سودانايل:
2026-07-23@21:56:02 GMT

السودان: جدل الهوية والانقسام

تاريخ النشر: 1st, March 2025 GMT

لا تُشكّل الحكومة الموازية في السّودان والموقّع على ميثاقها مؤخّرًا في نيروبي انقسامًا سياسيًّا بالمعنى المعروف، ولكنها تعكُس أيضًا انقسامًا قبليًّا وعِرقيًّا وثقافيًّا تسبّب ضمن عوامل أخرى في هذه الحرب بالسودان، بحيث لا يُمكن أن يُحسم الصراع بمستوياته المتعددة على المستوى العسكري فقط، ولكن لا بدّ من التعامل مع تجلّياته القبليّة والثقافية.



على الرَّغم من المشاركات الرّمزية في هذه الحكومة من قوى سياسية غير "دارفوريّة"، ولكنّها في ظنّي تحالفات مؤقتة لن تصمد كثيرًا، نظرًا لارتباطها بمصالح وصفقات مالية أكثر من كونها تعبيرًا عن مشروع سياسي متماسِك، حيث لن يصمد في الأخير خلف مشروع قائد قوات "الدعم السريع" إلّا هؤلاء المنتمون إلى مشروعه الجِهوي والقبَلي.

هذا الانقسام كان مِعْوَل إضعاف للمكوّن المدني والقوى السياسية السودانية بشكل عام، تحت مظلّة تفاعلات ثورة ديسمبر/كانون الأول السودانية منذ عام 2018 وحتّى اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، بحيث أصرّ الدارفوريّون خصوصًا وقوى ما يُسمّى بالهامش عمومًا، على أن يضمنوا حقوقًا سياسية على أساس عِرقي، وذلك على حساب الوثيقة الدستورية ذات الطابع القومي التي وقّعتها القوى الثورية مع المكوّن العسكري في أغسطس/آب 2019.

في هذا السّياق، موقف رئيس "حزب الأمّة" ذي الطابع القومي تاريخيًا الذي انحاز على أساس قبَلي لقوات "الدّعم السريع" وحكومتها، ليس متفرّدًا، ذلك أنّ وزراء ومستشارين وولاة شاركوا في الحكومات القومية السودانية، ولكنّهم لم يعتبروا ذلك تمثيلًا كافيًا للإقليم الدارفوري أو لهويتهم خصوصًا إذا كانت من أصولٍ زنجية، كما نستطيع أن نلمح راهنًا حالة حبور غير معلن بكلمات ولكنّه ملاحَظ على الوجوه لدى قطاع من النّخب الدارفورية مع كل نصر تُحقّقه قوات "الدّعم السريع" في مناطق الشرق والوسط بالسودان، ليس كتعبير عن انحياز سياسي أو قبَلي فقط، ولكن أيضًا ربما ما يمكن وصفه بحالة رد اعتبار نفسي على الفظائع التي ارتكبها نظام البشير ضدّ الدارفوريين في حرب الصّراع على السلطة مع التّرابي عام 2003، وهي ورقة حاول البشير في أيامه الأخيرة أن يستخدمَها بتحميل الغرب الدارفوري مسؤولية الثورة على نظامه السياسي، ولكنّه قوبل بروح قومية سودانية، حيث تمّ رفع شعار "يا عنصري يا مغرور... كل البلد دارفور"، ولكنّ هذا الشعار لم يكن سوى حالة مؤقتة الأبعاد العِرقية والقبَلية إلى جانب الأسباب السياسية في الصّراع العسكري السوداني، تشير إلى أنّ خطورة الحكومة الموازية من شأنها أن تُعقِّد المشهد السوداني، وتُسفر عن امتداد للصّراع العسكري لسنوات مقبلة وهو تطوّر يدفع إلى التقدير أنّ السودان ذاهب إلى أحد سيناريوَيْن؛ إمّا تشظٍّ كامل في حالة اندلاع صراعات جهوية وقبَلية في مناطق أخرى على التراب الوطني السوداني، أو انقسام إقليم دارفور مع عدم امتلاكه لشروط الاستقرار أيضًا.
التساؤل هنا؛ هل يمكن أن ينجوَ السودان من هذه المآلات المفزعة، وعلى من تقع مسؤولية إنقاذه من مصير بائس مؤثّر سلبًا في العرب عمومًا ومصر خصوصًا؟.

في ظنّي أنّ تحقيق الجيش لانتصارات عسكرية خصوصًا في العاصمة، وقدرته على السيطرة على وسط السودان وصولًا إلى حدود كردفان ودارفور، يمكن أن يفتحا الطريق أمام إدراكٍ جديد أمام القادة خصوصًا الفريق عبد الفتاح البرهان، بشأن ضرورة التسوية السياسية، وذلك في ضوء تعقيدات هذا الصّراع على المستوى الاجتماعي والثقافي، وضرورة إنهائه حفظًا لحياة المدنيين السودانيين من ناحية، والحفاظ على كامل التراب الوطني السوداني من ناحية أخرى.
على أنّ هذه الخطوة لو حدثت من جانب قائد الجيش في هذه المرحلة فلن تكون كافية، فالمطلوب وعيٌ اجتماعيٌ يقود حزمة من التدخلات والمجهودات الأهلية والمدنية الموازية لجهود إنهاء الحرب على المستوى العسكري.

في هذا السّياق، ربما تكون هناك مسؤولية ملقاة على عاتق النّخب الثقافية السودانية، وذلك في إدارة حوارات بشأن التوسّع في نشر ثقافات قبول الآخر، ورفض الاستعلاء العنصري، والتأكيد على الروابط الاجتماعية بين السودانيين، في مقابل سرديّات التقسيم والتهميش والتعالي، بحيث تكون البوابة الكبرى لهذا الأداء هو الاعتراف بالتنوّع العِرقي الثقافي السوداني على النحو الذي مارسته كلّ من المغرب والجزائر مع "الأمازيغ".

إنّ هذه المجهودات في حالة الوعي بها من جانب المثقفين السودانيين والنّخب المستقلة، وكذلك ممارستها، ربما تقود إلى حالة اندماج وطني مطلوب لتأسيس دولة يمكن أن تملك شروط الاستقرار السياسي، وبالتالي تخطو خطوات طال غيابها بشأن تنمية متوازنة ومستدامة.

(خاص "عروبة 22")  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: خصوص ا

إقرأ أيضاً:

تظاهرة حاشدة في تعز تدعو للحسم العسكري وفك الحصار وتتضامن مع السعودية

شهدت مدينة تعز صباح اليوم تظاهرة جماهيرية حاشدة، مؤيدة لقرارات مجلس القيادة الرئاسي، طالبت بفك الحصار الحوثي واستكمال معركة التحرير.

وأعلن المشاركون دعمهم قرار استئناف تصدير النفط باعتباره خطوة لتعزيز الموارد السيادية ودعم الاقتصاد الوطني.

ودعت المظاهرة الحكومة الشرعية إلى سرعة الحسم العسكري، معلنة التضامن مع السعودية ضد التهديدات الحوثية، الأخيرة.

مقالات مشابهة

  • الخارجية السودانية: واشنطن تجاهلت التعاون الثنائي بشأن مزاعم الأسلحة الكيميائية وفرضت عقوبات دون أدلة
  • ثروت : أنا ضد التنمر بكل أنواعه ولكن فيه اللي لازم نتنمر عليه
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما زال مريضاً؟
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • الأرصاد السودانية تكشف مفاجآت الطقس خلال 72 ساعة.. أمطار وسيول محتملة في هذه المناطق
  • تظاهرة حاشدة في تعز تدعو للحسم العسكري وفك الحصار وتتضامن مع السعودية