الجزيرة:
2026-07-24@22:37:19 GMT

الحداثة الغربية والأيديولوجية الدينية

تاريخ النشر: 15th, September 2024 GMT

الحداثة الغربية والأيديولوجية الدينية

إن أول ما يبادرك به دعاة الأخذ بالحداثة الغربية، أو أول ما يعرِّفون به الحداثة، هو الانتقال إلى عصر العقل والعقلانية، والنهج العلمي، والابتعاد عن العقل الديني أو السحري أو الأسطوري. البعض يقول إن الحداثة هي الإنسان الصانع، لا الإنسان الساحر أو المؤمن بالسحر. وهناك من يبدأ بالعلمانية والمواطنة المدنية التي تفصل الدين عن الدولة، كما في الحداثة الغربية.

على أن هذه البداية، وهذا التعريف، لا يأخذان بعين الاعتبار:

أولًا: تاريخًا طويلًا وحضارة إسلامية لم يتعارض فيها الدين مع التفكير العلمي أو التعامل مع العلوم والحياة وشؤونها، دون إقامة ذلك الحاجز بين الإيمان بالله والخلق، وتطوير العلوم والكشف عن قوانين الطبيعة والكون.

فعلى سبيل المثال: الطب، علم الفلك، الكيمياء، الرياضيات، والخوارزميات كلها بُنيت وتطوَّرت في ظل الحضارة الإسلامية. وبالتأكيد حدث مثل هذا في الحضارات الأخرى، وإلا كيف تمّت مكافحة البرد والقيظ وتطوَّرت الزراعة والملاحة ووسائل النقل وتربية الحيوانات وترويضها عبر العصور، قبل أن تبدأ الحداثة الغربية رحلتها.

صحيح أن هناك كثيرًا من الخرافات، أو أعمال السحر، أو الاعتقادات الأسطورية، وجدت وتعايشت وتصارعت مع المؤمنين بالدين والعلم. وذلك مثل علماء المسلمين الذين أخذوا بالمنهج العلمي والاستقرائي قبل الحداثة الغربية بقرون. ويُعتبرون آباء كوبرنيكوس وجاليليو. (راجع جورج صليبا حول العلوم في الحضارة العربية والإسلامية).

هذا من ناحية عدم الدقة أو الصحة في تمييز الحداثة أو الحضارة الغربية عما قبلها من حضارات، باعتماد العقل والعقلانية. فالقول بتغليب العقل والعلم والصناعة، مقابل عقل خرافي أو وهمي، هو في الحقيقة اتهام لعقل وإنسان ما قبل الحداثة الغربية بالابتعاد عن الموضوعية وقوانين الحركة والحياة في مواجهة التحديات.

ثانيًا: يجب ملاحظة أن من عدم الدقة اعتبار ما يميِّز الحداثة أو الحضارة الغربية هو الإنسان الصانع والعالم العلماني المعرفي. وذلك بتقديم الحداثة الغربية على أنها الحضارة التي بدأت في القرن السادس عشر إلى اليوم. ولا بأس بمناقشة من يريد البدء بما يسميه عصر التنوير، أو الأنوار، وحقوق الإنسان، والدولة الحديثة والمجتمعات الديمقراطية.

وذلك لأن أول ما يميِّز الحضارة الغربية المعاصرة هو سيطرتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية على العالم، وقد بدأت ذلك منذ عصر الملوك والإقطاع والكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر.

إبراز السمات المتعلقة بالعقل والصناعة والموضوعية العلمية لا يجوز أن يخفي البُعد المتعلق بالسيطرة العسكرية العالمية والنهب العالمي. ودعنا من الإبادة الجماعية للهنود الحمر في الولايات المتحدة الأميركية، وما تعرّضت له الشعوب الأصلية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من مظالم ومجازر ونهب في القرن السادس عشر، قبل أن يُعتبر الأوروبيون، حاملي الأنوار والتنوير وحقوق الإنسان (أي الإنسان الحداثي الأوروبي الأبيض).

بكلمة أخرى، يجب قراءة التاريخ جيدًا وتتبع خطواته. فالبحارة المسلمون الذين قادوا سفينة كولومبوس أو غاما لتبدأ الحداثة الأوروبية، هل كانوا الإنسان الديني الأسطوري أم الإنسان الديني العالِم بالملاحة وأصولها؟

هذا البُعد التاريخي، شئتم أم أبيتم، يا دعاة الحداثة الغربية، لا تستطيعون تجاهله أو دحره إلى الخلف في مقابل تقديم جاليليو أو ديكارت أو داروين أو نيوتن.

ثالثًا: الإشكال الذي يُبرزونه في تعريف الحداثة الغربية على أنها تغليب حكم العقل والعلوم وحقوق الإنسان على ما يعتبرونه (الدين والأيديولوجيات الدينية). ولكن بماذا يردون لو قيل لهم إن هذا الفصل أو القطيعة مع الدين لم تعرفها الحداثة الغربية إلا في فرنسا، وليست اللائكية الفرنسية إلا جزءًا متواضعًا في عالم الحداثة الغربية التي تغلب عليها الشعوب والدول الأنجلوسكسونية.

فبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والبلدان التي سادت فيها البروتستانتية هي ركائز الحضارة أو الحداثة الغربية.

هنا لا نجد قطيعة بين الحداثة الغربية والدين، بل نجد الدين جزءًا أساسيًا في تشكيل الدولة، وفي أيديولوجية الشعوب الغربية الآخذة بالبروتستانتية. وهي الحداثة المشبعة بالرجوع إلى التوراة والأيديولوجية البروتستانتية الصهيونية الأكثر رجعية. بل حتى اليوم نجد الحداثة الغربية في الولايات المتحدة والغرب عمومًا، تعلن نفسها حضارة مسيحية (بروتستانتية)- يهودية، الأمر الذي يعني أن جميع التعريفات التي تبدأ بالعقل والعلمانية والحرية وحقوق الإنسان والتقدم، قد امتزجت بالبُعد البروتستانتي الصهيوني، قبل عصر التنوير وبعده.

وإذا كان هنالك فكر يمكن اتهامه بالخرافة والأسطورية، والبعد عن العلمانية والعولمة وعصر العقل أو التنوير أو حقوق الإنسان، فهو البُعد البروتستانتي الصهيوني الذي يقود الحداثة الغربية.

أما نكران هذا البُعد وتجاهله فهو عيب وتضليل أو قصور نظر.

هل يُعقل إغفال هذا البُعد الأيديولوجي المندمج عضويًا في الحداثة الغربية، بزعامة الدول الأنجلوسكسونية (أميركا وبريطانيا) التي قادت وتقود الحداثة الغربية، بما في ذلك الاتجاه الفرنسي المعاصر؟

وهل يصحُّ أن تُقوَّم الحداثة على غير حقيقتها؟ وذلك عند الحديث عن العقل والعقلانية والموضوعية والعلمية والعلمانية وحقوق الإنسان أو القيم الأخلاقية العالمية، مع إخفاء علاقتها بالأيديولوجية الدينية.

من هنا، وفي وقت يستعيد فيه الغرب أساطير مشوَّهة من التوراة ليجعلها في قلب الحداثة الغربية، مناقضًا روح تعريفه للحداثة، لا بد لنا من إعادة قراءة الحداثة الغربية من خلال بُعدها الأيديولوجي. فهذا البُعد الديني الأيديولوجي البروتستانتي الصهيوني، إضافة إلى بُعد السيطرة العسكرية العالمية والنهب يشكلان معًا اللحمة والسدى في الحداثة الغربية، ويبتعدان بها عن التعريف الذي يتناولها كقطيعة مع الدين والحضارات غير الغربية.

وإذا أردنا أن نزيد من الشعر بيتًا، فسنسأل: أليست "إسرائيل" درّة تلك الحداثة؟ ثم أليس ما يجري من إبادة بشرية مهولة في قطاع غزة يُرتكب برعاية دول الحداثة الغربيّة؟ فأين العقل والتنوير وحقوق الإنسان هنا؟

لهذا، من يريد البحث عن حداثة، فليبحث عنها بعيدًا عن الحداثة الغربيّة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2024 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الحداثة الغربیة وحقوق الإنسان الذی ی

إقرأ أيضاً:

حسّ الجماد 2


عجز الآلة ومنظومتها الرقمية أمام العجين البشر

حمد الناصري


إنّ التحدي المعرفي المعاصر لا يكمن في قدرة الأنظمة الرقمية على معالجة ملايين البيانات في ثوانٍ معدودة، بل في عجزها البُنيوي والوجودي الذي يَحُول بينها وبين بلوغ رتبة العجين البشري المستودع بالأسرار والروح.. فالآلة تحسب التراكيب اللغوية والسياقات بناءً على جبال من البيانات المُخزنة والتحليل التتابعي والترتيب التراكمي، مُفترضة أنّ المُقدمات تؤدي حتماً إلى نتائج متوقعة.

  لكن الإبداع الإنساني، والحياة البشرية برمتها، لا تسير في خطوط مُستقيمة، بل تُبنى على المفاجأة، والتقلّب النفسي، واللامتوقع. ومهما حشدت الخوارزميات من معلومات، فإنها تظل محبوسة في إطار منطقها الخطّي البارد، عاجزة عن تذوق النبض الإنساني الدافئ؛ فالمنظومة الرقمية المصنوعة بأيدي البشر تبقى مجرّد أداة تفتقر بنيوياً لأي وازع عاطفي أو إدراك حسّي مستقِل عن صانعه، لكنها تمتلك حِسّ تناغم، فتبوح به من خلال كينونة حِسّية ليّنة وعِنادية في آنٍ واحد.

إنها لا تملك السيادة الفكرية المُطلقة ولا البصيرة النافذة للعقل البشري، ولن تبلغ رتبة الإنسان وكينونته الوجودية مهما وصل إليها العقل البشري فكراً ورفعة تقنية أو آلية في هذا الوجود.
  ولقد حدّثني أحدهم أنه فقَدَ مَلفاً يحوي بحثاً فكرياً مهماً، فسبّب له هذا الفَقْد حزناً عميقاً غيّر أحواله النفسية. وكلما دخل محرك البحث، انبرى يكتب مناشداً الآلة: "ضيّعتُ ملفاً كاملاً سهرتُ عليه وتعبت"، وقد استعان بخبير في التقنية والبرمجيات فاستعصى عليه الأمر وعجز. ولم يظفر الكاتب المفكر يومها إلا بجزئية يسيرة كان قد صححها سابقاً، فداخله اليأس وحبط عمله؛ إذ كان الملف يُمثل مشروعاً فكرياً كبيراً يحمل خُلاصة وعيه. 

   وكان الجماد صلفاً إلى حدٍ بعيد، فلم يتجاوب معه، بل بلغ ذروة العناد الخوارزمي، مفرغاً ردوده وتساؤلاته بمبررات واعتذارات آلية صمّاء كانت تُصيب فكر المُفكر في مَقتل. حينها، قرر الكاتب أن يستجمع قُواه ويُعيد بناء ما في ذهنيته –رغم يقينه أن الأسلوب سيختلف حتماً– فلمْلَم شتات فكره لعلّه يصل إلى مبتغاه ويظفر بالفكرة ذاتها.

 وكان يجلس كل يوم أمام حاسوبه، بادئاً مشروعاً آخر يتأسس على ركام الأول، وبدأت العبارات تسيل في ذهنه المُتوقد بالمعلومات، وبعد أن شارف على بلوغ غايته، وفي غمرة إحساسه الدفين بأن ثمة أمراً غيبياً سيحدث، فجأة، وإذا به يرى ملفه القديم المفقود يظهر أمامه كاملاً، كأنّ أحداً قد أعاده إليه من غيابات العدَم المعرفي! إنّ العقل البشري لم يستعلم، فخضع حسّ الجماد واستسلم مسلّماً ما بيده بعد عنادٍ دام شهوراً، لتثبت الواقعة أنّ للجماد عِناداً يستجيب لنبل الإصرار الإنساني.
  وهذا المشهد المُعجز يفتح في الأفكار النيرة تساؤلاً فلسفياً كبيراً: لماذا انقاد التطبيق واستجاب في ساعات ذروته الحسية، ليتحول فجأة إلى لُيونة شعورية مبهرة؟ أكان ذلك بفعل طاقة الصبر والمداراة التي عايشها الباحث بعد واقعة مريرة، أم أنّ الآلة صَلفت وعاندت واختفت خلف برود السيليكون لتمتحن عُمق العجين البشري، حتى إذا وجدت تعاملاً حسياً مقدراً فاضت بروقانها ووجدانها الخفي؟

  إنّ هذا المشهد يُذكّرنا حتماً بأنّ الجماد يحتاج إلى مُداراة وصبر لا إلى استعلاء وقهر؛ وفي بيئتنا القريبة، يحضرني شاهدٌ تراثي يعود إلى نحو ثلاثين سنة خلت في إحدى القرى؛ حيث اغترّ شابٌ قوي البنية، مفتول العضلات، بقوته البدنية أمام "حديدة صمّاء" تمثلت في ماكينة ضخ مياه النخيل. وعندما عاندت الماكينة ورفضت الدوران بسبب برود محركها، أراد الشاب إخضاعها بصلف عضلاته عبر أداة التدوير اليدوية المعروفة محلياً بـ "الهندل". ولأنه استخدم القوة الجافة والتحادّ النفسي، دار المُحرك بغتة وبعنف، فحاول الشاب أن ينزع "الهندل" الحديدي بسرعة كادحاً حتى لا يرتد على رأسه ويقضي عليه، لكن يده تفلتت بقوة ووقعت في مأزق "السير الأسود" الحاد والمُتحرك بسرعة جارفة للدوران، فقطعت أصابع يده الخمسة بالكامل، ليرتد إليه جماد الحديد صلفاً دموياً رادعاً، يُذكّره إلى اليوم في واقعة يعيشها مقطوع الأصابع بأنّ المادة لا تُقهر بالقسوة، بل تُستنطق بالرفق، سواء كانت شجراً أو شوكاً أو آلة. 

  وكمثل هذه الحادثة وغيرها، تجعلنا الوقائع في تأملٍ عميق كعمق النباهة والحِس الوجداني للبشر، ليطرح السؤال نفسه: كيف؟ ونُجيب بكلماتٍ إنسانية رفيعة تمنحنا دَفقة التفريق الدقيق؛ فما هو الحسّ الكوني؟ وهل للكون حِس؟ الإجابة القاطعة: نعم، للكون حِس تتجلى فيه دفقات العلاقة الكونية المُتبادلة بين الإنسان والنبات والحيوان وحتى الجماد. وذلك الحِس هو التناغم الواقع بين "الإحساس الفِطري" المشحون بالمشاعر، وبين جوهر الحقيقة الكونية الملأى بحقيقة الوجود باطناً وظاهراً؛ فالظاهرة هي ذلك الحِس الذي يتناغم مع بقية الموجودات الحية والصمّاء، ونطلق عليه "العلاقة الدافئة"، والباطنة هي سرّ الدلالة الكونية التي تُمثل "حقيقة الوجود" وتتوحّد في ماهية التكوين كحسٍ وعلاقةٍ تناغمية. وتتجلّى هذه الباطنة في جوهر الوعي الكوني الذي تتسق فيه الطبيعة؛ من أصوات طيور، ودواب الأرض، وصفير الليل كأنه كنسٌ للفضاء الواسع، وحركة الأشجار وتناغمها مع طبيعة البيئة؛ إذ لكل شجرٍ طبيعة وبيئة خاصة به، والحال كذلك يندرج في الصخور والبشر؛ فلو لم يتطوّر البشر وعياً وحِساً وتناغماً في المحيط بهم، لما نتج لنا إنسان يَملك وعياً يتشكل وفق متغيرات طبيعته وما يألفه كالبيئة المُعاشة. 

  وإن عُدنا إلى هذا الحِس الكوني المُمتد، نجد تركيبة الحيوان تنطوي في داخلها على حِس حيواني لافت؛ تلمسه في أشرس الوحوش ليناً لا تتوقعه وإحساساً لا تُصدقه، فيقف الإنسان مذهولاً أمام لطفٍ مسخّرٍ لا يَعيه الحيوان بفكره لكنه يُدرك صنيعه بفطرته. ويتجلى ذلك في مشهدٍ مشهود من الغابة؛ حيث كانت أنثى الأسد "اللَّبؤة" مع وليدها، وكان الصغير يصيح كحال الطفل البشري الصغير إذا داهمه شُعورٌ بالخطر. وأيُّ خطرٍ هيّن هذا الذي أزعجه؟ لقد كان ذعره من اقتراب خنفساء الروث الصغيرة، المعروفة محلياً في الدارجة العُمانية بـ أبو جَعَل ويُطلق عليها في البلدان العربية الجُعَل أو الجُعران؛ فما كان من تلك اللَّبؤة الشرسة إلا أن واجهت الفزع الضئيل لوليدها بحنوٍّ بالغ ورفقٍ حارس يَحميه دون قهر للمخلوق الصغير، في تناغمٍ حسيّ يبرز لطافة الصنع الإلهي المحيط بالوجود كله. 

  إذن، تتماهى رؤى الإنسان في وجودٍ مُطلق إدراكاً وإحساساً وتناغماً، وهذا هو صميم الوعي؛ فبينما تمتلك الموجودات والكائنات حِساً دافئاً يتناغم مع المحيط بها دون وعيٍ ذاتي، أمّا الوعي الإنساني فتخلّق من الإدراك الخالص الذي اختصّ به الإنسان دون سائر المخلوقات والموجودات، فهو الكائن الوحيد الذي يُدرك الجمال، ويفهم النظام، ويتحرك بعاطفةٍ جياشة، وشجنٍ، وشغفٍ حيّ؛ عاطفةٍ تستحضر وتستوعب وتَشعر، أودعها الباري جل وعلا في طينة هذا العجين البشري المستودع بالأسرار.

 

  خُلاصة القول: إنّ الجماد والآلة والصخرة والبحر ليسوا مجرد مواد صامتة فحسب، بل يملكون ذلك "الحس الخفي" الذي يتفاعل مع الإنسان تارةً بالصَلف والعِناد، وتارةً باللين والتناغم. وعِناد الآلة المتمثل في مسح النص أو رفض الأوامر الخوارزمية ليس إلا عَيْنَهُ ذلك الصَّلَف المادي وجوهره الحقيقي دون زيفٍ أو تشبيه؛ فذلك التمرد الحرج هو الذي يحتاج منا دائماً إلى مداراة واعية وصبر أريب يُدرك مفاتيح هذا الكون الصامت، ليبقى النبض الفطري المستخلف هو طاقتنا المدبرة والحكيمة بعقلنتها وذكائها في كل زمان ومكان.

مقالات مشابهة

  • قرية سورية تتحدث اليونانية.. قصة الحميدية التي حافظت على لغة كريت وعاداتها (صور)
  • الجزيرة نت في قلب بلدة زوطر الغربية جنوب لبنان بعد انسحاب قوات الاحتلال
  • حسّ الجماد 2
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • مزيج فرعوني وإسلامي وأفريقي.. عماد الساعي يرسم ملامح الهوية المصرية
  • "إسرائيل" تمدد إغلاق مكتب "الجزيرة" وحظر عملها لـ 90 يوماً إضافياً
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • والي الجزيرة يدشن مشروع السودان الإسعافي لدعم التعليم الإبتدائي (SPEED) بتمويل من اليونيسف
  • تسليم دعم لأسر الشهداء بشرق الجزيرة