يمانيون:
2026-07-24@21:58:49 GMT

أيقونةُ كلّ بني الإنسان.. تشييعٌ للبقاء

تاريخ النشر: 23rd, February 2025 GMT

أيقونةُ كلّ بني الإنسان.. تشييعٌ للبقاء

مصطفى عامر

لم يكن مشهدًا لتشييع سماحة السيد حسن، فحسب؛ بقدر ما كان مشهدًا لتعريف لبنان مجدّدًا، وكما ينبغي. بل: وتجديد العهد -حتى على مستوى أحرار العالم- بالاصطفاف إلى جوار القيم الإنسانيّة النبيلة.

بكل حياد، وبمنأى عن كُـلّ عاطفة، ينبغي الاعتراف بأن سماحة السيد حسن، وبإثبات مشهد التشييع، أكبر من أن تختزله طائفة، أَو تحتكره لبنان، أَو يُحسب رمزًا -فحسب- من رموز العرب، أَو باعتبَاره زعيمًا تاريخيًّا من زعماء المسلمين.

لقد أحبّه كُـلّ الأحرار في العالم، ومع الوقت فسوف يتم تداول اسمه كرمزٍ إنسانيٍّ متجاوزٍ لوضعه الطائفي، وانتمائه الدينيّ، وبلدته لبنان، ومحيطه العربي، وزعامته الرّوحيّة لدى كافة المسلمين.

ومثلما تحولت فلسطين إلى أيقونةٍ لكلّ بني الإنسان، في الطوفان هذا على الأخص، ورمزٍ لكل الأحرار الذين يرفضون هيمنة الطاغوت، ونهج الشيطان، وتسلط الغرب المستعمر البغيض، واليــهوديّ القذر، وشوفينيّة الاستكبار الجديد!

وفي بيروت، ذهب كُـلٌّ للاحتفاء برمزه الخاص، وتجديد العهد على ذات نهجه؛ ولأنّ سماحة السيّد، وصفيَّهُ بضعةٌ منه على نهجه، وكما أثبت تشييع اليوم: لم يكن رمزًا شيعيًّا فحسب، ولا إسلاميًّا فحسب، ولا لبنانيًّا فحسب، ولا عروبيًّا فحسب، ولكنه كان رمزًا متجاوزًا للمألوف، ويحبّه كُـلُّ النّاس وكأنّه قائدُهم وحدَهم!

لقد خَلَقَ لبنانَ متجاوزًا للمحاصصة؛ إذ بات رمزًا لكلّ الأحرار من كافّة طوائفها؛ ليبرز أن الطائفيين أعداؤه؛ ولأنهم لا يستطيعون حتى أن يظهروا إلى جواره، أَو أن يلتفت إليهم الناس -حتى- دون استغلال نظام المحاصصة، أَو في أغلب الأحيان، وإن تحرينا الدقة:

دون استغلال أحقاد “بعض” أبناء النفط، وعيال “الغاز”، ومخلفات عهد إنطوان لحد، وبشير الجميّل، وإفرازات التاريخ الخيانيّ العفن، والمعروف، والمُبرهن بالوقائع المثبتة على صفحات تاريخ لبنان الحديث.

من يزايدون بتجاوز “سقف الطائف”، إذن، هم الخاسر الأكبر بالفعل؛ ولأن حالة اليوم تتجاوز عمليًّا -وبالحب لا غيره- كُـلّ سقوف لبنان الحرب الأهلية وما تلاها!

ما حدث اليومَ استفتاءٌ أَيْـضًا على خيار المقاومة، رفضٌ بالتأكيد لمحاولات “تزييف لبنان”، وفي بيروتَ تحشّد لبنان الحقيقيّ لتشييعِ محبوب لبنان الحقيقيّ!

لتلقى في ساحة التشييع سُنّيًّا يعزِّيه أخوه الشيعيّ، يحتضنهما ثالثٌ مارونيٌّ، رابعٌ دُرزي! العمامةُ تلقاها والقلنسوة؛ القوميّ إلى جوارِ الشيوعيّ؛ والشيخ إلى جواره قسيس.

جميعُهم يهتفون: هيهاتَ منا الذلة، وجميعُهم يهتفون: إنّا على العهد، وجميعُهم يبكون محبوبهم، كُـلٌّ بعينه ومن زاويته.

لكنه كان لبنانَ بمجموعه جميلًا، حُرًّا، متحابًّا، عروبيًّا، مُقاومًا، قارئًا، ويعرف الفرق -بالتأكيد- بين الحقيقة التي ستُروى، وبين الزيف المبهرج المنحطّ المصطنع!

من يأبه بعدها بديما أَو نعيم، باللقيس أَو أليسا، بالـ mtv أَو الجزيرة أَو العربيّة الحدث، ما دامت كلها وجوهً للقناة الـ ١٤ العبرية، أَو من أفراخ الوحدة 8200!

على الأقل، وحتى لمن ينادون بتجاوز المحاصصة إلى الدولة، فلا وجه للقياس بين الجمهور والجمهور؛ ولا أحد يستطيع منافسة سماحته شهيدًا على أية مكانة، كما كان لا يستطيع -تمامًا وبالضبط- منافسته بيننا على أي مكان.

ليس في لبنان فحسب، ولكن في كُـلّ ديار العرب الأقحاح!

ليكشف الميدان، وبالفعل، أن العملية تحتاجُ -كي تستحوذَ على القلوب والعقول- جهدًا أكبر من تفريخ النشطاء واستنساخ المذيعين، وشراء تردّدات النايلسات، أَو تخليق الذباب على منصات التواصل!

إن الناس دائمًا أذكى من هذا، وأصعبُ مراسًا، ويعرفون التمييزَ بين الجيد والرديء، بين الحقيقة والزيف، بين النقيّ والمخلوط عمالةً لأعداء الأمة، بين الرجل الحقّ وبين أشباه الرجال، وأتراب البغال، وقيعان النعال، وأحفاد النغال، بين الذين يشبهون سحنة الأرض وعنفوان الجبل، وبين أُولئك الذين لا يشبهوننا، ولا يشبهون لبنان، ولا يشبهون تاريخَ العرب، ولا يشبهون حتى أبناء الإنسان.

من يملك الحد الأدنى من الأخلاق المتعارَف عليها بين كافة بني البشر، إلى الآن ومنذ آدم الطّيب النّقي المؤمن الأول!

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: ا فحسب

إقرأ أيضاً:

الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس

الأشرار دائمًا يفتخرون بقوتهم وشدتهم في أذية الناس، وكلما سنحت لهم الفرص لا يتأخرون في ظلم الآخرين وإلحاق الضرر بهم، سواء كان الاعتداء ماديًا أو معنويًا، ولا يتعظون بمن سبقهم ولقي مصيره المستحق، حتى ولو بعد حين. يصمون آذانهم عن الوعظ والإرشاد، وطلب التمسك بالمبادئ والأخلاق الحسنة والمعاملات الإنسانية، لذلك هم زمرة منبوذة كثيرًا في المجتمعات.

يقول الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك". أبعد هذه النصيحة نُعرض عما أتت به السنة والسلف الصالح؟ وقد ورد في الكتاب المبين العديد من الآيات البينات التي تحث الناس على العفو والصفح والتواضع والرفق بالآخرين، عندما يكون بمقدورهم إلحاق الأذية بمن هم أضعف منهم حالًا وحيلة. ففي قوله تعالى في سورة آل عمران يدعونا المولى عز وجل إلى التوبة بقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

متى يُعرف معدن الإنسان؟ في الواقع، هناك الكثير من المواقف التي تظهر لنا معادن البشر، سواء في "السلب أو الإيجاب"، لكن أوضح العلامات التي تكشف لنا معدن الإنسان، بحسب ما شخصه وذكره علماء الدين والفكر: "يظهر معدن الناس في الحالات التالية: عندما يملك الإنسان القدرة على البطش، فيختار العفو، وعندما يملك الكلمة، فيختار الصمت، وعندما يعرف مواضع الضعف، فيترفّع عن استغلالها".

عندما يصفح الإنسان عن أخيه الإنسان، فهذا ليس ضعفًا، وإنما هي قوة نفس سامية تفيض بالسلام، وقلب يرفض أن يتلوث بما أصابه من بأس أو ضر، فهنا يتجلى العفو عند المقدرة. فالإنسان الذي يخاف الله يترفق بالعباد، وبفعله السديد يرتفع إلى مقام لا يبلغه إلا الكبار بحسن أعمالهم ونبل أخلاقهم.

إذن، القوة الحقيقية ليست بالأجساد المفتولة بالعضلات، والأصوات العالية بالسباب وتوجيه الشتائم، وإنما هي هداية من الله تعالى، تحجزه عن الخطأ. فالبعض يُسلِّم مظلمته لله تعالى، وذلك يقينًا صادقًا بأن عدالته فوق كل ذي عدل، وأعدل من كل انتقام. فالبشر، مهما أغلظت قلوبهم واسودت من شدة الغضب وحب الانتقام، لن يستطيعوا استرداد كل حقوقهم في كل مرة، لكن الله تعالى هو الذي يقتص من الظالم ويذيقه بمثل ما أذاق به الآخرين.

إن جمال النفس للإنسان لا يُقاس بحالته الاجتماعية، ودرجته الوظيفية العالية، ولكن بتواضعه وبأخلاقه السامية، ونفسه التي تترفع عن أذية الآخرين، لذا ينال رضا الله والناس معًا.

من المعلوم لدينا بأن كل تجربة يعيشها الإنسان تضيف إلى شخصيته قوة المواجهة بالحجة والبرهان، وتحد من استخدامه سلطته بالقوة والإفراط في توجيهها للتعسف بالناس. فكلما كبر الإنسان في عمله، زانَت الحكمة عقله، ونضجت روحه من أي فكر طائش متهور.

لقد أوجدنا الله تعالى على هذه الأرض، وأمرنا بالسعي في مناكبها بما يحفظ كرامتنا وكرامة الآخرين من حولنا، وعلمتنا الحياة أن ننهض بعد كل سقوط، لأن ذلك هو الأجمل والأنجع من أجل الاستمرار في معترك الدنيا وتحمل كافة الظروف.

مما سبق ذكره، هناك دعوة لكل إنسان يعيش يومه بهدوء في أي زاوية في هذا العالم، عليه أن يتذكر دائمًا بأن الأرزاق تأتي من السماء، وأن الله تعالى مطلع على عباده، فإذا تأخرت عليك الأمنيات، أو أتعبتك الحياة، فلا تشتكِ إلا إليه سبحانه، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فربما ما فاتك قد يكون رحمة، وما ينتظرك بإذن الله أجمل مما تتخيل، فالله يجبر الخواطر، ويعوض الصابرين خيرًا بصبرهم، ويفتح أبواب الفرح من حيث لا يحتسب المحتاج إلى عطفه وعطائه.

القدماء كانوا ينظرون إلى العلاقات الإنسانية كالطيور، وحتى تبقى معك، عليك أن تكون حريصًا على ألا تمسكها بقوة فتموت، ولا بضعف فتطير نحو السماء، ولهذا عليك أن تمسكها بحرص وحنان، والاحترام والاهتمام، لتبقى معك وإلى النهاية. كذلك العلاقات الإنسانية يجب أن تكون برفق ولين حتى تستقر أحوال الناس، وتظل ذكراك الطيبة كعطر يفوح في الأماكن التي تُذكر فيها بخير.

مقالات مشابهة

  • الياس الحويّك... بطريرك الإنسان قبل أن يكون بطريرك لبنان الكبير
  • وسط مشاعر الحزن.. تشييع جثمان القمص هدرا عطية بحضور الأنبا مكسيموس
  • الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
  • عقوبات أوروبية على قضاة إيرانيين لـانتهاكهم حقوق الإنسان
  • حين تُكسَر المكانة قبل الرأي
  • حسّ الجماد 2
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • تشييع جثمان الشهيد هشام عبدالحي في بني حشيش
  • قائم بالأعمال جديد يتسلم مهامه بسفارة السودان في لبنان ويبحث التحديات الإنسانية والحقوقية