كان لى خالٌ فى قريتنا، شيخ وقور جاوز السبعين من عمره، وبلغت به التجارب مبلغها الذى تصفو معه التجربة، فتجود بالحكمة الخالصة، والكلمة الصادقة، والرأى السديد.
تبدو على مُحيّاه أمارات الذكاء والحضور؛ كنت كثيراً ما استعذب الجلوس معه دوماً ولا أمل من حديثه الشيق، وكانت جلسته فيوضات من فقه وعلم وأدب وذوق وترقية وحياة، هو الشيخ مهدى على عبدالرحيم، طيّب الله ثراه، كان يدَرِّس لنا ونحن تلاميذ فى المرحلة الإعدادية اللغة العربية والتربية الدينية، ويراقب تطورنا فيما بعدها حتى تخرّجنا فى كلياتنا ثم التحقنا بالدراسات العليا، ولمّا كبرنا فرح بنا فرحاً شديداً حينما علم بحصولنا على الدكتوراه، لأنه كان مُحبّاً للعلم، فخوراً به، وبمن ينتسب إليه، لا يعرف فى الحياة أسمى منه قيمة، ولا أنفع فى الدارين منه وسيلة ولا غايّة.
كان من طلاب المعرفة الإلهيّة حقيقةً، لا يلتفت إلى دنيا، ولا تستهويه مفاتنها، ولا يجرى وراء منفعة شخصية، كان الحق على لسانه أبلجَ ناصعاً لا يخشى فيه لومة لائم، ولربما تسببّت جراءته فى الحق فى استعداء بعضهم ممّن كانوا يكرهون طلاقة الحق ويعشقون صولة الباطل.
تعلمت منه سر الحَوْقلة، فقد كان يكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وكان يرى فيها سرَّاً عجيباً، ويحثنا على المداومة عليها، ويحدثنا شغوفاً عن عجائب الدوام عليها، رحمه الله رحمة واسعة.
وذات يوم فى إحدى جلساته الصافية تطرق الحديث معه إلى العلم والعلماء، وإلى الرّدة عنه والفتور منه، وإلى التفوق فيه ثم النكوص عن هذا التفوق؛ وحدّثنا عن الأدب والأدباء وإبداع المبدعين، فإذا به يجود من وحى خبرته بألطف ما سمعت وخبرت، وبأثمن ما قرأت وعرفت من نفائس الوعى والمعرفة وتذوق الحقائق على النموذج الذى لا كلفة فيه ولا فى التعبير عنها حين يُراد من الكلفة الزخرفة والتنميق أو يُراد من التعبير عنها غير ما هو مكنون فى النفس ومبثوث فى طويا الضمير.
قال الشيخ المُحنك البصير، والذى هو فى سن الكهولة: هكذا يا ولدى علمتنى الحياة: أن العلم مركوزٌ فى نقاء الطبائع الإنسانية ارتكاز النار فى الهشيم؛ ما إنْ تتوهج شعلة النار فى عود واحد من أعواد كومة متراكمة من هشيم حتى تتقد وتشتعل ثم تلتهب وحافزها ما وراءها كامنٌ فيها يدفعها إلى مزيد من التلهب والاشتعال.
وكذلك العلوم والآداب والمعارف والفنون مركوزة فى طبع الطابع المطبوع على البحث والنظر أو على السليقة العلميّة أو الأدبية متى وجد الباعث على إخراجها من باطن إلى ظاهر، ومن داخل إلى خارج، ومن مستور خفى إلى مجلو واضح لا ظلمة فيه ولا كثافة.
إذا نحن وجدنا الباعث على إخراج «الجوانيّ» الكامن فى أعماق الذات حين تعى جُوَّانيها، صار ما بالداخل قوة حرية بالاهتمام والاكتراث أكثر ممّا نأخذه من ظواهر الأمور وسفاسفها.
يكمن الباعث ممّا لاشك فيه فى ذلك الفتيل الأول لإشعال هذه القوة الباطنة المستترة، وهى قوة «الاستعداد».
والاستعداد جذوة روحيّة عميقة ما تلبث أن تهيج فى جوف صاحبها حتى تأخذه من فوره إلى البحث والتفتيش أخذاً يُفْرقه عن غيره من بنى جلدته.
قوة الاستعداد هى قطعا من قوة الوجود الروحي، تلك القوة الفطرية فى بنى الإنسان يتفاوت الباذلون المجتهدون فيها كتفاوت الأنصبة فى موازين الحياة بين الربح والخسران؛ وتنقسم بينهم - وما هى بالقسمة الضيزى - حسب الجهد المتوافر لخدمة الاستعداد الباعث للعلو والارتقاء.
واحدٌ منهم يعليها ويرفعها ويجند نفسه لخدمتها، والآخر يهبط بها إلى الدرجة التى تتلاشى معها، فيسقط دونها، فلا ارتفاع إلى حيث ترتفع فى موازينه وتقديراته غيرها، ولا رقى لها ولا تجنيد لخدمتها حيث لم تعد هى مصدر اهتمامه ولا مبعث أفكاره وسلوكياته ولا حركة نشاطه.
واحدٌ راح يراها أقوى من كل قوة سواها، وواحد لا يعبأ بها ولا ينظر إنْ نظر إلى شيء من دلالتها لا لشيء إلا لأنها لا تدرك بالنظر ولا تنال بمدارك المحسوس، على الرغم من أنها توجد للجميع: الغافل منهم والنبيه، واليقظ فيهم لمقوماتها والسَّهيان، الطامع فى أن ينال منها حظاً رفيع المستوى والقنوع.
تلك إذن ليست بالقسمة الضيزى، ولا هى بالجائرة على حقوق العباد والمخاليق.
الكلُّ - يا ولدى - مُدْرِكٌ منها على حسب استعداده، وفورتها فيه من فورة استعداده، فإذا انقسم الناس فيها إلى رجل يرفعها ورجل يخفضها، فالاستعداد فى طليعة هذا الانقسام الذى يغلب عليه الإيمان على الجحود والنكران: الإيمان بها كقوة ناهضة للفرد إذا هو فهم هذه القوة، وعمل بما يجعله أهلاً لتلقى مواردها وعطاياها.
ثم إذا هو عرف أن هذه القوة من فيض الروح ومن وازع الضمير يتحرك ما إنْ تحركت ويرتفع متى ارتفعت فيه قواه الصالحة للبقاء وللعلو وللمطالب الإنسانية السامية على وجه العموم.
وعجباً كل العجب لهذا الشيخ المُحنك الخبير!
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
إقرأ أيضاً:
عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
تناولت الصحف الروسية في قراءتين مختلفتين، مجريات التصعيد في الشرق الأوسط تداعياته على الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى كاتبا القراءتين أن استمرار المواجهة مع إيران يضع واشنطن أمام تحديات إستراتيجية متزايدة، في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمة متنامية في شرعيتها الدولية، رغم استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟list 2 of 2بعد 5 أشهر من القصف.. لماذا لا تزال صواريخ إيران تشكل تهديدا؟end of listالمأزق الأمريكي في مواجهة إيرانيرى الكاتب ديميتري سيدوف أن إسرائيل تنظر إلى الضربات الأمريكية ضد إيران باعتبارها وسيلة لإضعاف القيادة الإيرانية واستهداف قيادات الحرس بهدف تقليص قدرة طهران على إدارة الصراع، إلا أن هذا النهج -حسب رأيه- قد يدفع إيران إلى مزيد من التصعيد بدلا من إضعافها، عبر توسيع دائرة الرد واستهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ويشير سيدوف -في مقال على موقع "فوينويه أبوزرينيه"- إلى أن أي تصعيد جديد قد يمنح إيران مبررا لتفعيل أدوات الضغط الإقليمية، بما في ذلك تهديد الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستفيدة من حلفائها الإقليميين، مما قد ينعكس سلبا على حركة التجارة العالمية.
وحسب الكاتب، فإن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية يكشف عن غياب خطة متماسكة لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء الأزمة.
ويرى أن واشنطن تواجه ضغوطا سياسية واقتصادية متزايدة، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية، وتفاقم تداعيات اضطراب أسواق الطاقة وحركة الملاحة في الخليج.
كما يعتقد أن فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية تبدو محدودة في ظل استمرار التصعيد العسكري، مما ينعكس على مكانة الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط.
إيران واستراتيجية استنزاف الخصومويرى سيدوف أن إيران استطاعت تحويل موقعها من طرف يتعرض للهجوم إلى طرف يمتلك زمام المبادرة في بعض جوانب الصراع، مستفيدة من اتساع أراضيها، وقدراتها الصاروخية، وشبكة حلفائها الإقليميين، وهو ما يجعل أي تدخل بري أمريكي خيارا شديد الكلفة من الناحية العسكرية والسياسية.
إعلانكما يعتبر أن الضربات الجوية، رغم تأثيرها، لم تنجح في إضعاف البنية العسكرية الإيرانية أو الحد من قدرة طهران على مواصلة المواجهة، مشيرا إلى أن الهدف الإيراني المعلن يتمثل في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
يرى الكاتب أن عامل الزمن بات يعمل لمصلحة إيران، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطا متزايدة لإظهار نتائج ملموسة، مشيرا إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب تعقيد الملف النووي الإيراني، قد يضع واشنطن أمام أزمة إستراتيجية يصعب احتواؤها.
ويخلص سيدوف إلى أن الحل العسكري وحده لن يكون كافيا لإنهاء الأزمة، وأن أي مخرج مستدام يتطلب العودة إلى مسار التفاوض، رغم إدراكه لصعوبة التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين في ظل تباعد مواقفهما.
ويختم بأن إيران لا تملك أوراقا رابحة كبيرة في اللعبة، لكنها تستخدمها بمهارة فائقة، فيما يذكرنا بحرب فيتنام وحرب أفغانستان، حيث بذل الأمريكيون جهودا مضنية لإقناع العالم بأن اللعبة لا تستحق العناء، وفي النهاية انسحبوا.
إسرائيل.. التفوق العسكري وأزمة الشرعيةوفي قراءة أخرى نشرها موقع "موسكوفسكايا غازيتا"، يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط ديميتري بريدزه أن إسرائيل تدخل مرحلة دقيقة من تاريخها، تجمع بين استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، وبين تصاعد أزمة شرعيتها على المستوى الدولي.
التحول في الرأي العام العالمي بعد حرب غزة انعكس في ازدياد مظاهر العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، من خلال تغير مواقف عدد من الدول داخل الأمم المتحدة
ويؤكد أن إسرائيل ما زالت تستند إلى عناصر قوة رئيسية، تشمل الاقتصاد المتقدم، والصناعة الدفاعية، والقدرات العسكرية والاستخباراتية، والدعم الأمريكي، إضافة إلى قدرتها على التكيف مع التحديات الأمنية.
غير أن الخطاب الدولي -حسب بريدزه- شهد تحولا ملحوظا منذ اندلاع الحرب في غزة، إذ بات يركز بصورة أكبر على الأوضاع الإنسانية، وحقوق الفلسطينيين، واحترام القانون الدولي، بدلا من التركيز التقليدي على الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
ويرى الكاتب أن هذا التحول انعكس في ازدياد مظاهر العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، من خلال تغير مواقف عدد من الدول داخل الأمم المتحدة، وتراجع مستوى الدعم الذي كانت تحظى به في بعض المحافل الدولية.
كما يشير إلى أن محدودية العمق الإستراتيجي لإسرائيل تجعلها أكثر تأثرا بأي تصعيد إقليمي، بحيث تتحول الأزمات المحيطة بها سريعا إلى تحديات داخلية مباشرة.
ويعتبر الخبير أن إسرائيل قد تحقق مكاسب عسكرية، إلا أن استمرار غياب تسوية سياسية للقضية الفلسطينية يزيد من الضغوط الدولية عليها، ويؤثر في صورتها باعتبارها دولة ديمقراطية وفق المفهوم الغربي.
كما يشير إلى وجود تغيرات في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، خاصة بين فئة الشباب، إلى جانب تنامي التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، وهو ما قد يؤثر مستقبلا في طبيعة الدعم السياسي الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة.
إعلانويرى الكاتب أيضا أن استمرار الخطابات الداعية إلى التوسع أو التمييز العنصري من قبل بعض التيارات داخل إسرائيل من شأنه أن يزيد من صعوبة تحسين صورتها على الساحة الدولية.
ويختم بأن الديمقراطيون إذا وصلوا إلى السلطة في الولايات المتحدة، فمن غير المرجح أن يدعموا إسرائيل دعما غير مشروط، كما أن نفوذ اللوبي الإسرائيلي قد يتقلص في الولايات المتحدة بشكل ملموس.
وتخلص القراءتان إلى أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في إدارة الصراع مع إيران، بينما تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة تجمع بين استمرار التفوق العسكري وتراجع رصيدها السياسي والدبلوماسي.
ويذهب الكاتبان إلى أن استمرار التصعيد العسكري، في غياب مسار سياسي فعال، قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق تداعياتها الإقليمية والدولية.