في الذكرى الأولى لطوفان الأقصى.. لماذا تقاعسنا وكيف ننصرهم؟
تاريخ النشر: 8th, October 2024 GMT
بعد مرور عام على معركة طوفان الأقصى ووصول الإبادة الجماعية في غزة إلى ذروتها ودخول لبنان على خط المعركة الدائرة حاليا، أصبحت الصورة التالية هي التي تملأ المشهد كاملا دون حتى استثناءات بسيطة تقلل من حُمرة الخجل أو ترفع الحرج عن الأمة كل الأمة.
هذا المشهد هو أن غزة تقف وحيدة وتدفع أثمانا باهظة نصرة لفلسطين والأقصى، بحيث أصبحنا أمام مشهد أسطوري بلا مبالغة، أمة غالبيتها الساحقة في موقع الفرجة وأقلية مرابطة هي التي تدافع عن أقدس مقدسات الأمة، كم ستسخر منا كتب التاريخ والأجيال القادمة!!
هذا الخلل ليس فقط في عوام الناس وبسطائهم، ولكنه كذلك في الرموز والساسة والنخب وأهمها الحركات الإسلامية السنيّة والتي من المفترض أن هذه هي معركتها الأولى وميدانها الأول، ولكن كان ولا يزال مستوى فعلها ضعيفا ومهترئا وكاشفا لحالة ضياع البوصلة والفاعلية منها.
غزة تقف وحيدة وتدفع أثمانا باهظة نصرة لفلسطين والأقصى، بحيث أصبحنا أمام مشهد أسطوري بلا مبالغة، أمة غالبيتها الساحقة في موقع الفرجة
وتلفت الناس من حولهم تملأهم تساؤلات كثيرة ممزوجة بمرارة على حالنا وعجزنا عن نصرة أهلنا في فلسطين وشعور عام باليأس والإحباط يعتري الجميع، هذه الصورة اليوم أشبه تماما بالوضع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتداد معظم قبائل العرب عن الإسلام أو منعها الزكاة وظهور مدّعي النبوة وتفكك الدولة الوليدة.
كانت الأمة في حالة فوضى عارمة، كانت (الأمة) يائسة حزينة مرتدة في غالبها لقد مات النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وقائد الدولة الفذّ وانقطع الوحي من السماء!
القائد والنخبة القائدة
حينها برز دور الفرد القائد والنخبة القائدة، قام سيدنا أبوبكر الصديق بضبط البوصلة سريعا بخطبته الشهيرة في عمر وباقي الصحابة (معركة الوعي)، فلما ضبط معركة الوعي حين قال "من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
هذا القائد هو من أخذ بذمام المبادرة، لم يختف خلف الشاشات الزرقاء أو يتوارى خلف منصات التواصل، لكنه قام في الناس خطيبا موجها مرشدا من ميدان العمل والحركة وليس ميدان التنظير والتفكير فحسب.
التّفت النخبة (كبار الصحابة) حول قائدها، فلا يمكن أن تتحرك نخبة فاعلة خبط عشواء، لا مكان هنا للجهود الفردية دون إطار جماعي ضابط وقائد يرسم معهم وبهم معالم الطريق، انتقلت هذه النخبة سريعا لاختيار القائد الذي سيقود المرحلة وبعد مداولات نعرفها جميعا، وقبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم تم اختيار القائد سيدنا أبو بكر الصديق وحوله نخبة فاعلة متجردة.
كيف سنوقف الفوضى الحاصلة؟
ولأن الفتنة كبيرة والإسلام -ظاهريا- أمام الجميع ينتهي وغالب المسلمون ارتد وهناك أدعياء للنبوة كثُر، وربما خلال ساعات أو أيام قليلة تنقضّ هذه القبائل على آخر قلاع الإسلام في المدينة وتموت النخبة مع قائدها.
ومن شدة الفتنة ووطأتها اختار الفاروق عمر، وهو الرجل ذو البأس الشديد الذي يخاف منه الشيطان، رأيا ليس معتادا من مثله حين أراد القبول مرحليا بمن يرفض الزكاة حتى تستقر الأوضاع، لكن هناك جملة صغيرة قالها سيدنا أبو بكر لعمر: "والله لو منعوني عقالا مما أخذ النبي منهم لقاتلتهم عليه". هذه الجملة تعني شيئا واحدا، أن سيدنا أبا بكر لديه "مشروع" واضح في ذهنه وحريص على إنفاذه مهما كان الثمن، وهو الحفاظ على الإسلام كما هو من غير أن ينقص منه شيئا واحدا، كانت الصورة واضحة تماما في عقله وعقل من حوله من النخبة الممتازة، وهي هنا الإسلام كما جاء به النبي الخاتم.
ويتضح ذلك في أوضح صورة في حديثه الخالد مع سيدنا عمرك (وقال عمر: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فأجابه أبو بكر: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك؟ أجبّار في الجاهلية وخوار في الإِسلام؟ إنه قد انقطع الوحي، وتمَ الدين، أوَ ينقص وأنا حي؟ أليس قد قال رسول الله إلا بحقها، ومن حقها الصلاة وإيتاء الزكاة، والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي). لقد توفر القائد الفذ، والنخبة القوية الشجاعة التي تلتف حول قائدها وتوفر المشروع الواضح لقيادة المرحلة.
لقد حدد القائد بعد نقاش مع النخبة الفاعلة مشروعه بجلاء وعزيمة قوية لا تلين، فالفتن الكبرى لا يصلح معها مواءمات ولا أنصاف حلول أو مواقف ولا ميوعة فكرية ولا طبطبات عاطفية، في وقت الفتن والمحنة تخون النخبة دينها إن بحثت عن النجاة لنفسها دون أمتها، إنّ ظنّت أن وجودها وبقاءها أهم من فلسطين والأقصى (والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي)، فهل نعي الدرس ونفهم الإشارة؟ أم نفضّل البلادة العقلية لأنها مريحة نفسيا؟!
كيف سنفعل هذا التغيير؟
بعد اختيار القائد ونخبته الفاعلة واتضحت الأبعاد الاستراتيجية لمشروع التغيير أو خطة الإنقاذ، وكان في هذه الحالة الحفاظ على الإسلام والدولة كما هما، قام التغيير على نقطتين محوريتين الحوار مع القبائل -معركة الوعي- لمحاولة ردهم إلى الحق والقتال لمن يرفض مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات.
ماذا قدمت النخبة الفاعلة؟
التضحية بالنفس كاملا غير منقوص، فمعظم الحفاظ والقرّاء من الصحابة استشهدوا في معارك وقف الفوضى الحاصلة بعد وفاة النبي الخاتم، حيث مات من الصحابة أو التابعين نحو سبعمائة شخص منهم ٧٠ من حفظة القرآن، ومن المرتدين نحو ٢٠ ألفا، في معارك شرسة عُرف بعضها بحديقة الموت، حيث مات فيها وحدها نحو عشرة آلاف، وفي كتب السيرة تفصيل واف لمن يريد.
ماتت النخبة الممتازة وهي تضحي في سبيل ما تؤمن به، لم تكثر الحسابات والتعقيدات، لم تقل نحافظ على وجودنا من الضياع أو الحفاظ على نصاب البقاء!!
لم تفتنهم السلطة أو هوامشها التي عاشوا أو يعيشون فيها، لم تكن أيديهم مرتعشة ومواقفهم فقط لتسجيل الحضور، ولكنهم كانوا يعملون بكل طاقتهم لتغيير الواقع المرير سريعا وبكل التضحيات المطلوبة والمستحقة.
لم يقولوا لا طاقة لنا اليوم بالمرتدين وقوتهم، لم يجلسوا للتنظير والتأطير ووضع المعوقات والحواجز، لقد أدركوا فقه اللحظة وواجب الوقت وانطلقوا بعين الله في طريقهم، فكانت عناية الله تحوطهم ويده تعمل معهم في خفاء حتّى كان النصر حليفهم وعادت دولة الخلافة الراشدة وعادة الإسلام كما هو.
وفي القصة تفاصيل كثيرة ودروس أكثر مما لا يتسع المقام لذكرها في هذا المقال، لكنّ الحر يفهم بالإشارة والعبد يقرع بعصا الذُل والمهانة.
وبالتالي نحن ينقصنا القائد المتجرد ذو العزيمة القوية والنخبة الممتازة المضحّية والمشروع الذي تجتمع عليه هذه النخبة، حاليا واقعنا البائس يقول إننا لا نحب العمل كفريق ونكره وجود قيادة تحركنا ونعتبر أنفسنا جميعا قادة واستثنائيين.
على هذه النخبة الفاعلة أن تتحرك وتتآزر فيما بينها وتنسق فيما بينها وربما تختار إطارا أوسع يقوده من تختاره من ذوي العزائم والعقول والقلوب، ثم تضع لنفسها مسارا عريضا للحركة لإحداث التغيير فعليا في بيئة عملها على قدر مواردها المتاحة
نحن ممتازون في هدم القدوات والرموز التي قد تكون نافعة للأمة في وسط آلاف التافهين المتصدرين، نحن لا نملك شجاعة التضحية ولا شجاعة الالتزام ولا التجرد لنقدّم إلى الأمام ولو على أنفسنا من يُحسن ويبرعُ.
نحن نقمع الشباب ونهمشهم ويصرّ بعضنا على العيش في دار للعجزة والمسنين -فكرا وممارسةً لا سنا- على أن يبني جيلا من القادة يرعاهم على عينه ويفخر بهم أمام ربه، نحن مشغولون بدنيانا حتى الثمالة، نبحث عن المساحات الآمنة اللذيذة التي لا تعب فيها ولا نصب، نفعل ما نحب فعله لا ما ينبغي فعله.
كثرت بيننا -إلا من رحم ربي- شبكات المصالح وأخوة المصالح وعلاقات المصالح، وتوارت شبكات الحب في الله وأخوة القلوب الأرواح وعلاقات التجرد والنقاء، فكيف يمكن وهذا حال غالب نخبنا -وليس كُلنا- أن ننصر فلسطين والأمة؟!
من قد يزعجه كلامي السابق ويثير حفيظته ويرى أنّه ليس من هؤلاء في جلسة صفاء مع نفسه وربه، فلهؤلاء وحدهم أقول لهم: لن يتحقق النصر والنصرة في عالم الواقع وليس في العالم الافتراضي، إلا إذا تحركت كل نخبة ممتازة صفاتها كما أسلفنا واختارت قائدها وبنت مشروعها مستظلة برعاية الله ومستمدة منه العون والمدد.
ثم على هذه النخبة الفاعلة أن تتحرك وتتآزر فيما بينها وتنسق فيما بينها وربما تختار إطارا أوسع يقوده من تختاره من ذوي العزائم والعقول والقلوب، ثم تضع لنفسها مسارا عريضا للحركة لإحداث التغيير فعليا في بيئة عملها على قدر مواردها المتاحة.
بدون هذا ستظل غزة وفلسطين ولبنان والسودان واليمن وباقي جراحنا النازفة تعاني وتشكو إلى الله حالها، وستظل صورة غزة الوحيدة التي بدأنا بها المقال هي عارنا المجلل في جنبات التاريخ.
x.com/Mamdouh_Almonir
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه غزة نصرة فلسطين فلسطين غزة نصر خذلان مقالات مقالات مقالات تكنولوجيا سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هذه النخبة فیما بینها
إقرأ أيضاً:
عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟
طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.
فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".
وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.
في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".
إعلانأما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".
في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".
وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".
ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.
وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".
وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".
وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".
إعلانثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".
حقيقة جوهرية
وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.
وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.
وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.
وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.
وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.