صحيفة تركية: سيطرة الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة هشة وقد تتغير مع تبدل التحالفات ومستقبل الجنوب مرهون بالتماسك الداخلي والتحولات الإقليمية
تاريخ النشر: 12th, December 2025 GMT
أفردت صحيفة ديلي صباح التركية وهي صحيفة يومية تصدر باللغة الإنجليزية ومقرها إسطنبول مساحة من عددها الجديد لمناقشة الأوضاع في اليمن وتحديدا ما حدث في المناطق الشرقية.
حيث علقت الصحيفة التركية بقولها إن سيطرة الإنتقالي لا تزال هشة، والفترة المقبلة ستحدد ما إذا كانت اللحظة الراهنة تمثل أساساً لواقع سياسي جنوبي جديد، أم أنها مجرد وقفة مؤقتة قبل إعادة تشكيل المشهد السياسي.
وأكدت صحيفة daily Sabah التركية في افتتاحيتها" وهي أحد الصف المقربة من الحكومة التركية " أن المجلس الانتقالي الجنوبي يتوسّع شرقاً؛ لكن سيطرته لا تزال هشة وغير متساوية ويتم التسامح معها في المحافظات الرئيسية.
وأضافت الصحيفة، لقد دخلت المناطق الجنوبية من اليمن مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في الأيام الأولى من ديسمبر، عقب تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي وأجنحته العسكرية عبر مدينة حضرموت الغنية بالنفط، ودخولهم مؤخراً إلى محافظة المهرة الواقعة في أقصى شرق البلاد، وبينما وصف البعض هذه التطورات بأنها ترسيخ لمشروع سياسي جنوبي، إلا أن الواقع أكثر غموضاً.
وتابعت، قد يكون اليمن بالفعل على وشك الانقسام الفعلي بين الشمال والجنوب، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان المجلس الانتقالي الجنوبي يمتلك التماسك والشرعية والعمق السياسي اللازمين للحفاظ على سيطرة فعّالة على هذه المنطقة الشاسعة والمتنوعة التي تضم ثماني محافظات.
وأشارت إلى أنه ورغم سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي وأجنحته العسكرية حاليًا على المحافظات الجنوبية، إلا أن الوضع لا يزال متقلبًا، وأي تقييم يجب أن يُقرّ بهشاشة الوضع الراهن.
المشروع السياسي للإنتقالي
وقالت الصحيفة، اتسم زحف المجلس الانتقالي الجنوبي شرقًا بسرعة مفاجئة. ففي حضرموت، التي لطالما اعتُبرت المحافظة الأكثر تميزًا سياسيًا واستقرارًا إداريًا في الجنوب، استغلت القوات الموالية للمجلس ضعفَ وجود الحكومة المركزية والانقسامات بين النخب القبلية والإقليمية.
وبعد حضرموت، عندما دخل المجلس مدينة المهرة، كان الانتقال أكثر هدوءًا. لم تُبدَ مقاومة تُذكر، وغابت الاشتباكات الظاهرة، وأصرت السلطات المحلية علنًا على استمرار الحياة بشكل طبيعي. أثارت هذه التطورات مخاوف ليس فقط بشأن ضعف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بل أيضًا بشأن خطر ترسيخ أنظمة سلطة موازية في أنحاء البلاد.
مع ذلك، فإن تفسير هذه الأحداث على أنها توطيد حاسم للسلطة الجنوبية أو مشروع سياسي جنوبي مستقر سيكون سابقًا لأوانه. فالتأثير السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي وقدراته في جميع أنحاء الجنوب حقيقية، لكنها متفاوتة. يستفيد المجلس بشكل كبير من الفراغ الذي خلفه انهيار المؤسسات الوطنية، لكن سلطته غالبًا ما تعتمد على ترتيبات تفاوضية بدلًا من شرعية شعبية راسخة.
في عدة محافظات، مثل شبوة ووادي حضرموت والمهرة، يُتسامح مع وجود المجلس الانتقالي الجنوبي بدلًا من الترحيب به. ويستند نموذج حكمه على مزيج من السيطرة الأمنية التي تعززها هياكل عسكرية غير منظمة مختلفة، ورسائل رمزية حول تطلعات الجنوبيين التاريخية، وتحالفات محلية براغماتية. تنجح هذه الصيغة في أوقات الانهيار، لكنها قد تكون هشة في بيئة سياسية أكثر توترًا.
يكمن جوهر القضية في مسألة القاعدة الشعبية. حيث يقدم المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه كممثل سياسي لتطلعات الجنوب، مستندًا إلى السرد التاريخي لدولة جنوب اليمن السابقة، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990)، وإلى المظالم المتراكمة منذ التوحيد.
إلا أن قاعدته الشعبية هي الأقوى في عدن ولحج والضالع، معقل سياسات الهوية الجنوبية. ومع التوجه شرقًا، يتغير المشهد. فقد قاوم سكان حضرموت، بتقاليدهم الاجتماعية والدينية الفريدة وهويتهم الحضرمية، طويلًا الاندماج في الحركات السياسية الجنوبية الأوسع. أما المهرة، بتماسكها القبلي وروابطها الثقافية مع عُمان ونزعتها المحلية القوية، فتنظر بحذر إلى الجهات الفاعلة الخارجية، سواء أكانت قوات حكومية أم المجلس الانتقالي الجنوبي. وفي كلتا المنطقتين، يبدو أن قبول سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي مدفوعٌ بالانهيار المؤسسي في صنعاء وتغير أولويات الرياض أكثر من كونه مدفوعًا بالتوافق الأيديولوجي.
الحقائق على أرض الواقع، والجهات الفاعلة الإقليمية
لا تُقلل هذه التطورات من أهمية ما حدث مؤخرًا. فاليمن اليوم أقرب بلا شك إلى الانقسام المؤسسي من أي وقت مضى منذ عام ٢٠١٥. يسيطر الحوثيون على الشمال بتماسك وثقة؛ أما الحكومة المعترف بها دوليًا فهي منقسمة ومحدودة جغرافيًا حول مأرب فقط، ويتمتع المجلس الانتقالي الجنوبي الآن بامتداد جغرافي عبر معظم المحافظات الجنوبية. لكن هذا الامتداد سياسي لا هيكلي، فهو يفتقر إلى العمق الإداري، وأنظمة الإيرادات، والشرعية المحلية الراسخة التي تجعل الأنظمة السياسية مستدامة على المدى الطويل.
يعتمد ما إذا كان بإمكان المجلس الانتقالي الجنوبي تحويل مكاسبه الأخيرة إلى حوكمة مستقرة على عاملين متفاعلين: التماسك الداخلي والبيئة الخارجية.
لا يزال التماسك الداخلي للمجلس الانتقالي الجنوبي أقوى من تماسك مجلس القيادة الرئاسية، إلا أنه ليس بمنأى عن الانقسامات. توجد خلافات بين قيادته السياسية في عدن والقادة الميدانيين الذين يدينون بولاءاتهم المحلية. وستتحدد مدى استقرار سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي المتنامية من خلال قدرته على إدارة هذه العلاقات، لا سيما فيما يتعلق بعائدات النفط والتنسيق الأمني والتعيينات الإدارية.
البيئة الخارجية لا تقل تعقيدًا. حيث تمارس الجهات الفاعلة الإقليمية نفوذًا هائلًا على سياسات الجنوب. ليس سرًا أن الإمارات العربية المتحدة تقدم للمجلس الانتقالي الجنوبي دعمًا عسكريًا ولوجستيًا وسياسيًا، لكن أولويات أبوظبي استراتيجية واقتصادية وليست أيديولوجية.
فهي تسعى إلى تحقيق الاستقرار على طول الممرات البحرية الرئيسية، وربما لا تسعى بالضرورة إلى دولة جنوبية مستقلة تمامًا. في الوقت نفسه، تجد السعودية نفسها عالقة بين مخاوف متضاربة بشأن مقاومة توسع الحوثيين، والحفاظ على نفوذها في شرق اليمن، وتجنب المواجهة المباشرة مع المجلس الانتقالي الجنوبي.
تراقب عُمان منطقة المهرة بقلق بالغ، إذ ترى في توغل المجلس الانتقالي الجنوبي تهديدًا محتملًا لأمن حدودها وشبكاتها الاجتماعية المحلية. تساعد هذه الحسابات الخارجية في تفسير سبب تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي من التقدم بسلاسة، وسبب إمكانية اختبار سيطرته إذا ما تغيرت التحالفات الإقليمية.
تتفاوت ردود الفعل المحلية في أنحاء الجنوب بشكل كبير. فبعض المجتمعات ترحب بالمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره قوة قادرة على توفير الأمن والنظام الأساسي في ظل الفوضى السائدة. بينما تنظر إليه مجتمعات أخرى، لا سيما في وادي حضرموت والمهرة، بعين الريبة . وفي كثير من المناطق، تتكيف المجتمعات ببساطة مع من يستطيع تحقيق الاستقرار. وهذا لا يترجم إلى ولاء سياسي دائم، ويجعل سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي مرهونة للغاية بأدائه وضبطه لنفسه.
مستقبل قاتم ومنقسم
كل هذا يضع اليمن في موقف حرج . فمن جهة، تعكس قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على التوسع دون عنف واسع النطاق انضباطه التنظيمي والفراغ الذي خلفه انهيار البنى الوطنية. ومن جهة أخرى، قد تخفي سهولة هذا التوسع مواطن ضعف كامنة.
فالجنوب عبارة عن فسيفساء من الهويات والتاريخ والمصالح الاقتصادية، وتوحيدها تحت إطار سياسي واحد يمثل تحديًا هائلًا. ويكمن الخطر في أن ينزلق البلد إلى تقسيم فعلي، لا لنجاح مشروع جنوبي متماسك، بل لفشل الإطار الوطني.
في الأشهر المقبلة، لن يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان اليمن سينقسم إلى قسمين، بل ما إذا كان بإمكان أي طرف، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي، الحفاظ على حكم فعال عبر مناطق شاسعة ومتنوعة دون إشعال موجات جديدة من الصراع. يحتل المجلس الانتقالي الجنوبي الآن موقع نفوذ غير مسبوق، لكن هذا النفوذ لا يعني بالضرورة الاستقرار. سلطته حقيقية لكنها مشروطة، تتوسع لكنها هشة، مقبولة لكنها لا تحظى بالقبول التام.
لا يزال التحول في جنوب اليمن مستمراً. وسواء استقر هذا التحول في نظام سياسي مستقر أو تفكك تحت وطأة المصالح المتضاربة، فسيتوقف ذلك على تفاعل الديناميات المحلية، والحسابات الإقليمية، وقدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على تحويل الوجود الإقليمي إلى حكم شامل. وستحدد الفترة المقبلة ما إذا كانت اللحظة الراهنة تمثل أساساً لواقع سياسي جنوبي جديد، أم أنها مجرد وقفة مؤقتة قبل إعادة تشكيل المشهد السياسي.
المصدر
المصدر: مأرب برس
كلمات دلالية: المجلس الانتقالی الجنوبی سیاسی جنوبی ما إذا کان إلا أن
إقرأ أيضاً:
حزب الوعي: اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب خطوة مهمة.. والنجاح مرهون بضمان الحقوق
أصدرت لجنة حقوق الإنسان بحزب الوعي بيانًا صحفيًا أعربت فيه عن متابعتها باهتمام بالغ لصدور اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، والتي تتضمن مجموعة من الإجراءات التنظيمية والمؤسسية الهادفة إلى تطوير وإدارة ملف اللجوء في جمهورية مصر العربية، بما يعزز من كفاءة المنظومة الإدارية ويحقق قدرًا أكبر من الانضباط والوضوح القانوني في التعامل مع هذا الملف شديد التعقيد.
وأكدت اللجنة أن هذا التطور التشريعي يمثل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز الحوكمة في إدارة شؤون اللاجئين، من خلال إنشاء قاعدة بيانات مركزية تعتمد على البيانات البيومترية، وتوحيد الإجراءات المنظمة لتقديم الطلبات وفحصها، إلى جانب التوسع في إنشاء مكاتب فرعية بالمحافظات لتسهيل الخدمات، وهو ما يسهم في تحسين كفاءة المنظومة وتسريع الإجراءات.
وفي الوقت ذاته، شددت اللجنة على أن نجاح هذه المنظومة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى التزامها بتعزيز الضمانات الحقوقية الأساسية، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية، وضمان الحق في الإجراءات العادلة، وترسيخ مبدأ عدم التمييز، مع ضرورة توفير أعلى درجات الحماية القانونية للبيانات الشخصية وفقًا للقوانين الوطنية والمعايير الدولية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور باسل عادل، رئيس حزب الوعي، أن صدور اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب يعكس توجهًا نحو تطوير إدارة ملف اللجوء بصورة أكثر تنظيمًا ومؤسسية، مشيرًا إلى أن وجود قواعد بيانات مركزية ونظم بيومترية يمثل نقلة نوعية على مستوى الحوكمة والإدارة.
وأوضح أن هذا التطوير يجب أن يقترن بضمانات حقوقية صارمة تكفل حماية الخصوصية وعدم استخدام البيانات إلا في الأغراض المحددة قانونًا، مؤكدًا أن مصر بما لها من دور تاريخي وإقليمي في استقبال الفارين من النزاعات، مطالبة دائمًا بالموازنة بين اعتبارات الأمن القومي والالتزامات الإنسانية، بما يضمن تحقيق العدالة والاستقرار في آن واحد.
من جانبه، قال الدكتور أحمد إسحاق، رئيس لجنة حقوق الإنسان بحزب الوعي، إن اللائحة التنفيذية تمثل خطوة مهمة في تنظيم ملف اللجوء، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان التطبيق العملي الذي يحترم الحقوق ولا يقتصر على ضبط الإجراءات فقط..
وأضاف أن إدخال آليات حديثة مثل البيانات البيومترية يستوجب أعلى درجات الحماية القانونية والتقنية، بما يضمن سرية البيانات وعدم استخدامها خارج نطاق القانون، مع ضرورة وجود رقابة مؤسسية فعالة على عمليات الجمع والمعالجة والتخزين.
وشدد إسحاق على أهمية إعطاء أولوية خاصة لحماية الفئات الأكثر ضعفًا، وعلى رأسها الأطفال غير المصحوبين بذويهم وناقصو الأهلية، من خلال توفير دعم قانوني مجاني وتمثيل قانوني متخصص، مع مراعاة المصلحة الفضلى للطفل كمعيار أساسي في جميع الإجراءات.
واختتمت لجنة حقوق الإنسان بحزب الوعي بيانها بالتأكيد على أن نجاح منظومة اللجوء في مصر لا يُقاس فقط بكفاءة الإدارة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق العدالة الإنسانية، وتعزيز الثقة في الإجراءات، وترسيخ صورة الدولة كطرف فاعل في حماية حقوق الإنسان والالتزامات الدولية.