طرابلس - مونيكا عياد 
 

"التعليم الإعلامي الأكاديمي متخلف عن الواقع".. صرخة إعلامي ليبي  من على منصة طرابلس تتصدر الجدل،  لتتحول المناقشات إلى تشريح عاصف لفجوة التعليم والممارسة

شهدت للجلسة النقاشية الثانية التي إدارها الإعلامي الليبي المخضرم محمد التراسي، في "منتدى الحوار الإعلامي العربي الدولي" بطرابلس جلسة حوارية ثرية، جمع بين نخبة من الخبراء  في حوار شائك، وضمت طاولة الحوار كلاً من الوزير أسامة هيكل، رئيس قطاع الإعلام والاتصال بمنظمة الإيسيسكو و وزير الإعلام المصري الأسبق، و الدكتورة حياة عبدون، كبيرة مذيعي التلفزيون المصري وأستاذة الإعلام، و الدكتور جمال المحافظ الكاتب الصحفي ورئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الإعلامية.

من الأرشيف الورقي إلى التضليل الرقمي

أثار الوزير أسامة هيكل قضية محورية بسرده تحوله الشخصي  في مهنة البحث، قائلاً: "كنت أقضي عشرات الأيام في أرشيفي الأهرام والمصور لجمع المعلومة، بينما يفتح البحث على جوجل اليوم آلاف المصادر في ثانية". وحذر من أن هذه السهولة قد تجلب معها تضليلاً .

 

وتحدث عن التحول الجذري في إنتاج الخبر: "في الماضي، كان الخبر يمر بـ5 أو 6 مراحل تحريرية صارمة. اليوم، أي شخص بهاتف محمول يمكنه صنع محتوى، بل وتقطيع الجملة لتخرج من سياقها وتعطى معنى مختلفاً تماماً مما يتسبب في تضليل الجمهور".

وعن التطور العالمي وتحدي التدريب ، قال هيكل :" أن الحل في ظل عدم كوننا أطرافاً فاعلة في صناعة التكنولوجيا، هو التعامل بكل السبل مع هذا التطور ومواكبته بحكمة. وشدد على أن إعداد إعلاميين على قدر التحدي لا يحدث إلا من خلال برامج تدريبية متخصصة يقدمها خبراء، باختيار تخصصات دقيقة تحقق الهدف.

صفعة لواقع التعليم الأكاديمي

تصاعدت حرارة النقاش عندما سلط التراسي الذي يدير الجلسة الضوء على أزمة كليات الإعلام، مشيراً إلى "فجوة خطيرة" بين المناهج النظرية ومتطلبات السوق العملية. وتم تداول وصف لاذع لمحتوى بعض الكليات بأنه "متخلف"، مع التأكيد أن هذه الظاهرة ليست حكراً على بلد عربي دون آخر.

ووصلت الذروة باستحضاره مقولة تتردد في أروقة المؤسسات الإعلامية: "على الخريجين الجدد أن ينسفوا مما تعلموه في الكتب ليدخلوا سوق العمل، لأن الواقع مختلف كلياً".

وهذا ما استدعى رداً من الدكتورة حياة عبدون، التي استنكرت استخدام مصطلح "متخلف" لوصف المناهج. وأكدت أن ما تدرسه مثل بناء الشخصية الكاريزمية  هو "سر النجاح" الذي يحتاجه أي إعلامي عبر العصور.

السر بين الروح والأدوات

وكشفت عبدون عن "السر" الذي يصنع فارقاً في أداء أي متحدث، مؤكدة أنه يكمن في الطاقة المتبادلة وحب المهنة. واستشهدت بأداء وزير الدولة للاتصال الليبي وليد اللافي في المنتدى، الذي اختلف حماسه باختلاف "روح المكان والجمهور".

وفي معرض حديثها عن العلاقة بين الإعلامي التقليدي و"البلوجر"، رأت أن كلاً منهما يمثل مساراً مختلفاً، لكن الحب والحماس قاسمان مشتركان. وأجابت على سؤال "من ينجح؟" بأن المفتاح هو "الشخصية الكاريزمية"، مؤكدة أنها تُبنى ولا تُولد فطرياً.

وشرحت أن صناعة الكاريزما تعتمد على الاستخدام الواعي لأدوات التواصل من خلل استخدم أدواتك من صوت ولغة جسد وإرهاق مبذول ومظهر لتحقيق ذلك. ونبهت إلى أن هذه المهارات أساسية لكل من يقف أمام الكاميرا.

استثمارات بالمليارات.. واستفهام عربي

من جهته، سلط الدكتور جمال المحافظ الضوء على فجوة استثمارية هائلة، مشيراً إلى أن تقارير (مثل تقرير "برايس ووتر هاوس كوبرز") تتوقع وصول الاستثمار في صناعة الإعلام والإعلان بالمملكة المتحدة إلى تريليون دولار بحلول عام 2024. متسائلاً: "في المقابل، ما حجم الاستثمار العربي؟".

ولفت المحافظ، من خلال تجربته في وكالة أنباء عالمية وصفها بـ"بائع الأخبار بالجملة"، إلى صعوبة وضع نموذج عربي موحد لتأهيل الإعلاميين. وطرح سؤالاً جوهرياً: "هل يحظى الإعلام بأولوية في السياسات العمومية للدول العربية؟".

 وتساءل : "هل تحول الإعلام، كما نتحدث في الكلية، من سلطة رابعة إلى سلطة أولى؟". مؤكداً أن الحروب الآن تشن عبر الإعلام، مما يفرض تطويراً جذرياً للمناهج الأكاديمية لتركز على الجانب العملي والتخصصي.

في محاولة لتقديم حلول، اتفق المتحدثون على أن التدريب المهني الحديث هو المخرج. وشدد هيكل على أن الهدف ليس تعليم الآليات الشكلية، بل "كيفية صنع محتوى قادر على الوصول والإقناع، يكون مفيداً للجمهور في زمن الوفرة والتضليل". ودعا الحضور إلى "ردم الفجوة بين الخبرة الأكاديمية والمهارة الميدانية" عبر برامج تدريبية تطبيقية ترتبط باحتياجات السوق الرقمية.

جاءت هذه النقاشات ضمن فعاليات "منتدى الحوار الإعلامي العربي الدولي" في طرابلس، تحت رعاية رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، بالتعاون مع قطاع الاتصال والإعلام بجامعة الدول العربية برئاسة السفير أحمد رشيد خطابي الأمين العام المساعد ، ومشاركة عدد من الوزراء والسفراء  من بينهم السفير السعودي خالد المنزلاوي والسفير الكويتي طلال المطيري والسفير الفلسطيني مهند العكلوك والسفير الموريتاني الحسين ولد سيدي عبدالله ولد الديه، والوزير مفوض حيدر الجبوري مدير الأمانة الفنية لوزراء الإعلام العرب، والدكتور علاء الزود المستشار الإعلامي للمندوبية الأردنية، والمستشار بليغ المخلافي من مندوبية اليمن، وزير الاعلام الجزائري زهير بو عمامة وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، ووزير الاعلام اللبناني السابق زياد مكاري ،والدكتور علاء الزود المستشار الإعلامي للمندوبية الأردنية، والمستشار بليغ المخلافي من مندوبية اليمن وعدد كبير من  الأكاديميين والإعلاميين والفنانين المصريين من بينهم منى الشاذلي، وسمير عمر، وباسم يوسف، وأحمد فايق، وريهام عياد ، وأحمد طارق ، ومحمد سلامة

وشهدت هذه الدورة مشاركة مميزة لمنظمة الإيسيسكو والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بصفة مراقب. وتناول المنتدى محاور رئيسية هي: الهوية العربية وصناعة المحتوى، التدريب المهني وتطوير المحتوى الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام.

على هامش المنتدى، شهدت "أيام طرابلس الإعلامية 2025" ورش عمل متخصصة ومعارض، وتُوِّجت بافتتاح "المتحف الوطني الليبي" في "قصر السرايا الحمراء" بعد تطويره بتقنيات تفاعلية حديثة.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • باحثون يحذرون.. عامل خفي قد يرفع خطر الإصابة بالسرطان لدى الشباب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • وزير التعليم يبحث مع اليونسكو تعزيز التعاون الدولي وإبراز التجربة المصرية في إصلاح التعليم
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • هيكل استقبل مفتي صور الشيخ مدرار حبال وبحث في الأوضاع العامة
  • ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
  • إنفوجرافيك | ???? ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
  • مسؤولون أمميون يحذرون من تصاعد إرهاب المستوطنين الإسرائيليين والتطهير العرقي للفلسطينيين
  • وزير التعليم العالي يشهد إطلاق أول برنامج ماجستير دولي في الإدارة الرياضية بالشرق الأوسط
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟