لجريدة عمان:
2026-07-24@12:48:27 GMT

مساحة للأمل في العام الجديد

تاريخ النشر: 31st, December 2024 GMT

«لا جديد يذكر.. ولا قديم يعاد»، هذه العبارة التي ينسبها البعض إلى الشاعر والمفكر العربي أبي العلاء المعري، تصلح تمامًا للتعبير عن مشاعرنا ونحن نودّع عام 2024، الذي كان -في تقديري- من أشد الأعوام قسوة على البشرية بوجه عام، والإنسان العربي على وجه الخصوص.

من مشاهد الحرب الإسرائيلية الهمجية على غزة والضفة الغربية، المستمرة حتى الآن، والتي راح ضحيتها نحو خمسين ألف شهيد فلسطيني، ومحاولات إخضاع المقاومة وجبهات الإسناد في لبنان، واليمن، وإيران، إلى الكوارث التي خلّفها نظام الأسد في سوريا، مرورا بما يحدث في السودان، نستطيع أن نقول للعام الذي حمل عصاه أمس ورحل «لا أعاد الله عاما مثلك مرة أخرى».

عاش العرب عاما صعبا شديد الوطأة.. عاما لم يتميز عما سبقه سوى في زيادة حجم الدماء العربية التي سفكت خلاله في غزة والضفة الغربية وبيروت وجنوب لبنان وصنعاء ودمشق، من عدو واحد وحلفائه الأوروبيين. حجم المعاناة الذي عاشته وما زالت تعيشه شعوب عربية عديدة بسبب صراعات وحروب إقليمية ودولية لم تكن لها يد في إشعالها أو إثارتها، لا يمكن تقديره أو وصفه.

كشف حساب العام الذي انتهى أمس يؤكد أن العالم أصبح بلا قلب، وأن المصالح غلبت المشاعر الإنسانية، وأننا لا نعيش في عالم واحد، بل عوالم متعددة منفصلة ومتناقضة ومتصادمة. كل الصور التي نقلتها وسائل الإعلام طوال العام الفائت عن الوضع الإنساني المتردي في غزة بسبب حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الكيان الصهيوني على البشر والحجر، لم تحرّك معظم دول وحكومات هذا العالم، ليس فقط الحكومات الغربية التي تسيطر على النظام العالمي، بل إنها ربما زادت من إصرارها على دعم التطهير العرقي الذي تقوم به إسرائيل في القطاع المنكوب بالمال والسلاح والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، بل أيضا حكومات إقليمية أيضا تدفع بكل ثقلها لضمان نجاح العدو الإسرائيلي في القضاء على المقاومة، ليس في غزة فقط ولكن في جميع جبهات المواجهة.

ولولا بقية قليلة من دول عربية ما زالت تدعم المقاومة وتدين الهمجية الصهيونية وتسمح لشعوبها بجمع التبرعات لإغاثة أهل غزة، لقلنا إن العرب جميعا كانوا غائبين أو مغيبين عن ساحات الصراع مع العدو الإسرائيلي خلال عام 2024. اللاعبون الرئيسيون في هذه الحرب الهمجية إلى جانب الكيان الصهيوني، هم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا بالإضافة إلى الأنظمة الإقليمية التابعة لهم، بذلوا كل ما يستطيعون من جهدٍ ومالٍ وعتادٍ حربيٍ وسلاح خلال العام، وما زالوا؛ لضمان استمرار الحرب على غزة ولبنان لأطول فترة ممكنة أملًا في القضاء على كل أشكال المقاومة العربية، وإفشال كل محاولات وقف العدوان الصهيوني الذي طال كل شيء في غزة.

ما الذي يمكن توقعه في عام 2025 الذي بدأ للتو؟ وهل يمكن أن يشهد انفراجة في الأزمات العربية المزمنة؟

واقع الأمر أن العام العربي الجديد يحمل من التحديات أكثر مما يحمل من الفرص. يعزز هذا الاستخلاص مجموعة من العوامل قد تسهم جميعا في بقاء الأوضاع العربية على ما هي عليه دون حدوث تغيير ملموس. يأتي على رأس هذه العوامل استمرار الدعم الأمريكي-الغربي لإسرائيل، بل وتوقع زيادة هذا الدعم بعد تولي الرئيس الأمريكي العائد دونالد ترامب مهام منصبه رسميا في 20 يناير الجاري.

العامل الثاني هو استمرار عجز منظمات المجتمع الدولي خاصة مجلس الأمن الدولي عن ردع إسرائيل، بسبب الفيتو الأمريكي المستمر على كل قرار يحاول المجلس اتخاذه لوقف الحرب على غزة.

ثالث العوامل التي تعزز التحديات وتقلل الفرص العربية في العام الجديد يتمثل في استمرار تراجع الدور القيادي للدول العربية الكبيرة، وإجبارها على الانكفاء على ذاتها، والانشغال بأزماتها وقضاياها الداخلية عن قضايا الأشقاء في فلسطين، ولبنان، وسوريا، واليمن، والسودان، وغيرها.

رغم التحديات المستمرة التي تواجه الأمة العربية في العام الجديد، فإن الأمر لا يخلو من العديد من الفرص المتاحة لتحسين الأوضاع العربية على أكثر من مستوى وبشكل إيجابي. في تقديري أن العام الذي بدأ اليوم يمكن أن يكون عام مداواة الجروح العربية النازفة في أكثر من بقعة جغرافية عربية وأهمها جرح غزة المفتوح منذ خمسة عشر شهرا، إذا ما تم استثمار الفرص المتاحة وحلحلة الخلافات والصراعات السياسية العربية-العربية بروح من الأخوة الصادقة كمقدمة ضرورية لتوحيد الرؤى والمواقف من الأحداث والقضايا العربية. تخيل مثلًا إذا اتفقت الدول العربية كلها في مطلع هذا العام على اتخاذ موقف واحد من الدولة الصهيونية، يقوم على وقف كل أشكال التطبيع والعلاقات الدبلوماسية والتجارية معها، ووقف كافة مساعي التطبيع، وكل محاولات توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي معها، وربط عودة كل ذلك بوقف فوري للحرب على غزة والانسحاب الكامل منها، وإعادة إعمارها؟ قرار عربي واحد مثل هذا القرار كان كفيلا بوقف الحرب منذ فترة طويلة، وما زلنا نأمل في صدوره مع بداية عام جديد لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها الشامل على غزة، كونها لا تستطيع الاستغناء عن الدعم اللوجستي والأمني والغذائي الذي تتلقاه من دول عربية.

أعلم أن هذا التوافق والاتفاق يبدو مستحيلًا لكنه يمثل في رأيي فرصة أخيرة من الفرص المتاحة أمام العديد من الأنظمة العربية لغسل سمعتها أمام شعوبها واستعادة جزء، ولو بسيط، من التضامن العربي. تخيل أيضًا أن توقف الدول العربية التي تقوم بالوساطة في المفاوضات العبثية لوقف الحرب واستعادة الأسرى، التي تحرص إسرائيل على إفشالها على الدوام، كل اتصالاتها مع الكيان الصهيوني وتربط عودتها للوساطة بوقف فوري وغير مشروط للحرب يبدأ بعدها التفاوض؟ ويبدو أن هناك فرصة تاريخية أمام الدول العربية للاستفادة من تغير التحالفات الدولية وتعزيز دور القوى الدولية الصاعدة والمناهضة للغرب مثل الصين وروسيا، وهو ما يمكن أن يُحجّم الدور الأمريكي المساند للدولة اليهودية.

في اعتقادي أن عام 2025 يحمل في طياته فرصًا كثيرة للعرب على المستوى السياسي. ففي ظل الأوضاع الداخلية للدول العربية، والأوضاع الاقتصادية العالمية، والتحولات الإقليمية والدولية، يمكن أن نتوقع أن يشهد العام جهودًا أكبر لحل الصراعات المزمنة، مثل الأزمة اليمنية، واستقرار الأوضاع في سوريا ما بعد الأسد، وانتهاء الحرب في السودان. وقد شاهدنا في الأيام القليلة الماضية بوادر تفكيك الأزمة السودانية من خلال تدخل تركي لتقريب وجهات النظر بين الداعمين العرب للطرفين المتصارعين، وتزايد الضغوط الدولية والإقليمية للتوصل إلى إنهاء الأزمة بما يصب في صالح الشعب السوداني الشقيق.

ما زالت هناك مساحة للأمل يمكن لنا أن نتمسك بها في مطلع العام الجديد، الأمل في مستقبل عربي أفضل يتمتع فيه الشعب الفلسطيني بحريته، وتعود للشعوب العربية عزتها وكرامتها، وتضامنها في مواجهة عالم لا يفهم إلا لغة القوة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: العام الجدید على غزة یمکن أن فی غزة

إقرأ أيضاً:

الجار الذي لا يخالط جيرانه

أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟

منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".

تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.

أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.

قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.

قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!

لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟

في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.

أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.

وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.

زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.

من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.

مقالات مشابهة

  • جوتيريش: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • أعضاء المحكمة الجنائية الدولية يصوتون على إقالة المدعي العام كريم خان
  • إصابة خطيرة في الركبة تبعد نجم برشلونة لأشهر
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • مصطفى بكري: تجربة عبد الناصر جمعت بين الإنجازات والتحديات ولا يمكن اختزالها في الأخطاء
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره