جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@03:06:59 GMT

وجعٌ يكشف ما أُخفي

تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT

وجعٌ يكشف ما أُخفي

 

 

حمود بن سعيد البطاشي

 

لا تمرُّ الأوطان من دون لحظاتٍ تطرق فيها الفاجعة أبواب القلوب، لكنها، في كثير من الأحيان، تأتي لتكشف ما تراكم خلف الأسوار الصامتة من قضايا مؤجلة وهموم لا تُقال. فاجعة أسرة العامرات التي رحلت عن دنيانا في مشهد موجع لا ينسى، كانت واحدة من تلك اللحظات التي وقفت أمامها عُمان كلها- من شمالها إلى جنوبها- حزينة، متأملة، ومصغية لرسالة لا يمكن تجاهلها.

إن رحيل أسرة كاملة تحت ظروف إنسانية مؤلمة ليس مجرد حادث عابر يُطوى في سجلات الوقت؛ بل جرحٌ يمسُّ الضمير الوطني، لأنه فتح بابًا على حقيقة ثقيلة؛ حقيقة أن بعض أبناء هذا الوطن يعيشون على حافة الحاجة، وأن غياب العمل والاستقرار الوظيفي ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل مشكلة تمسّ الكرامة، وتؤثر على أمن الأسر وسلامة المجتمع بأكمله.

فالمتوفّى- رحمه الله- كان أحد أولئك الذين خرجوا من سوق العمل ليجدوا أنفسهم في دائرة الضيق دون مورد ثابت، شأنه شأن آلاف من المسرّحين والباحثين عن عمل الذين يحاولون يوميًا الحفاظ على توازن حياتهم وسط التزاماتٍ ومعيشةٍ تزداد صعوبة. ومن هنا، فإن دوافع الحادثة المؤلمة ليست محصورة في تفاصيلها المباشرة، بل تمتد إلى خلفية اقتصادية واجتماعية تشكّل بيئة خصبة لمثل هذه الانكسارات الإنسانية.

إنَّ الحديث عن هذا الواقع ليس تهجُّمًا، ولا ادعاءً على جهةٍ ما؛ بل محاولةٌ لقراءة الوجع الذي كشف المستور، والتفكير في المعالجات التي تمنع تكرار مثل هذه المآسي؛ فالأمن الاجتماعي يبدأ من شعور الإنسان بأن له وظيفة، وراتبًا، وسقفًا يحمي أبناءه من تقلبات الحياة. وحين ينهار هذا الأساس، تصبح الأسرة أكثر عرضة للانكسار، ويصبح الوطن أمام مسؤولية مضاعفة لحماية أفراده.

لقد بيّن هذا الحدث المؤلم أن البطالة ليست رقمًا في تقرير، ولا حالة فردية؛ بل قضية وطنية تتداخل مع الصحة النفسية، والاستقرار الأسري، وقدرة الإنسان على اتخاذ قرارات آمنة. ومن المؤسف أن بعض التفاصيل الصغيرة، حين تجتمع في حياة إنسانٍ مُنهك، قد تتحول إلى سلسلة من الأحداث التي تكتب نهاية مأساوية لم يكن أحد يتوقعها.

نحن اليوم أمام لحظة مراجعة حقيقية، ليس للوم أحد؛ بل لتقويم المسار. فالواجب الوطني والإنساني يستوجب أن نعيد النظر في ملف المُسرَّحين، وأن نبتكر حلولًا أكثر عدالة وسرعة وفاعلية. من الضروري أن توجد برامج احتواء سريعة، ودعم مؤقت يقي الأسر من السقوط، وبدائل حقيقية تُمكّن الإنسان من العودة إلى سوق العمل بكرامة. كما إن تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي أصبح ضرورة لا رفاهية. فالدول التي تقودها رؤية إنسانية تجعل الإنسان محور التنمية، لا تترك أبناءها في مواجهة الحاجة وحدهم، ولا تسمح بأن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى خطر يهدد الأرواح.

ومع حجم الألم، لا يمكن إغفال ما أظهره العُمانيون من تكاتف وتراحم عظيمين. فقد بدا واضحًا، كما هي عادتهم، أنهم أسرة واحدة لا تتردد في الوقوف مع من يمر بمحنة. لكن التعاطف- على عظمته- لا يكفي إنْ لم يصحبه إصلاح يعالج الأسباب الجذرية، ويمنع تكرار المأساة في بيتٍ آخر.

دموع العامرات رسالةٌ، وصمت البيت الخالي رسالةٌ، وصورة الأطفال الراحلين رسالةٌ… وكلها تقول لنا إن هذا الوطن يحتاج إلى قرارات تنطلق من الوجع، لا من الأوراق. وأن حماية الأسرة العُمانية هي خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع.

رحم الله الأسرة الرحيمة، وجعل من مصابها نورًا يهدي إلى الإصلاح، ودافعًا حقيقيًا لمراجعة السياسات، وفتح أبواب جديدة للأمل، حتى لا ينكسر قلبٌ آخر بسبب حاجةٍ كان يمكن أن تُسد، أو فرصة كان يمكن أن تُمنح، أو إنسان كان يمكن أن يُنقذ.

فهذا الوجع… لم يأتِ ليبكينا فقط؛ بل ليكشف ما أُخفي، ويذكّرنا بأن الإنسان هو أثمن ما في هذا الوطن.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود

في الثاني والعشرين من مايو، لا يستحضر اليمنيون مجرد تاريخ سياسي عابر، بل يستدعون لحظة وطنية عظيمة اختزلت أحلام شعبٍ كامل ظل لعقود يتطلع إلى وطنٍ موحد، يجمع أبناءه تحت راية واحدة وهوية واحدة ومصير واحد.
إنها ذكرى قيام الوحدة اليمنية، الحدث الذي مثّل في وجدان اليمنيين انتصارًا للإرادة الوطنية على كل عوامل التشطير والانقسام.
ستة وثلاثون عامًا مرّت منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م، لكنها ما تزال حاضرة في ذاكرة الناس باعتبارها أعظم مشروع وطني في تاريخ اليمن الحديث.
فقد جاءت الوحدة ثمرة لنضال طويل وتضحيات جسيمة قدّمها أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا، ممن آمنوا بأن اليمن لا يمكن أن يبقى ممزقًا بين حدود وحواجز صنعتها الظروف السياسية والصراعات الدولية.
لقد كانت الوحدة حلم الفلاح البسيط، والعامل، والطالب، والجندي، وكل يمني كان يرى في الانقسام جرحًا في جسد الوطن.
وحين تحقق الحلم، خرج اليمنيون إلى الشوارع بقلوبٍ مليئة بالفرح، مؤمنين أن المستقبل قد بدأ، وأن عهدًا جديدًا من الاستقرار والتنمية قد وُلد.
ورغم ما واجهته الوحدة خلال العقود الماضية من أزمات وحروب ومؤامرات ومحاولات تمزيق، إلا أنها بقيت راسخة في الوعي الشعبي كقضية وطنية لا يمكن التفريط بها.
فالوحدة بالنسبة لليمنيين ليست اتفاقًا سياسيًا مؤقتًا، بل قدر أمة وتاريخ شعب وروابط دم وجغرافيا وهوية مشتركة.
لقد حاولت قوى عديدة أن تضرب هذا المشروع الوطني الكبير، مستغلة الظروف الاقتصادية والسياسية والحروب التي عصفت بالبلاد، لكن اليمن ظل يثبت في كل مرحلة أن وحدته أقوى من المؤامرات، وأن أبناءه مهما اختلفوا فإنهم يعودون في النهاية إلى حقيقة واحدة: لا كرامة لليمن دون وحدته، ولا مستقبل له في ظل التمزق والانقسام.
وستظل الوحدة اليمنية راسخة وثابتة مهما حاولت قوى الارتزاق وأدوات العمالة تجزئة الوطن، أو أعانت الأعداء على تمزيق النسيج الوطني وضرب الهوية الجامعة للشعب اليمني.
فاليمن الذي صمد عبر قرون أمام الغزاة والمؤامرات، لن تنال منه مشاريع التشتيت والتفريق، لأن وحدة الشعب أقوى من كل رهانات الخارج، ولأن اليمنيين يدركون أن الانقسام لا يجلب سوى الضعف والخراب.
إن الحديث عن الوحدة اليوم لا يعني تجاهل التحديات أو إنكار الأخطاء، بل يستدعي مراجعة وطنية صادقة تعيد الاعتبار لقيم العدالة والشراكة والمواطنة المتساوية، فالوحدة الحقيقية لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما ببناء دولة عادلة يشعر فيها كل مواطن أن الوطن يتسع للجميع.
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، يبقى الأمل حاضرًا رغم الألم، وتبقى الوحدة حلمًا متجددًا في قلوب اليمنيين الذين أنهكتهم الحروب، لكنهم ما زالوا يؤمنون بأن اليمن قادر على النهوض من جديد، وأن هذا الوطن الذي صمد عبر التاريخ لن تكسره الأزمات مهما اشتدت.
ستظل الوحدة اليمنية عنوانًا للهوية الوطنية الجامعة، ورمزًا لصمود شعبٍ رفض أن تفرقه الجغرافيا أو تمزقه الصراعات.
وستبقى ذكرى الثاني والعشرين من مايو، محطة وطنية تذكّر الجميع بأن اليمن الكبير أقوى من كل الانقسامات، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بالتلاحم والإرادة والإيمان بالمستقبل

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • غروسي: لا يمكن إنهاء حرب إيران دون رقابة صارمة على الاتفاق النووي
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش