“يا نفس ما تشتهي”.. موروث يمني للمّ الشمل وتوطيد العلاقات
تاريخ النشر: 10th, March 2024 GMT
مطاعم في صنعاء تخصص وجبات “يا نفس ما تشتهي”
الثورة / تقرير وتصوير / أسماء البزاز
يا نفس ما تشتهي، أو يا نفس ما تشتي، تقليد اجتماعي تتوارثه الأجيال في عدد من المحافظات اليمنية في أواخر شهر شعبان وفي الأغلب يوم الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من شعبان، حيث تجتمع الأسر والأقارب والأصدقاء وهناك الكل يأتي بما جاد من طعام ومشروبات ويتم الجلوس على ما يشبه الوليمة يعلوها جو من المرح والترانيم والأهازيج.
وقد تجتمع النساء مع جاراتهن وصديقاتهن وكذلك الرجال مع أصدقائهم وأشقائهم ويخرجون لإحياء هذه المناسبة في احدى المنتزهات أو الحدائق أو الأماكن الأثرية والسياحية.
يقول محمد مثنى 35 عاماً أن الجو المجتمعي والتآلف الذي تخلقه هذه المناسبة هو الهدف من إحيائها وأن ما تحويه من مأكولات ومشروبات تعبّر عن جمال أكلاتنا الشعبية وتفنن النساء في صنع الحلوى وتسابقهن في تقديم أفضل ما لديهن في هذه المناسبة التي نحن بحاجة لها في ظل ما شغلتنا الحرب والظروف الاقتصادية وأفقدتنا هذه اللمة الرائعة.
وينتظر أهالي صنعاء القديمة هذا اليوم الذي له خصوصية مرتبطة بشكل كبير بأشهى الأكلات المتنوعة، ورغم أنه يعد من العادات لدى الكثير من اليمنيين في العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى، إلا أنه في صنعاء القديمة أصبح أشبه بالأعياد الدينية، نظراً للاهتمام الكبير الذي يوليه السكان بيوم “يا نفس ما تشتهي”.
تهان وتبريكات
وجرت العادة لدى أبناء صنعاء القديمة في اليوم الأخير من شهر شعبان، بأن يتبادل الجيران أنواع الأكلات الشعبية والحلويات، والتهاني بمناسبة قدوم رمضان.
ويفسر الاسم الذي يطلق على هذا اليوم «يا نفس ما تشتهي؟»، بأنه تساؤل ذاتي، حيث يسأل الشخص نفسه ماذا تشتهي (من الوجبات بشكل خاص)، ويحاول تلبية هذا الطلب الذي تشتهيه نفسه.
النساء يجتمعن في مجلس مع بعض فيما يجتمع الرجال بمجلس آخر، وبعد إعلان رؤية هلال رمضان يذهب الرجال إلى المساجد للصلاة والتسابيح وقراءة القرآن، فيما تذهب النساء إلى الحمامات البخارية التقليدية، حيث تمثل النظافة جزءا مهما لدى نساء صنعاء القديمة لاستقبال رمضان.
انتشار لافت
هذا الموروث الشعبي انتشر وتطور بشكل ملفت، وأصبحت بعض المطاعم في العاصمة صنعاء تخصص ليوم «يا نفس ما تشتهي» مأكولات شعبية مثل بنت الصحن والسلتة والفحسة، ومأكولات أخرى، كالحلوى والموالح والمشروبات بأسعار مخفضة.
ومنذ بداية شهر شعبان تبدأ بعض المطاعم الترويج للوجبات التي تقدمها بمناسبة «يا نفس ما تشتهي»، وتختلف مدة التخفيضات لهذه المناسبة من مطعم إلى آخر.
وفي الوقت الذي تكتفي بعض المطاعم بإعلان تخفيض أسعار الوجبات، أو تقديم باقة أكلات متنوعة بسعر مخفض لمدة يوم واحد، تمدد مطاعم أخرى هذه التخفيضات لمدة أسبوع، ويكون آخر أسبوع من شهر شعبان.
محطة جديدة
دنيا حازم، تربوية قالت بأن هذه المناسبة ليست مجرد للأكل والشرب، بل هي فرصة للتسامح وطي الخلافات وبدء صفحة جديدة من الإخاء والتخطيط لكيفية استغلال شهر رمضان بالقرآن والاستغفار والتزاور ومشاهدة ما يفيد وينفع من البرامج التلفزيونية.
ظروف الحرب
لم تمنع الحرب وأبعادها الاقتصادية من التأثير والحد من هذه الظاهرة المجتمعية وهو ما قاله محمد النجدي 56 عاما حيث قال: صحيح أن الإمكانيات المادية شحيحة نتيجة الحرب وانقطاع المرتبات، ومع ذلك لا زلنا نجتمع ونحيي ما يسمى بالشعبانية أو ما يسميه البعض يا نفس ما تشتهي بقدر ظروفنا ولو حتى على مائدة أو مائدتين المهم أن نجتمع ونلتقي مع أهلنا وأحفادنا ونتبادل الضحكات والمواقف ونسترجع الذكريات فمن يدري من يموت أو يعيش للعام القادم.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
قمة بغداد العربية والحاجة للمّ الشمل العربي !
ليس من المبالغة في شيء القول إن قمة بغداد الرابعة والثلاثين، التي عُقدت في العاصمة العراقية بغداد يوم السبت الماضي، تُشكّل في الواقع علامة بارزة على طريق القمم العربية منذ القمة العربية الأولى في «أنشاص» عام 1946، والقمة العربية عام 1989 في العاصمة العراقية بغداد برئاسة الرئيس العراقي صدام حسين في ذلك الوقت، والتي اتُّخذ فيها قرار مقاطعة مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية مؤقتًا من القاهرة إلى تونس، بسبب معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، ورفض الدول العربية الأعضاء في الجامعة رفع أعلامها الوطنية إلى جانب العلم الإسرائيلي على ضفاف النيل في القاهرة.
وبين عامي 1946 و1989 من ناحية، وعامي 1989 و2025 من ناحية ثانية، مرت أحداث وتطورات عديدة على الدول العربية، وعلى امتداد نحو ثمانين عامًا تقريبًا، جرت تغيّرات لم يكن يتصورها أحد. وآخرها الجولة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشملت كلًا من السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، واختتمها ترامب قبل أيام قليلة باحتفالات غير مسبوقة وبإشادات لم يعهدها قادة المنطقة من جانب الرئيس الأمريكي، والأسباب معروفة ومبررة أيضًا إلى حد كبير في مثل هذه الحالات، في ظل الفجوة الكبيرة بين الدولة الأولى في عالم اليوم (أي الولايات المتحدة)، وبين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وأيًا كانت العلاقات بين الدول ومستوياتها، فإنها تحتمل الكثير من المعاني والمجاملات والتقديرات المتبادلة، على أكثر من مستوى، خاصة وأنها تخص القيادات في المقام الأول، ولا تتخطاهم إلى غيرهم في الغالب.
على أية حال، فإن جولة ترامب في الشرق الأوسط أرست في الواقع أساسًا جديدًا ومختلفًا للعلاقات الأمريكية مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والآفاق التي تنتظرها، أو تنتظر بعضها على الأقل، في السنوات القادمة، والتي تبلورت في عدد من الصفقات، تم الإعلان عن بعضها، وسيُعلن عن البعض الآخر خلال الأشهر القادمة، وفق كل حالة على حدة.
أولًا: إن استضافة بغداد للقمة العربية الرابعة والثلاثين تأتي في وقت بالغ الأهمية على المستويين الفردي والجماعي العربي، وهو ما تجسّد في الجدل حول مشاركة سوريا في القمة، ومعارضة بعض النواب العراقيين لتلك المشاركة، في ضوء أعمال القيادة السورية في السنوات السابقة، والتي حسبها البعض على القيادة، وترتب على ذلك عدم مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال القمة، وتمثيل وزير الخارجية بلاده في أعمال القمة.
ومن بين أعمال كثيرة، يمكن الإشارة إلى بعضها، وأبرزها ما يلي:
أولًا: أن الظروف العربية في هذه الفترة تتسم بوجه عام بعدم الاستقرار وعدم الهدوء، ثم ترتب على ذلك تقاطع الكثير من المشكلات بين الدول العربية، ووصول بعض الخلافات إلى محكمة العدل الدولية؛ كخلاف الجيش السوداني مع دولة الإمارات العربية المتحدة، لاتهام الجيش السوداني للإمارات بتسليح قوات الدعم السريع، وهو ما نفته الإمارات، ولم تعترف به، وترتب عليه شطب الدعوى.
ومن جانب آخر، نشبت مواجهات مسلحة بين أكثر من دولة عربية؛ منها على سبيل المثال توتر العلاقات السورية اللبنانية، والعلاقات الأردنية السورية بسبب تهريب المخدرات عبر الحدود، وكذلك تهريب المرتزقة والميليشيات إلى داخل الدول. يُضاف إلى ذلك توتر العلاقات الجزائرية المغربية، والصدامات الداخلية في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. هذا فضلًا عن تدخل دول عربية في مشكلات دول عربية أخرى، مما زاد من تعقيدها وعرقلة محاولات حلّها بشكل أو بآخر.
كما لا يمكن تجاهل الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية، وتعثر جهود الوساطة العربية والدولية، وما يترتب عليه من نتائج مباشرة وغير مباشرة، بالإضافة إلى الصدامات المسلحة بين الميليشيات في ليبيا، وآخرها ما حدث مؤخرًا في طرابلس. وقد أدى كل ذلك إلى مواجهات وتصفية حسابات بين القوى المتصارعة في أكثر من بلد عربي، ثم إلى إضعاف الدول وانحدارها إلى ما يشبه الدول الفاشلة، مما تتحمل الشعوب العربية كلفته في النهاية.
وأمام هذه الأوضاع، كان من الضروري السعي بقوة لعقد القمة العربية، في محاولة للخروج من أكبر قدر ممكن من المشكلات، أو على الأقل التوصل إلى تفاهمات تمهّد للحلول، حتى لو كانت عبر الإطاحة بالنظام القائم، كما حدث في سوريا في ديسمبر الماضي.
ثانيًا: إن تعدد المشكلات والخلافات العربية ترتب عليه تعدد وتنوع مصادر التصعيد، بما يعنيه من قابلية التوسع وامتداد الخلافات وتعقيدها، وعرقلة حلها. ومن ثم، فإن عقد القمة العربية كان أحد السبل الممكنة للبحث عن حلول، وتقريب وجهات النظر، ومحاولة التوصل إلى تفاهمات تُسهم في تخفيف حدة الأزمات. وهذا النوع من التفاهمات غالبًا ما يكون بيد القادة، بما يتيحه لهم من قدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة.
ثالثًا: إن حالة من الاستقطاب شغلت الأطراف العربية، خاصة حول حل القضية الفلسطينية، وحول خيار حل الدولتين، ومقترح ترامب بتهجير سكان غزة إلى دول ومناطق أخرى تتوفر فيها حياة أكثر هدوءًا. وهو ما عارضته الدول العربية بشدة، لمخالفته للقانون الدولي والشرعية الدولية، كما قوبل بالرفض داخل الأمم المتحدة وخارجها.
ورغم أن ترامب عاد مؤخرًا للحديث عن خيار التهجير، فإن الموقف العربي الرافض لا يزال يشكل عائقًا أمام هذا المسار، برغم ما يُشاع عن تقديم إغراءات لتسهيله. ومن المؤكد أن بلورة موقف فلسطيني وعربي مشترك، ستُسهم في دعم خيار حل الدولتين، وهو ما تخشاه إسرائيل بشدة، خاصة بعد تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، ورئيس وزراء إسبانيا، عن احتمال اعتراف بلديهما بالدولة الفلسطينية.
هذا الاعتراف قد يشكل بداية سلسلة من الاعترافات الدولية، في إطار حل الدولتين الذي تسعى إسرائيل لعرقلته بشتى الوسائل. ومن هنا نفهم تصريحات نتنياهو الرافضة لهذا الحل تحت أي ظرف. ومع الوضع في الاعتبار التماسك العربي، والدعم الإقليمي والدولي المتزايد لحل الدولتين، فإن قمة بغداد تزداد أهمية، خاصة مع وجود ميل أمريكي ـ كما يبدو من تصريحات ترامب ـ لتفهم أهمية هذا الحل، والتعامل معه ضمن صفقة شاملة تشمل إطلاق سراح الرهائن، ومنح ترامب لقب «رجل السلام»، وهو ما يتطلع إليه، خصوصًا مع تأكيده عدم الترشح لفترة رئاسية ثالثة.
ومن هنا، فإن تركيز «بيان بغداد» على حل الدولتين، ورفض التهجير، يكتسب أهمية كبيرة في مواجهة أية ضغوط مباشرة أو غير مباشرة. وبرغم محاولات ترامب، فإن حق الشعوب، وخاصة الشعب الفلسطيني، لا يمكن التنازل عنه تحت أي ظرف.