلا عن السياسات المستقلة عن كل المحاور التي دفعت بالمنطقة إلى أتون صراعات بددت الكثير من إمكاناتها وطاقاتها.

السياسة التي سلكتها القيادة العمانية منذ سبعينات القرن الماضي جعلت من عمان وطنا متفردا في كل شيء، حياديا بين كل الأطراف المتصارعة، لكن دبلوماسيته كانت دائما تؤدي دورا محوريا في تهدئة الصراعات، وغالبا ما كان موضع ثقة كل الأطراف المتصارعة، لذا احترمه العالم، وقدّرته كل القوى الإقليمية والدولية.

كنت دائما أتحدث إلى طلابي عن تلك السياسات التي لا تنفصل أبدا عن التاريخ العماني، حينما قرّر السلطان قابوس -رحمه الله- نهج هذه السياسة التي ربما كانت جديدة في المنطقة؛ اختيار طريق السلام والسعي بكل جهد وإخلاص، لكي تكون عمان داعمة لكل ما فيه الخير للمنطقة والعالم، وهي السياسة ذاتها التي سلكها جلالة السلطان هيثم بن طارق، معتمدا باقتدار على رصيد هائل من الخبرة الدبلوماسية التي اكتسبتها عمان في ظل صراعات لم تتوقف في المنطقة، وهي سياسة اكتسبها العمانيون من تجاربهم العريقة، ومن وطن له تاريخ.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: السلطان قابوس القرن الماضی الجیل الأول إلا أن

إقرأ أيضاً:

الدبلوماسية الاقتصادية ترسم مستقبل عُمان

 

 

أحمد بن علي الصبحي **

وسط التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية العالمية التي يشهدها العالم اليوم، والتحديات الناشئة عن التفاعلات الدولية في ظل تعدد القوى في النظام العالمي، تبرز سلطنة عُمان كنموذج لرؤية استراتيجية متميزة تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- حيث تجمع هذه الرؤية بين الحياد السياسي الإيجابي والدبلوماسية الاقتصادية النشطة لتعزيز مكانة سلطنة عُمان العالمية وتحقيق التنمية المستدامة وفق أهداف "رؤية عُمان 2040".

عند توليه مقاليد الحكم في يناير 2020، تعهد جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله - بمواصلة سياسة عُمان الخارجية الفريدة القائمة على الحياد السياسي الإيجابي والتعايش السلمي بين الأمم والشعوب، مستندًا إلى الثوابت الصلبة التي أرساها السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه. وإلى جانب ترسيخ نهج الحياد السياسي، وضع جلالته تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاقتصاد الوطني في مقدمة أولوياته، عبر جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فقد تبنت سلطنة عُمان مرحلة جديدة من الدبلوماسية الاقتصادية كأداة استراتيجية لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية، ودفع أهداف "رؤية عُمان 2040" نحو التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة.

في العهد المتجدد، لم تعد العلاقات الدولية بالنسبة لسلطنة عُمان تقتصر على الأبعاد السياسية أو العسكرية فحسب، بل أصبحت أداة استراتيجية لبناء شراكات اقتصادية وتجارية واستثمارية واسعة النطاق، مستثمرة الموقع الجغرافي المتميز للسلطنة ومواردها الطبيعية، ومكانتها المرموقة في المحافل الإقليمية والدولية. وقد جاء هذا التحول في وقت كانت سلطنة عُمان تواجه فيه تحديات اقتصادية جسيمة، أبرزها انخفاض أسعار النفط وتداعيات جائحة كوفيد-19، مما أدى إلى ارتفاع المديونية العامة إلى نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020. وللتعامل مع هذه التحديات، تبنّى جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- استراتيجية طموحة ترتكز على ترشيد الإنفاق، وخفض الدين العام، وتعزيز جذب الاستثمارات الأجنبية عبر حزمة من التشريعات وبرامج الإصلاح والاستدامة المالية، مدعومًا بتحركات دبلوماسية اقتصادية نشطة وزيارات رفيعة المستوى إلى العديد من الدول حول العالم.

لقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة تحولات ملحوظة في مفهوم وأدوات الدبلوماسية العُمانية. فقد أصبحت السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج تلعب دورًا محوريًا في الترويج للفرص الاستثمارية في السلطنة، وتسويق بيئة الأعمال الجاذبة، والتعريف بالمشاريع الاقتصادية الاستراتيجية، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتكنولوجيا. كما تعاونت وزارة الخارجية مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وجهاز الاستثمار العُماني، والجهات الحكومية ذات العلاقة، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، والقطاع الخاص، لتوفير بيئة استثمارية تنافسية، وتسهيل الإجراءات، وتذليل العقبات أمام المستثمرين الأجانب.

تتجلى رؤية جلالة السلطان في إيمانه العميق بأن ازدهار الشعوب وتقدمها يعتمد على بناء اقتصاد قوي ومستدام ماليًا، قائم على استثمارات نوعية تستثمر الميزات النسبية التي تتمتع بها السلطنة، سواء من حيث موقعها الاستراتيجي أو مواردها البشرية والطبيعية. ومن هذا المنطلق، جعل جلالته – أيده الله- من ملف الاقتصاد أولوية قصوى، مستهدفًا تقويته وتعزيز ممكناته بما يجعل سلطنة عُمان وجهة متميزة للاستثمار، إلى جانب تنشيط القطاعات غير النفطية، وذلك وفق الخطط الخمسية وبرامج "رؤية عُمان 2040".

وانطلاقًا من هذه الرؤية الطموحة، اعتمد جلالته- حفظه الله- الدبلوماسية الاقتصادية كأداة رئيسية لتعزيز مكانة بلدنا العزيز - سلطنة عُمان- على الصعيد الإقليمي والعالمي. وقد تجسد هذا التوجه عمليًا من خلال سلسلة من الزيارات الخارجية رفيعة المستوى التي قادها جلالته بنفسه إلى عدد من الدول الشقيقة والصديقة حول العالم، مركّزًا خلالها على توسيع آفاق التعاون الاقتصادي وبناء شراكات استراتيجية تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وأصبحت الدبلوماسية الاقتصادية اليوم ركيزة حيوية في السياسة الخارجية لسلطنة عُمان، بعدما حولتها القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم- حفظه الله- من مجرد مفهوم نظري إلى واقع عملي، انعكس في ترسيخ مكانة السلطنة كوجهة موثوقة للاستثمار وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع العالم، بما يتماشى مع طموحات "رؤية عُمان 2040". وفي إطار هذا الحراك الدبلوماسي النشط، شكلت الزيارات الخارجية لجلالة السلطان المعظم محطات مفصلية في بناء شراكات استراتيجية وتنويع علاقات السلطنة الاقتصادية.

كانت بداية تلك الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى في يوليو 2021، من خلال زيارة دولة إلى الجارة الشقيقة المملكة العربية السعودية؛ حيث تم خلال هذه الزيارة السامية توقيع مجموعة من مذكرات التفاهم والتعاون الاقتصادي والاستثماري، من أبرزها إنشاء مجلس تنسيق عُماني-سعودي لتعزيز العلاقات الثنائية، وإطلاق مبادرات استثمارية مشتركة في مجالات الطاقة وتطوير منطقة الدقم الاقتصادية، بما يتماشى مع أهداف "رؤية المملكة 2030" و"رؤية عُمان 2040". وفي نوفمبر من العام ذاته، توجه جلالته – أيده الله - إلى دولة قطر الشقيقة، في زيارة دولة وأسفرت الزيارة عن توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت مجالات تنمية الموارد البشرية، الاستثمار المشترك، السياحة، النقل البحري والموانئ، بالإضافة إلى اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي، مما أعطى دفعة قوية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، ورسخ التعاون المشترك نحو آفاق أرحب.

وفي يوليو 2022، واصل جلالته تحركاته الدبلوماسية السامية بزيارة رسمية إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، الشريك التجاري الأكبر للسلطنة في الاتحاد الأوروبي؛ حيث شهدت الزيارة توقيع إعلان نوايا للتعاون في مجال الطاقة، إضافة إلى لقاءات مع كبار قادة الأعمال الألمان لتعزيز الاستثمارات المستقبلية. وفي أكتوبر من نفس العام، كانت المحطة التالية زيارة رسمية إلى مملكة البحرين الشقيقة، أُبرمت خلالها عدد من اتفاقيات التعاون، والبرامج تنفيذية، ومذكرات التفاهم في قطاعات الأمن والنقل البحري والبحث العلمي والاستثمار، كما جرى الإعلان عن تأسيس شركة عُمانية بحرينية للاستثمار، مما يعزز الروابط الاقتصادية بين البلدين الخليجين.

في مايو 2023، واصل جلالته نهجه الدبلوماسي الرفيع بزيارة رسمية إلى جمهورية مصر العربية الشقيقة، حيث تم خلال الزيارة تعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين الشقيقين وتشجيع زيادة التبادل التجاري بينهما. وأعقبها جلالته- حفظه الله- بزيارة رسمية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، توّجت بتوقيع عدة اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة، الاقتصاد، الزراعة، والملاحة البحرية، مع التركيز على الربط المباشر بين الموانئ العُمانية والإيرانية، بما يدعم نمو التجارة البينية.

وفي ديسمبر من نفس العام، قام جلالة السلطان- أيده الله - بزيارة دولة إلى جمهورية سنغافورة، أحد أهم المراكز الاقتصادية العالمية، حيث وُقعت مذكرتا تفاهم في مجالات التنمية الاقتصادية، وترويج الاستثمار، وتسهيل التجارة. تلتها في الشهر ذاته زيارة دولة إلى جمهورية الهند، إحدى أسرع الاقتصادات نموًا في العالم؛ حيث أثمرت الزيارة توقيع مجموعة من الاتفاقيات المهمة، أبرزها إنشاء الصندوق العُماني الهندي المشترك الثالث، ومذكرات تفاهم في تكنولوجيا المعلومات والثقافة والتبادل المالي، إلى جانب إقرار وثيقة "شراكة من أجل المستقبل" التي رسمت خارطة طريق للتعاون الثنائي في مجالات الطاقة المتجددة، الزراعة، التقنيات المالية والفضاء.

كذلك هو الحال في عام 2024 فقد شهد تحركات دبلوماسية اقتصادية مكثفة رفيعة المستوى؛ حيث قام جلالته- حفظه الله- بزيارة دولة إلى الجارة الشقيقة دولة الإمارات العربية المتحدة في أبريل، وتم خلالها توقيع اتفاقيات استثمارية تشمل الطاقة المتجددة والسكك الحديدية. ثم زيارة دولة إلى دولة الكويت الشقيقة في مايو لتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والتدريب والدبلوماسية. أعقبتها زيارة دولة إلى المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، أسفرت عن اتفاقيات في التكنولوجيا والطاقة والزراعة. وفي نوفمبر، توجه جلالته – أيده الله- في زيارة دولة إلى جمهورية تركيا، حيث تم توقيع اتفاقيات اقتصادية في قطاعات متنوعة، مما عزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين. واختتم جلالته – أيده الله- عام 2024 بزيارة دولة إلى مملكة بلجيكا، ثاني أكبر شريك تجاري للسلطنة في الاتحاد الأوروبي، حيث تم توقيع مذكرات تفاهم في الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة والخدمات البحرية.

وفي هذا العام 2025، واستمرار للجهود الكبيرة في مجال الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها، قام جلالته- حفظه الله ورعاه- في إبريل بزيارة دولة إلى مملكة هولندا، شهدت توقيع اتفاقيات لإنشاء ممر بحري عالمي للهيدروجين الأخضر، مما يعزز موقع بلدنا العزيز- سلطنة عُمان- كمركز عالمي للطاقة النظيفة. تلتها مباشرة في نفس الشهر، زيارة دولة إلى روسيا الاتحادية، تم خلالها التوقيع على بروتوكول تعاون لإنشاء لجنة اقتصادية مشتركة، ومناقشة سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، وفرص الاستثمار المشترك بين البلدين في مختلف القطاعات. كذلك قام جلالته – أيده الله- بزيارة دولة في بداية هذا الشهر -مايو- إلى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون الاستثماري بين البلدين في مجالات مشتركة مثل: الأسمدة والطاقة وصناعة السيارات. كما تم إنشاء "الصندوق الجزائري العُماني للاستثمار" لدعم وتوسيع الاستثمارات الثنائية بين البلدين الشقيقين. 

لقد أثمرت الدبلوماسية الاقتصادية والجهود الكبيرة والزيارات السامية التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في خفض نسبة الدين العام من نحو 68% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 إلى حوالي 34% بحلول عام 2025، مع تراجع قيمة الدين العام من 21 مليار ريال عُماني إلى نحو 14.4 مليار ريال. كما شهدت سلطنة عُمان انتعاشًا كبيرًا في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، الذي تجاوز 30 مليار ريال عُماني مع نهاية عام 2024، مسجلاً نمواً بنسبة 18% مقارنة بنهاية عام 2023. كما ارتفع التصنيف الائتماني لعُمان إلىBBB-  مع نظرة مستقبلية مستقرة من قبل وكالة "ستاندرد آند بورز"، وBB+ من وكالة "فيتش"؛ مما عزز ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني.

كذلك أثمرت الإصلاحات والتشريعات الاقتصادية والاستثمارية التي يقودها جلالة السلطان هيثم- أيده الله- عن نتائج بارزة؛ حيث ساهمت في تعزيز مكانة عُمان كمركز استثماري عالمي، وانعكست على تحسن مؤشرات الأداء الاقتصادي. فقد تمكنت في عام 2024 من التقدم 20 مرتبة في مؤشر مدركات الفساد لتأتي في المرتبة 50 عالميًا من ضمن 180 دولة، كما تقدمت السلطنة 39 مرتبة في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2024، وحققت المركز 11 عالميًا في مؤشر ريادة الأعمال. كما يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.4% خلال عام 2025؛ مما يؤكد متانة الاقتصاد العُماني وكفاءة الإصلاحات التي تم تنفيذها ضمن رؤية عُمان 2040.

ختامًا.. يمكن القول إن الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- تمثل رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى رسم مستقبل سلطنة عُمان الزاهر، وتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة بلدنا العزيز كقوة اقتصادية متعددة الأبعاد؛ فبفضل هذا النهج المدروس، استطاعت سلطنة عُمان أن توسع شبكات علاقاتها الاقتصادية الدولية، وتجذب استثمارات نوعية تدعم خطط التنويع الاقتصادي، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز، وإرثها الدبلوماسي العريق، ورؤيتها الطموحة لـ "عُمان 2040".

وفي ظل هذه الجهود السامية رفيعة المستوى، تمضي سلطنة عُمان بثقة نحو ترسيخ دورها كلاعب محوري في مشهد الاقتصاد الإقليمي والعالمي، واضعة نصب عينيها بناء مستقبل مزدهر لأبنائها، ومكانة مرموقة لها في مصاف الدول المتقدمة.

** طالب دكتوراه في العلاقات الدولية (الدبلوماسية الاقتصادية)

مقالات مشابهة

  • جلالة السلطان يهنّئ بابا الفاتيكان
  • جامعة السلطان قابوس تختتم يومها السنوي وتكرم 241 مجيدًا
  • عاجل - الجامعة العربية تُشيد بجهود سلطنة عمان في إنجاح اتفاق وقف إطلاق النار في اليمن
  • عمان الأهلية تُشارك وتُساهم برعاية المؤتمر 11 لصحة السمع والتوازن 2025
  • الجامعة العربية تثمن جهود سلطنة عمان في تحقيق وقف إطلاق النار في اليمن
  • «قصر السلطان».. قصة نجاح من عبق البيئة العُمانية
  • فوز طلبة جامعة صحار بالمركز الأول في "مسابقة الترجمة" بجامعة السلطان قابوس
  • شراكة استراتيجية بين "أبراج لخدمات الطاقة" و"سوناطراك"
  • الدبلوماسية الاقتصادية ترسم مستقبل عُمان
  • جلالة السلطان يهنئ المستشار الألماني