الويب المظلم ومنصات التشفير ساحات الأسرار النووية لإيران وإسرائيل
تاريخ النشر: 26th, June 2025 GMT
رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف مؤقت لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران، يبقى الصراع النووي بين هذه الأطراف محتدما، إذ يتواصل عبر مفاوضات شائكة وتهديدات عسكرية متبادلة وتصريحات سياسية متصاعدة.
غير أن ما يدور خلف الكواليس يكشف عن ساحة مواجهة أكثر تعقيدا تُدار بصمت داخل الفضاء السيبراني، حيث تسود قواعد جديدة وتتلاشى الحدود التقليدية للصراع.
ففي هذا الفضاء وتحديدا عبر منصاته، ظهرت معلومات يُعتقد أنها مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وقد طرحت للبيع بواسطة عملات مشفرة، بحسب تحقيقات استخباراتية وتقارير أمنية.
وتنسب هذه الأنشطة إلى مجموعات سيبرانية، بعضها مرتبط بجهات حكومية وأخرى تتحرك في الظل بلا تبعية واضحة، مما يجعل السوق الرقمية مساحة خصبة لتبادل معلومات حساسة، حيث تتقاطع مصالح الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في مشهد معقد من الصعب تتبعه.
في هذه التقرير نتتبع ملامح هذه المعركة غير المرئية عن طريق تقصي أنماط النشاط المرتبط بتسريب وبيع معلومات حساسة، وتحليل الأدوار التي تلعبها المجموعات والدول في توظيف الصراع داخل معادلات أوسع.
الأسرار النوويةسبق أن كشفت قناة ميدل إيست سبيكتور الموالية لإيران، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عن تسرب وثيقتين استخباريتين توضحان خطط إسرائيل للهجوم على إيران، عبر قناة بمنصة تليغرام.
وأفاد تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست بأن المتسبب في هذا التسريب هو محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وقد اعترف بأنه سحب الوثائق من محطته في كمبوديا وسلمها إلى قناة تليغرام، قبل أن تنشر لاحقا في شبكات التواصل الاجتماعي.
وتشير تحليلات خبراء عسكريين إلى أن هذه الحادثة وما سبقها من تسريبات، تؤكد الواقع المزدوج للويب المظلم ومنصات تشفير مشابهة، إذ أصبحت منصات مثل تليغرام تؤدي دور منصة تسريب موازية، تتجاوز حدود الحكومة التقليدية، فلم تعد المعلومات حكرا على الدول بل تمت خصخصتها وأصبحت بيد جهات غير رسمية.
إعلانوفقًا لما يوضحه عميد كلية تكنولوجيا المعلومات محمد عطير فإن تداول البيانات النووية الحساسة على الويب المظلم يؤي إلى تهديد حقيقي على مستويات عدة، منها:
نقل المعرفة النووية إلى أطراف مشبوهة، مما يزيد من خطر الانتشار غير المشروع لهذه التكنولوجيا. تتيح هذه البيانات استخدامات خطيرة مثل الابتزاز والهجمات السيبرانية المتقدمة التي قد تستهدف منشآت حيوية، مما يرفع من مستوى التهديد الأمني.ويقول عطير في حديثه للجزيرة نت إن التداول السريع وغير الخاضع للمراقبة يضعف ثقة المؤسسات العالمية في قدرة الدول على حماية معلوماتها السيادية، مما يؤثر سلبا على العلاقات الدولية والاستقرار السياسي.
والخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في عملية التسريب نفسها، بل في سرعة تداول هذه المعلومات في فضاءات الويب المظلم المجهولة الهوية ومن الصعوبة تتبعها ومساءلتها، مما يضاعف من التحديات الأمنية، وفقا لعمير.
وتكشف بيانات وتحليلات حديثة نشرتها شركة "بوستيف تكنولوجي" المتخصصة في مجال الأمن السيبراني للعام 2024 أن الويب المظلم أصبح ساحة رئيسية لتسريب وتداول المعلومات الحساسة المتعلقة بالأمن الوطني والبرامج النووية في إيران.
فقد نفذت مجموعات هاكتيفيست سياسية (الجماعات التي تستخدم تقنيات وتقنيات الاختراق كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية) مثل "آرفن كلب" "Arvin Club" و"غونجيشكي داراندي" (Gonjeshke Darande) و"وي ريد إيفلز" (WeRedEvils)، هجمات إلكترونية استهدفت مؤسسات حيوية تشمل البنوك والمنشآت الصناعية والبنية التحتية للطاقة والاتصالات والوزارات الحكومية، مع نشر قواعد بيانات مسروقة على منصات الويب المظلم، وفقا للشركة.
وأظهرت إحصائيات نشرها الموقع ذاته بين عامي 2023 و2024 أن حوالي 47% من الحالات شهدت إعلانا عن خروقات للمؤسسات، حيث عرض 24% منها بيانات مسروقة للبيع، و22% بشكل مجاني، مما يعكس تصاعدا كبيرا في نشاط المجرمين الإلكترونيين لتحقيق أرباح من خلال خصخصة هذه المعلومات.
وقد اتخذت الحرب الخفية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى أشكالا متعددة، وفقا لما أكده الخبير والمحلل العسكري اللواء المتقاعد هلال الخوالدة في حديثه للجزيرة نت، إذ تنوعت بين الاختراق البشري، عبر اتهامات متكررة بزراعة عملاء داخل المنشآت النووية الإيرانية، والاغتيالات الممنهجة لعقول البرنامج النووي الإيراني.
ويضاف إلى ذلك، وفق الخوالدة، عمليات المراقبة الجوية والفضائية باستخدام طائرات مسيرة وأقمار اصطناعية لجمع البيانات، وعمليات التضليل الإعلامي من خلال تسريب أو نشر معلومات استخباراتية مدروسة تهدف للتأثير الدبلوماسي والسياسي.
تصاعد الحرب السيبرانيةاتخذت الحرب السيبرانية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في بعض الأحيان طابعا غير مباشر، حيث يُعتقد أن إسرائيل كانت تنفذ هجمات سيبرانية بالوكالة عن الولايات المتحدة، ضمن تنسيق أمني واستخباراتي مشترك بين الجانبين.
يظهر ذلك بوضوح في عملية "ستاكسنت"، التي كشفت تقارير استخباراتية غربية لاحقا أنها كانت نتاج تعاون بين وكالة الأمن القومي الأميركية (إن إس إيه) ووحدة الاستخبارات الإسرائيلية "8200"، ضمن عملية سرية حملت اسم "الألعاب الأولمبية" حيث ضرب فيروس "ستاكسنت" منشأة نطنز النووية الإيرانية، مخلِّفا أضرارا بالغة.
ويزعم تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "دي فولكس كرانت" الهولندية أن المهندس الهولندي إريك فان سابين الذي كان يعمل في شركة "تي تي إس" (TTS) في دبي، والتي كانت تنقل معدات ثقيلة إلى إيران، تم تجنيده من قبل المخابرات الهولندية، وكان جزءا من عملية سرية نفذتها المخابرات المركزية الأميركية والموساد الإسرائيلي استهدفت محطة نطنز.
وفي إطار هذه الحرب السيبرانية المتصاعدة، فقد شهد شهر يونيو/حزيران 2025 تصعيدا نوعيا تمثل في اختراق مجموعة القراصنة المرتبطة بإسرائيل "بريداتوري سبارو" لأنظمة بنك "سبه" الإيراني في 17 من الشهر نفسه، مما أحدث شللا شبه كامل في أنظمة الدفع والتحويلات المالية.
إعلانوفي اليوم التالي، استهدفت المجموعة منصة العملات الإيرانية "نوبيتيكس" ونجحت في سرقة ما يعادل 90 مليون دولار تم توزيعها عبر محافظ إلكترونية غير قابلة للتتبع.
ولم يقتصر الهجوم على القطاع المالي فقط، بل شملت العمليات أيضاً تعطيل مئات محطات الوقود في عدة مدن إيرانية، حيث وصفت المجموعة هذه العمليات بأنها "رد سيبراني إسرائيلي على التهديدات الإيرانية"، مما يعكس تعقيد وتنوع ساحة القتال السيبراني بين الطرفين، وتأثيره المباشر على البنية التحتية الحيوية والاقتصاد الإيراني.
ووفقا لتحليل صادر عن شركة تتبّع البلوكتشين "إليبتيك" (Elliptic)، تصف الشركة هذه الخطوة بأنها "حرق للأصول الرقمية"، مما يشير إلى أن الهجوم لم يكن بدافع الربح، بل يحمل أهدافا سياسية صريحة.
ويمكن أن نعزو ذلك إلى أن العملات الرقمية تعلب دورا مركزيا في الحروب السيبرانية الحديثة، إذ يتم استخدامها كوسيلة دفع رئيسية في الهجمات نظراً لصعوبة تتبعها، وفقا للخبير في تكنولوجيا وأمن المعلومات عبيدة أبو قويدر.
ويقول أبو قويدر في حديثه للجزيرة نت إن صعوبة التتبع تجعل منصات التداول وأنظمة الدفع هدفا إستراتيجيا للمهاجمين، فاستهداف البنى الرقمية ليس فقط لإحداث خلل اقتصادي، ولكنه أيضا يمنع الخصم من الوصول إلى موارد مالية تستخدم لاحقا لتمويل هجمات مضادة، مما يضفي بعدا اقتصاديا جديدا على الصراع السيبراني المتعدد الأطراف.
وكان مركز بحوث ودراسات الأمن القومي الإسرائيلي (آي إن إس إس) قد نشر في الثالث من يونيو/حزيران 2020 مقالا بعنوان: "مستوى جديد في الحرب السيبرانية بين إسرائيل وإيران"، قال فيه إن هذه الهجمات السيبرانية تنفذ بسرية تامة، وغالبا ما تنكر الأطراف المتحاربة مسؤوليتها، مما يصعّب تحديد مصدر الهجوم بدقة.
وتعتبر العمليات السيبرانية "حربا بين الحروب" تتيح تنفيذ هجمات دقيقة عن بعد، مع تجنب الخسائر البشرية والتصعيد المباشر، كما توفر فرصا لجمع المعلومات، وشن حرب معلوماتية، والضغط على الأنظمة العسكرية والمدنية لتحقيق أهداف سياسية ودفاعية، وفقا للمركز.
هاكرز مجهولون.. أدوات أم لاعبون مستقلون؟في السنوات الأخيرة، برزت مجموعات اختراق غامضة تتحرك خارج الأطر الرسمية للدول، بعضها على صلة بأجهزة استخبارات، وأخرى تعمل بشكل مستقل، لتتحول إلى لاعبين مؤثرين في ميدان الأمن السيبراني النووي.
ومن أبرز الأمثلة، مجموعة بلاك ريوورد التي أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2022 مسؤوليتها عن اختراق بريد إلكتروني تابع لإحدى الشركات المرتبطة بمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأسفر الاختراق عن تسريب معلومات حساسة تخص محطة بوشهر النووية، تضمنت جداول تشغيل، وبيانات سفر لخبراء إيرانيين وروس، وعقود تطوير نووي.
وجاءت العملية -بحسب بيان المجموعة على منصة "إكس"- دعما للاحتجاجات في إيران، ومشروطة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، موقّعة بعبارة: "باسم مهسا أميني ومن أجل المرأة، الحياة، الحرية".
وقد اعتبرها محللون عسكريون سابقة تظهر قدرة فاعلين غير حكوميين على التأثير في معادلات حساسة، خارج أطر الصراع التقليدي بين الدول.
ويعلق الباحث أبو قويدر على هذا التحول بأن المعلومات النووية لم تعد حكرا على الدول، بل باتت تتداول عبر منصات مشفّرة وسوق سوداء رقمية، مما يقلّص من فاعلية الرقابة الدولية ويضاعف من خطر تسرب بيانات إستراتيجية نتيجة تداخل المجال السيبراني بالجغرافيا السياسية.
في مقابل السوق السوداء التي تباع فيها أسرار إيرانية، تشير بعض الروايات إلى أن إيران نفسها باتت تمتلك وثائق نووية إسرائيلية، مما يعكس تداخل أدوار "المسرب" و"الضحية" في هذا الصراع الرقمي، وفق رويترز.
إعلانوكانت وسائل إعلام رسمية إيرانية قد نقلت عن مصادر لم تسمها، أن "وكالات الاستخبارات الإيرانية حصلت على كمية كبيرة من الوثائق الإسرائيلية الحساسة"، يعتقد أن بعضها يتصل بـ"الخطط النووية ومرافق إسرائيلية حساسة".
وذكرت قناة "برس تي في" الإيرانية أن العملية تمت منذ مدة، لكن حجم المواد تطلّب وقتا طويلا لمراجعتها ونقلها بشكل آمن إلى داخل إيران، مما استدعى "حالة تعتيم إعلامي مؤقت" لضمان سلامة العملية.
وتبرز مجموعة "إيه بي تي 34" أو "أويل ريغ"، بأنها واجهة تهديد متقدمة مرتبطة بالحكومة الإيرانية، وتنشط منذ 2014 في شن هجمات إلكترونية متطورة تستهدف قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة والاتصالات، وتستخدم تقنيات مثل التصيد الموجه، واستغلال ثغرات يوم الصفر(استغلال نقاط الضعف في برمجيات وثغراتها الأمنية خاصة غير المعروفة منها للعامة أو حتى مطوريها في شن هجومات إلكترونية) والبرمجيات الخبيثة التي تتيح لها التسلل والبقاء داخل الشبكات لفترات طويلة، وفقا لتقارير شركات الأمن السيبراني مثل "فاير آي" و"كراود ستريك".
تشير التحليلات إلى أن هجمات "بلاك ريوورد" و"إيه بي تي 34″ ذات أدوات متقدمة وتخطيط طويل، تستهدف مؤسسات حساسة بدوافع استخباراتية أو تجارية، مع احتمالية استخدامها للضغط السياسي، وفقا لمحمد عطير الذي يؤكد أن النمط الاحترافي يصعب فصله عن أجندات أكبر رغم غياب دليل مباشر.
ويؤكد أن هناك ظهورا لما يعرف بـ"خصخصة الهجمات السيبرانية"، حيث أصبحت مجموعات قرصنة مستقلة تمتلك أدوات متطورة تُنافس ما كانت تملكه الحكومات قبل سنوات قليلة، هذا التحول يفرض تحديات رئيسية على مؤسسات الأمن القومي، من أبرزها:
صعوبة التمييز بين الفاعلين. تضاؤل قدرة الردع التقليدي، بسبب عدم وضوح الجهة المسؤولة. صعوبة تتبع التسريبات أو وقف تداولها بعد عرضها في الأسواق السوداء الرقمية. أطراف ثالثة تشعل الصراع من الخلف.لسنوات، قادت إسرائيل حربا غير معلنة ضد إيران، لكن النزاع تحول في 13 من يونيو/حزيران الجاري إلى مواجهة علنية، إذ أعلنت إسرائيل شنها ضربة "استباقية" على أهداف داخل إيران، مما اعتبر بداية التصعيد العسكري بين الطرفين.
ومع ذلك، لا يقتصر الصراع على هذين الطرفين، إذ تتحرك قوى كبرى كروسيا والصين في الظل، مستغلة التسريبات النووية لتعزيز أوراقها التفاوضية دوليا.
يتفق الخبير الأمني ضيف الله الدبوبي مع ذلك، ويقول إن الصين لعبت دور الوسيط الأساسي في محادثات فيينا لإحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وتسعى لتثبيت نفسها كلاعب إقليمي ودولي رئيسي. ليس فقط لتحقيق السلام النووي، بل لتعزيز مصالحها الإستراتيجية الأوسع مثل توسيع نفوذها الجيوسياسي وتأمين إمدادات الطاقة، خصوصا النفط الإيراني الذي تحتاجه لتشغيل مصانعها ومحطاتها الكهربائية.
أما روسيا، فيقول الدبوبي في حديثه للجزيرة نت إنها تستخدم الملف النووي الإيراني كورقة ضغط سياسية وعسكرية في مواجهة الغرب، وتظهر موقفا موحدا مع بكين في مجلس الأمن الدولي، حيث تدعمان مواقف إيران وتعارضان الضغوط الغربية.
ووفقا لتقارير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (سي إس آي إس) بواشنطن، لا يقتصر دور روسيا والصين على احتواء إيران فقط، بل يمتد إلى تقديم غطاء سياسي وتقني لطهران لتعزيز شراكة إستراتيجية تتقاطع مع الطموحات النووية الإيرانية.
فقد صوتت كل من روسيا والصين ضد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في 12 يونيو/حزيران 2025، الذي خلص إلى أن إيران خرقت التزاماتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي (إن بي تي). ويُنظر إلى هذا الموقف على أنه امتداد لتحالف أوسع يضم أيضا كوريا الشمالية، يعيد رسم توازنات النظام العالمي الخاص بمنع الانتشار النووي.
وتؤكد هيذر ويليامز مديرة "مشروع قضايا التسلح النووي" في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن الدعم الروسي الصيني لإيران لا يقتصر على الجانب السياسي والدبلوماسي، بل يشمل مساعدات فنية وتقنية مباشرة، مشيرا إلى أن الصين زوّدت إيران بمفاعلات صغيرة في تسعينيات القرن الماضي، في حين استكملت روسيا بناء وتشغيل مفاعل بوشهر النووي.
ويكشف الصراع النووي الإيراني الأميركي أو الإسرائيلي بالوكالة، عن وجه جديد لا يدار بالصواريخ والدبلوماسية فحسب، بل تتحكم فيه البيانات والهاكرز والعملات المشفرة، ووسط كل هذا التعقيد تصبح الحقيقة أن الأمن لم يعد شأنا عسكريا فقط، بل معكرة داخل شبكة لا تنام يتحرك فيها اللاعبون الرسميون والظلال على حد سواء.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الحرب السیبرانیة النووی الإیرانی یونیو حزیران الویب المظلم إلى أن
إقرأ أيضاً:
NYT: الأردن يتمسك بوجود القوات الأمريكية رغم تحول المملكة إلى هدف لإيران
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا لمراسلتها رجا عبد الرحيم من العاصمة الأردنية عمّان، قالت فيه إن الأردن شكّل، على مدى ثلاثة عقود تقريبًا، قاعدة مهمة للعمليات العسكرية الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط.
والآن، يدفع الأردن الثمن؛ فقد كثفت إيران في الأيام الأخيرة ضرباتها الجوية ضد المملكة، مستهدفة القوات العسكرية الأمريكية الموجودة هناك.
ومع ذلك، ورغم دوي صافرات الإنذار في الأجواء الأردنية، فقد أحجمت المملكة عن تقييد الوجود الأمريكي. ويقول محللون إن اعتماد البلاد الاستثنائي على الولايات المتحدة حال دون تقليص تلك الأنشطة العسكرية.
لقد أصبح الأردن يعتمد على الولايات المتحدة في الحصول على مليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية وعسكرية -وهي مساعدات قُدمت على مدار عقود من العلاقات المشتركة- فضلًا عن اعتماده عليها لتوفير الحماية في منطقة محفوفة بالمخاطر.
وعلى عكس بعض جيرانه من دول الخليج العربية التي تتمتع بوفرة النفط والموارد الطبيعية الأخرى، يُعد الأردن دولة فقيرة الموارد ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية. ففي العام الماضي، قدمت الولايات المتحدة للمملكة 1.65 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية، وفقًا لمسؤولين أردنيين.
وفي حين قيّد بعض حلفاء أمريكا الآخرين في المنطقة قدرة واشنطن على نشر قوات على أراضيها أو تحليق الطائرات في أجوائها خلال الحرب مع إيران، يقول مسؤولون أمريكيون إن الأردن ليس في وضع يسمح له بفرض مثل هذه القيود.
يقول شون يوم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "تمبل" ومؤلف كتاب "الأردن: السياسة في بوتقة تشكلت بالصدفة": "الأردن دولة ضعيفة في الشرق الأوسط؛ فهي صغيرة نسبيًا ومحاطة بتهديدات إقليمية. وهي بحاجة إلى نوع من القوى العظمى الراعية أو الحامي الخارجي، وقد لعبت الولايات المتحدة هذا الدور على مدى عدة أجيال حتى الآن".
وأضاف يوم أن المساعدات التي يتلقاها الأردن من الولايات المتحدة، والتي تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، ضخمة للغاية لدرجة يصعب على أي طرف آخر توفيرها.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في أواخر شباط/ فبراير، ردت إيران جزئيًا من خلال شن ضربات استهدفت حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط.
وخلال الأشهر الأولى من الحرب، استهدفت إيران في المقام الأول إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، لكنها وجهت أيضًا مئات المسيّرات والصواريخ نحو الأردن.
وسرعان ما ألحق الصراع الضرر بقطاع السياحة في الأردن -الذي يساهم بما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد- وذلك بالتزامن مع بدء ذروة الموسم السياحي. ورغم اعتراض معظم الصواريخ والمسيّرات، فإن شركات الطيران ألغت رحلاتها، كما ألغى الزوار المحتملون حجوزاتهم الفندقية.
والآن، ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، كثف الجانبان هجماتهما، ووسعت إيران نطاق أهدافها في الأسابيع الأخيرة. فقد أعلن الجيش الأردني أن الدفاعات الجوية أسقطت يوم الأحد ثلاثة صواريخ إيرانية، في حين سقط صاروخ رابع في منطقة غير مأهولة بالسكان.
وقال حسن المومني، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية -وهو مركز أبحاث يقدم المشورة للحكومة الأردنية بشأن الأمن القومي-: "إن هذه الاستراتيجية الإيرانية القائمة على التصعيد العمودي ضد الجيران تهدف إلى ممارسة الضغط على هؤلاء الجيران، وكذلك على الولايات المتحدة".
وكانت إيران قد صرحت مؤخرًا بأن بعض ضرباتها الموجهة إلى الأردن استهدفت خزانات وقود في قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأزرق -وهي مركز عمليات للقوات الجوية الأمريكية- وحظائر طائرات في قواعد أخرى، وذلك وفقًا لما أوردته وكالة أنباء "فارس"، وهي وسيلة إعلام إيرانية شبه رسمية. وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق أنها استهدفت أنظمة رادار واتصالات تستخدمها القوات الأمريكية.
قُتل جنديان أمريكيان وفُقد أثر ثالث يوم الجمعة في هجوم إيراني استهدف قاعدة "موفق السلطي". كما أدت ثلاث هجمات أخرى استهدفت القوات الأمريكية في الأردن في وقت سابق من الأسبوع نفسه إلى إصابة العشرات من الجنود الأمريكيين وإلحاق أضرار بعدد من مروحيات "بلاك هوك".
لطالما عملت القوات الأمريكية انطلاقًا من القواعد الجوية الأردنية، حيث شكلت المملكة قاعدة لأنشطة عسكرية أمريكية شملت الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتدريب مقاتلي المعارضة خلال الحرب الأهلية السورية، وغزو العراق. ويوجد حاليًا ما يقرب من 4,000 عسكري أمريكي في البلاد، وفقًا لتقرير صادر عن الكونغرس.
وقد جرت تهيئة قاعدة "موفق السلطي" وغيرها من القواعد لاستيعاب وجود أمريكي دائم.
وفي هذا السياق، قال غرانت روملي، المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في البنتاغون والباحث البارز حاليًا في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى": "لقد كانت البنية التحتية في الأردن قوية ومتينة للغاية من منظور أمريكي لفترة طويلة"، مشبّهًا إياها بـ"حاملة طائرات برية".
وأضاف روملي أن قاعدة "موفق السلطي" تتميز أيضًا بموقعها النائي نسبيًا، مما يتيح للقوات الأمريكية العمل دون لفت انتباه غير مرغوب فيه. ونظرًا لأن الأردن يقع على مسافة أبعد من إيران مقارنة بدول الخليج، فإن القوات الأمريكية المتمركزة فيه تحظى بوقت أطول للاستجابة للهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات.
وذكر مسؤولون أمريكيون أنه في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران وفي أيامها الأولى، نقل الجيش الأمريكي بعض قواته من عدة دول عربية خليجية إلى مواقع أكثر أمانًا نسبيًا في الأردن وإسرائيل المجاورة.
وقال المومني: "لقد كشفت الحرب مع إيران عن مدى أهمية الأردن بالنسبة للولايات المتحدة". وأشار إلى أن واشنطن زادت مساعداتها العسكرية للأردن بمقدار نصف مليار دولار خلال هذا العام.
وكثيرًا ما يشدد المسؤولون الأردنيون على الأهمية الاستراتيجية لعلاقة بلادهم بالولايات المتحدة. ففي مكالمة هاتفية مع الرئيس ترامب في شهر نيسان/ أبريل، أكد الملك عبد الله الثاني الدور المحوري الذي تلعبه واشنطن في الشرق الأوسط، وتحديدًا فيما يتعلق بآفاق خفض التصعيد في الصراع مع إيران.
وناقش قائد الجيش الأردني، اللواء يوسف الحنيطي، ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي، دانيال زيمرمان، في وقت سابق من هذا الشهر، سبل توسيع التعاون العسكري بشكل أكبر، وذلك وفقًا لما ذكرته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا).
ونادرًا ما تتحدث الحكومة الأردنية علنًا عن الوجود العسكري الأمريكي المكثف في البلاد. كما لم يوجه الأردن انتقادات علنية للولايات المتحدة بشأن الضربات الجوية التي شنتها ضد إيران أو بشأن خوض الحرب جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، رغم أن محللين يشيرون إلى أن الحكومة كانت تعارض الصراع بشدة منذ بدايته.
وقد أدان مسؤولون أردنيون مرارًا وتكرارًا الهجمات الإيرانية التي استهدفت الأراضي الأردنية؛ وفي الأسبوع الماضي، صرح وزير الخارجية أيمن الصفدي بأن المبرر الإيراني لتلك الضربات -القائل بوجود قواعد أمريكية- هو ادعاء باطل.
وقال الصفدي خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن "منتدى أسبن للأمن": "لا توجد قواعد أمريكية في الأردن. لدينا قوات أمريكية تتواجد في المملكة في إطار تعاوننا العسكري طويل الأمد، ويخضع وجودها لاتفاقية دفاعية تحترم سيادتنا بشكل كامل".
وأكد المومني أن الأردن لن يفكر في إعادة تقييم تحالفه مع الولايات المتحدة رغم تلك الهجمات، مشددًا على أنه "لا يمكن للأردن، تحت أي ظرف من الظروف، تغيير شراكته الاستراتيجية".
كما أشار يوم إلى عدم وجود أي مطالبة فعلية أو ذات شأن في الأردن تدعو إلى التخلي عن الاعتماد على الولايات المتحدة.