في الأسابيع القليلة الماضية شهد المجتمع المصري سلسلة من الأحداث التي أثارت جدلًا واسعًا بين مختلف طبقاته؛ أحداث تكشف عن مظاهر جهل، وتراجع في مستويات الوعي، وانتشار للعنف بشكل ملحوظ. ورغم أن كثيرًا من هذه الوقائع لا يرقى إلى مستوى الجرائم الكبرى، إلا أن تزايد حدّة العنف في التعاملات اليومية بات ظاهرة ملموسة لا يمكن تجاهلها.
الكبير جلال أمين: ماذا حدث للمصريين؟
ورغم أن كل مجتمع يمر بالكثير من التحديات، فإن ما يميز المجتمعات السليمة والامنة هو قدرتها على فهم جذور مشكلاتها والسعي لمعالجتها قبل أن تتفاقم وتشكل خطرا على الأجيال الجديدة مستقبلا ولعل أبرز المشاكل الاجتماعية التي أصبحت ملحوظة مؤخرا هي ظاهرة العنف..
بالرغم من انه لا توجد إحصائيات رسمية حديثة ترصد حجم انتشار العنف المجتمعي بدقّة، إلا أن مئات المقاطع والحوادث التي تغمر مواقع التواصل الاجتماعي يوميًا تقدّم مؤشرًا واضحًا على تفاقم الظاهرة. وقد تبيّن أن أغلب هذه الحوادث تنشأ في مناطق تعاني في الأصل من ضعف الخدمات الأساسية وتراجع مستوى التعليم.
ومع أهمية الجهود الأمنية للحد من الجريمة، يظل القانون وحده غير كافٍ للردع؛ إذ تقع المسؤولية الأكبر على المؤسسات الثقافية والتعليمية في تشكيل الوعي وتغيير السلوك.
ولعل الفن وحده —بمختلف مجالاته من سينما ومسرح وأنشطة إبداعية—يمثل أحد أهم الأدوات في مواجهة العنف، إذ يسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي وفتح نوافذ جديدة للتفكير والتعبير. كما أن وجود مكتبات، ومراكز ثقافية ومسارح ، ومساحات للفن والقراءة في التجمعات السكنية الفقيرة قد يكون جزءًا أساسيًا من علاج الظاهرة..
ثانيا تُعد ظاهرة التطرف الفكري من أخطر ما يواجه المجتمع حاليًا، إذ تتحوّل القناعات الفكرية إلى ساحات صراع بين أطراف متعارضة، ما يخلق حالة من الاستقطاب والانقسام بدلاً من الحوار والتفاهم. ويُعد الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي عاملًا رئيسيًا في تضخيم حِدّة هذه المواجهات.
ورغم تحسن معدلات محو الأمية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن فجوة الحصول على تعليم حقيقي وجيد ما تزال كبيرة. والجهل لم يعد عدم القدرة على القراءة والكتابة فحسب، بل أصبح غيابًا للوعي والتفكير النقدي، الأمر الذي يجعل شرائح واسعة عرضة للتضليل والاستقطاب.
ومع تحوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء مفتوح لتبادل كل أنواع الأفكار، يغيب في المقابل الوعي القادر على التمييز بين الحقيقة والمعلومة المضللة، وبين الحوار الصحي والخطابات المتطرفة. وبات الأطفال والشباب أكثر عرضة للتأثر بهذه الفوضى الفكرية.
وهنا تظهر مسؤولية مؤسسات الدولة في وضع معايير واضحة لضمان تداول معلومات موثوقة، وتشجيع المحتوى الذي يعزز الوعي، إلى جانب الحد من الخطابات المتطرفة التي تتنامى في هذا الفضاء الواسع.
ولكي نفهم ما حدث ويحدث للمصريين فلن يتحقق ذلك إلا بفهم عميق للتحديات التي تحيط بالمجتمع، وبمشاركة حقيقية بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني للعمل على معالجة الظواهر السلبية من جذورها. فالمجتمع القادر على مواجهة أزماته بوعي هو المجتمع الذي يصنع مستقبلًا أكثر أمانًا وتماسكًا لأجياله المقبلة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: ماذا حدث للمصريين المجتمع المصري الجريمة مؤسسات الدولة مواقع التواصل الإجتماعى
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.