ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد بين الجهاد المدني وإعادة تأسيس الدولة

عروة الصادق

حين نقرأ ثورة ديسمبر 2018–2019 بوصفها مجرد انتفاضة أطاحت برأس نظام، نظلمها ونظلم أنفسنا، فالحادثة كانت أعمق من سقوط حاكم، وأوسع من تغيير حكومة. ما جرى كان، في جوهره، انفجارًا أخلاقيًا وسياسيًا في وجه بنية دولة مختلّة، ومحاولة جيل كامل أن يكتب عقدًا جديدًا بين السودان ونفسه.

ولأننا نرى الأشياء بعين البصيرة لا بعين اللحظة، فإن الثورة تُقرأ كمسار لا كـ«حدث»، مسار بدأ باحتجاجات الخبز، وتجلّى في اعتصام القيادة العامة، ثم تعثّر في ممر الانتقال، ثم انقلب إلى حرب، وما زال يحمل في داخله إمكان مشروع خلاص وطني متى أحسنّا قراءته وأحسنّا تحويله إلى برنامج بناء.

هذه المقالة تحاول أن تقارب الثورة بمنهج رؤيوي، تحلل بنيتها، وتستخرج من سيرورتها دروسًا في فقه الجهاد المدني، وتقرأ انقلاب 2021 وحرب 2023 بوصفهما ذروة ثورة مضادة لم تُحسَم فصولها بعد، ثم تطرح ملامح طريقٍ لعودة الثورة، لا كشعار يتردد، وإنما كبرنامج إنقاذ وطن.

أولاً: ما عظمة ثورة ديسمبر؟ تعريف يتجاوز الإنشاء

عظمة الثورة تُقاس بثلاث قدرات تاريخية توافرت لها في لحظة واحدة، لا بعدد الأيام في الشارع، ولا بكثرة الشعارات على الجدران، ولا حتى بمآلها السياسي الأول.

نقل السياسة من النخب إلى المجتمع

لأول مرة منذ عقود أصبحت السياسة في السودان ممارسة يومية في الحيّ والشارع والجامعة وموقف المواصلات، بعد أن ظلت زمناً طويلاً حوارًا محصورًا بين حزب ونخبة ومجالس فوقية. تحوّلت لجان الأحياء إلى خلايا وعي وتنظيم، والمواكب إلى استفتاء متكرر على شرعية السلطة، والمتاريس إلى رموز لمجتمعٍ قرر أن يحمي نفسه بنفسه. بهذا المعنى خرج تعريف السياسة من دائرة النخبة إلى فضاء المجتمع، وصار الصراع مفتوحًا على تعريف الوطن ذاته: من يحكم؟ ولمن تُحكَم الدولة؟ وبأيّ حق؟ وكيف تُصان كرامة الناس في يومهم العادي قبل خطابات المنابر؟

بناء شرعية أخلاقية جامعة

رفعت الثورة شعار «سِلمية» بوصفه سلاحًا شرعيًا، لا زينة لغوية. السلمية هنا تُفهم كاستراتيجية قوة، فهي تعزل الثورة عن تهمة الإرهاب والتمرد المسلح، وتضع السلطة في مواجهة ضميرها وضمير العالم حين تُقابل الأيادي العارية بالرصاص، وتستدعي التعاطف الداخلي والخارجي، وتُلقي على الخصم عبء كل طلقة يطلقها، عبءً سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا. هكذا تحولت السلمية إلى صيغة من «الجهاد المدني»، مقاومة عنيدة متدرجة ترفع كلفة القمع، وتغلق الأبواب أمام الانزلاق السريع إلى حرب أهلية شاملة، وتُبقي المجتمع متماسكًا بقدر ما تسمح به لحظات الصدام القصوى.

توحيد الوجدان بسردية وطنية بسيطة وعميقة

بدأت الشرارة من أزمة معاشية، الخبز والوقود والندرة والبطالة، ثم ارتفع الشعار سريعًا إلى مستوى آخر: «سلمية سليمة»؛ «تسقط بس»، «حرية سلام وعدالة»، «مدنية مدنية»، «عندك خت ما عندك شيل»؛ «يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور». في هذه العبارات القصيرة تكثيف لتحولٍ عميق: انتقال من السخط على الأسعار إلى رفضٍ جذري لبنية حكم، ومن ضيق المعيشة إلى سؤال الشرعية، ومن تعدد الهويات إلى لحظة وجدان مشترك يرى «الشعب السوداني» ذاتًا واحدة تطالب بحقها. هذا التوحيد الوجداني لا يمحو التنوع، وإنما يعلو عليه مؤقتًا ليخلق لغة مشتركة، تسمح لمواطني الشمال والغرب والشرق والجنوب السابق أن يلتقوا في ميدان واحد تحت راية واحدة، ويستعيدوا فكرة الوطن كمساحة عقد لا كمساحة غلبة.

ثانيًا: البنية التي ثارت عليها الثورة، أزمة دولة لا أزمة حكومة

لا يُفهم اتساع الثورة ما لم يُفهم اتساع الأزمة. فالنظام الذي قام في 1989 لم يكن مجرد سلطة سياسية تُقاس بأخطائها اليومية، وإنما مشروع دولة حزبية أمنية أعادت تشكيل المجتمع والاقتصاد والمؤسسات على صورتها، حتى صار الخلل بنيويًا متغلغلًا في مفاصل الدولة والمجتمع معًا.

اقتصاد متهالك ومجتمع على حافة الانفجار

سنوات من الحروب والعقوبات والفساد والزبائنية حولت الاقتصاد إلى جسد منهك: تضخم متصاعد، ندرة في الخبز والوقود والدواء، بطالة عالية بين الشباب، وريـع متولد من الحرب والتهريب والجبايات غير الرسمية. هذا الخليط جعل «العيش اليومي» فعلاً سياسيًا، وحوّل طوابير الخبز والوقود إلى مساحات احتقان ووعي. وعندما انفجر الغضب خرج من دفتر الأسعار إلى سؤال المسؤولية عن انهيارٍ بنيوي طال الدولة ومؤسساتها وأخلاق الحكم فيها.

دولة أمنية حزبية راكمت المظالم في المركز والأطراف

أحاط النظام نفسه بأجهزة أمنية متشعبة، وشبكة ولاءات سياسية واقتصادية، واستخدم الحرب في الأطراف، دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، أداة لضبط المجال السياسي لا أداة لحماية الوطن. وبهذا تعمَّقت مسافة الشك بين الدولة والمجتمع: في الهامش رأى الناس مركزًا يستنزفهم، وفي المركز رأى الناس سلطة تحول العاصمة إلى جزيرة امتياز فوق بحر من الحرمان. وتراكم المظالم على هذا النحو صنع شعورًا عامًا بأن الدولة تعمل كآلة سيطرة لا كعقد حماية وخدمة.

تسييس كل مجالات الحياة بالقهر

حين تُلاحَق الصحف، وتُكمَّم النقابات، وتُحاصر الجامعات، وتُخترق المنابر الدينية، وتُراقب الفنون، يصبح كل مجال من مجالات الحياة مسيّسًا بالقهر، وتغدو كل كلمة ضد الظلم خطوة على طريق الثورة. لذلك خرجت ديسمبر من معنى «الثورة السياسية» بالمعنى الضيق إلى معنى أوسع: ثورة على نمط حياة مفروض، وعلى دولة تريد امتلاك الجسد والرزق والفكر معًا.

ثالثًا: الثورة كتصميم قوة، من حدث احتجاجي إلى استراتيجية جهاد مدني

ثورة ديسمبر يمكن قراءتها كتجربة مقاومة مدنية صاغت أدواتها بوعيٍ متدرّج، كأنها تتحرك وفق فقه المراحل والمآلات، فتنتقل من الاحتجاج إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى خلق ميزان كلفة جديد للحكم.

التمدد الأفقي، من عطبرة إلى الوطن

انطلقت الشرارة من عطبرة، غير أن بنية المجتمع السوداني، المدن المترابطة والحركة الطلابية والمهنيون وشبكات التواصل، جعلت الشرارة تتحول إلى شبكة تمتد من الأطراف إلى الخرطوم. تحالف المهنيين والناشطين وشباب الأحياء أسهم في تحويل الحدث المحلي إلى مشهد وطني، في صورة تنظيم شبكي لا يعتمد على «زعيم واحد» يمكن إسكات صوته لكسر الحركة، وإنما شبكة منسقين تحمي بعضها بعضًا.

أدوات تعبئة منخفضة الكلفة عالية الأثر

اخترعت الثورة أدواتها: مواكب منتظمة بأسماء وأيام معلنة، وشعارات قصيرة حافظة للمعنى قابلة للترديد في كل مكان، وفنون وأغانٍ وهتافات حولت الفعل السياسي إلى حدث وجداني، ورموز جديدة أبرزها صورة «الكنداكة»؛ المرأة التي تقف على سقف سيارة تهتف للحرية فتختصر دور النساء وكرامة الشعب وارتفاع الرأس بعد طول انحناء. هذا الابتكار في أدوات التعبئة جعل السياسة أقرب إلى الحياة وأشد التصاقًا بالناس، فأصبحت الثورة لغة يومية لا خطاب نخبويًا بعيدًا.

الاعتصام أمام القيادة، مساحة محررة ومختبر وطن

عندما تحوّل محيط القيادة العامة إلى اعتصام مفتوح حدث تحول نوعي: الشارع لم يعد «ممر مظاهرات» وإنما صار مدينة سياسية مصغرة. لجان خدمة تنظم الطعام والنظافة والأمن الداخلي، منصات نقاش وحلقات حوار حول مستقبل الحكم، خطاب وطني جامع تُرفع فيه أعلام الأقاليم وتُستعاد أغاني الهامش ويُكتب على الجدران أن السودان للجميع. بهذا المعنى كان الاعتصام تمرينًا مبكرًا على الوطن: كيف يمكن أن نتعايش؟ كيف نحكم أنفسنا بلا عسف؟ من يراقب من؟ وكيف تتحول الجماعة من احتجاج إلى إدارةٍ للفضاء العام؟

العصيان والإضراب، تعطيل ذكي بلا رصاصة

بعد مجزرة فض الاعتصام، وهي جرح غائر في الضمير السوداني، لم تنطفئ جذوة الثورة، وإنما تبدلت أدواتها. انتقل مركز الثقل من الميدان إلى العصيان والإضراب السياسي، وأظهرت الأيام التي شُلّ فيها المرفق العام أن الدولة لا تعمل بالأوامر وحدها، وإنما برضى آلاف العمال والموظفين والمواطنين. وارتفعت كلفة الحكم العسكري، فصار أمام معادلة شاقة: تنازل يخفف الاحتقان، أو مواجهة نزع الشرعية داخليًا وخارجيًا. هكذا برهن الجهاد المدني على قدرته على فرض الإرادة بلا رصاصة واحدة.

رابعًا: التحول في العقل السياسي السوداني، من رهبة السلطة إلى سيادة الشعب

قد لا تُختَتم الثورات سريعًا بترتيبات سياسية نهائية، لكنها تخلّف وراءها عقلًا جديدًا. وثورة ديسمبر أنجزت في هذا المستوى إنجازين مفصليين.

نزع القداسة عن السلطة

قبل ديسمبر سكن في الوعي العام، بفعل التاريخ والانقلابات المتكررة، أن الجيش والأمن «قدر» على السياسة، وأن المدنيين يُسمح لهم بالحكم حين يرضى العسكري ويُستغنى عنهم حين يشاء. جاءت الثورة لتكسر هذه الرهبة وتعيد تعريف العلاقة: لا قداسة لسلطة فوق إرادة الناس، ولا حصانة لمؤسسة حين تعتدي على العقد الوطني. هذا التحول في الوعي أصعب من إسقاط حاكم، لكنه يخلق أجيالًا لا تُخدع براية «المنقذ العسكري» ولا تمنح الاستبداد غطاءً باسم الأمن.

إعادة تعريف الوطنية كعدالة

هتف الثوار: «حرية، سلام، وعدالة»، وترتيب هذه الكلمات يحمل معنى عميقًا: حرية من دون سلام تفتح الباب للفوضى، وسلام من دون عدالة يتحول إلى هدنة هشة فوق فوهة بركان، وعدالة من دون حرية قد تنحرف إلى انتقام مقنّع. هكذا صارت الوطنية التزامًا ببناء دولة لا تقصي أحدًا ولا تظلم إقليمًا ولا تحول موارد البلاد إلى غنيمة نخبة صغيرة. هذه الرؤية ألهمت نشوء لجان المقاومة بصيغتها المتقدمة: كيانات قاعدية تحرس المعنى أكثر مما تسعى لمقاعد السلطة.

خامسًا: مأزق الانتقال، من الشارع إلى الدولة: أين تعثّرت القافلة؟

الانتقال من الثورة إلى الدولة يمثل عنق الزجاجة في كل تجربة تغيير، وفي السودان ظهر هذا المأزق بحدة.

معادلة الشراكة المدنية العسكرية، ترحيل الصراع لا حسمه

الوثيقة الدستورية في 2019 كانت محاولة لتسوية انتقالية تقوم على شراكة بين المدنيين والعسكريين. غير أن العسكريين امتلكوا السلاح والموارد وشبكات الدولة العميقة، بينما القوى المدنية دخلت المرحلة مثقلة بانقسامات وبخبرة تفاوضية متباينة، ودون اتفاق كافٍ على برنامج موحد لإعادة بناء الدولة. وبذلك انتقل الصراع من الشارع إلى مؤسسات انتقالية هشة، من دون تفكيك جذري لاقتصاد العنف ولا لإمبراطوريات المال والسلاح التي ترعرعت في عهد النظام السابق.

انفصام بين الشارع والقيادة

مع مرور الوقت شعر قطاع معتبر من قواعد الثورة باتساع المسافة: قرارات تُتخذ بقدر محدود من الشفافية، وتسويات فوقية لا تستوعب الشارع في تفاصيلها، وشعور متنامٍ بأن من جلسوا على كراسي السلطة الانتقالية، مدنيين وعسكريين، لا يجسدون بالكامل روح ديسمبر. هذا الانفصال سهّل على قوى الثورة المضادة استثمار التخويف من الفوضى، وتقديم انقلاب أكتوبر 2021 باعتباره «تصحيحًا للمسار» لدى بعض القطاعات، قبل أن تتكشف حقيقة الردة.

سادسًا: من الثورة إلى الحرب، حين انقلبت الدولة على المجتمع

حرب 15 أبريل 2023 لا تقف خارج السياق، فهي ثمرة مرّة لفشل حسم سؤال السلاح والدولة.

تعدد مراكز القوة المسلحة

في ظل التردد في إصلاح القطاع الأمني، ظل جهاز الدولة حاملاً أكثر من مركز قوة: جيش نظامي متشعب، قوة موازية نمت في الهامش ثم تصدّرت المركز، ومليشيات محلية وإقليمية ترتبط بهذا الطرف أو ذاك. وعندما انفجرت التناقضات بين هذه المراكز وجد المجتمع نفسه ساحة حرب بين أطراف يفترض فيها حماية الوطن.

الحرب بوصفها ذروة الثورة المضادة

ما كان يخشاه العقل الاستراتيجي وقع: من ثورة تطالب بمدنية كاملة، إلى انقلاب يعيد العسكر إلى الواجهة، إلى حرب تمزق المدن والريف وتستخدم التجويع والنزوح والعنف الجنسي أدوات في الصراع. انتهى تفويض البعثة الأممية المعنية بالانتقال، وتحوّل السودان في عيون العالم من «انتقال سياسي» إلى «صراع مسلح مفتوح». بهذا المعنى انتقلت الثورة المضادة من كسر شوكة الشارع إلى محاولة كسر ظهر المجتمع والدولة معًا.

سابعًا: كيف تعود الثورة؟ من شعار إلى برنامج للخلاص الوطني

السؤال الآن يتجاوز تقييم صواب الثورة، فقد أجابت دماء الشهداء عنه، ويتجه نحو كيفية استعادة روحها لتتحول إلى برنامج خلاص لا مجرد ذكرى.

الجواب يحتاج إلى استراتيجية مزدوجة المسار.

المسار الأول: إنقاذ المجتمع، وقف الحرب وحماية المدنيين

هذا واجب الوقت الأخلاقي والإنساني: وقف إطلاق نار قابل للمراقبة، لا بيانات شكلية، يتبعه فتح ممرات إنسانية وضمان أمن المدن والمعسكرات ووقف استهداف المدنيين في كل الجبهات. كما يحتاج إلى توحيد الصوت المدني في مطلب حماية الناس، بصرف النظر عن اختلاف البرامج السياسية، فالحد الأدنى هنا يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع. ويحتاج كذلك إلى ضغط إقليمي ودولي على رعاة الحرب، من يمول السلاح ويغض الطرف عن الانتهاكات ويستخدم السودان ساحة لتصفية الحسابات، حتى يدرك أن الكلفة السياسية والأخلاقية لن تكون سهلة. ويحتاج أخيرًا إلى توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة، حتى لا تضيع الحقوق، وحتى يعلم المتورطون أن العدالة قد تتأخر، لكنها تظل طريقًا مفتوحًا لا يمكن إغلاقه إلى الأبد.

المسار الثاني: إنقاذ الدولة، صياغة عقد سياسي جديد

من دون دولة راشدة، لن تجد أي هدنة أرضًا تقف عليها. لذلك تحتاج القوى المدنية الجادة، والنقابات المستقلة، ولجان المقاومة، والفاعلون الاجتماعيون، إلى الالتفاف حول برنامج حد أدنى يمكن تلخيصه في نقاط مترابطة: مدنية كاملة تنهي أي صيغة تجعل السلاح شريكًا حاكمًا، وقوات مسلحة قومية مهنية بعد تفكيك منظومة “الإخواسكرية” وهيكلة بنية القوات النظامية وإصلاحها تحت إمرة سلطة مدنية منتخبة. وإصلاح جذري لقطاع الأمن يقود إلى جيش واحد مهني يخضع للدستور والمساءلة، مع دمج أو حل كل التكوينات والقوات الموازية وفق معايير زمنية واضحة وبرامج نزع سلاح وإعادة دمج متفق عليها ومسنودة بخطط اقتصادية واجتماعية. وعدالة انتقالية سودانية الروح توازن بين كشف الحقيقة ومحاسبة كبار المسؤولين عن الجرائم وجبر الضرر وفتح باب المصالحة المجتمعية، بحيث لا تُبنى البلاد على النسيان ولا تُدار بثقافة الثأر. واقتصاد سلام يقطع مع اقتصاد الحرب، يخضع الموارد للشفافية ويعيد هيكلة المالية العامة ويوجه الاستثمار نحو الزراعة والرعي والصناعة المحلية والبنية التحتية في الأقاليم المهمشة، لأن أي تسوية تتجاهل شبكات التهريب والجبايات غير القانونية والشركات المرتبطة بالقوى المسلحة ستعيد إنتاج العنف بصيغ جديدة. ومواطنة تعاقدية ووحدة بالتنوع، عبر عقد جديد يمنح الأقاليم صوتها ومصلحتها، ويعترف بالتعدد الثقافي والديني واللغوي، ويجعل الانتماء للوطن أعلى من الانتماءات دون أن يلغيها.

هذا البرنامج ليس ترفًا فكريًا، وإنما ترجمة استراتيجية لشعار «حرية، سلام، وعدالة» في زمن الحرب.

ثامنًا: دروس المنهج، ما الذي تعلّمناه للمرة القادمة؟

العقل الاستراتيجي يحوّل الألم إلى معرفة. وتجربة ديسمبر بما تلاها تقدم دروسًا كبرى.

قوة الشبكات وحدودها

أثبتت لجان المقاومة والشبكات الأفقية أنها أكثر صمودًا أمام القمع وأكثر قدرة على ربط السياسة بالحياة اليومية. غير أن الانتقال إلى بناء دولة يحتاج، إلى جانب قوة الشبكات، قدرًا من المركز: قيادات منتخبة، ناطقين رسميين، وآليات تفاوض شفافة، حتى لا تُختطف الثورة باسم تمثيلٍ لا يخضع للمساءلة.

سلمية لا تعني السذاجة

السلمية خيار استراتيجي يرفع كلفة القمع ويحافظ على النسيج الاجتماعي. ومع ذلك، فإن حسن الظن المفرط يفتح ثغرات قاتلة، والتساهل في ملفات تفكيك بنية التمكين وإصلاح القطاع الأمني وضبط السلاح خارج الدولة يسمح للردة بالعودة. كل ثغرة في هذه الملفات تتحول إلى فتحة في جدار الثورة يدخل منها الانقلاب والحرب.

لا انتقال بلا تفكيك اقتصاد العنف

اقتصاد الحرب أخطر من الحرب ذاتها لأنه يبقى بعد صمت المدافع. شركات الظل والتجارة غير المشروعة وربط الامتيازات بالسلاح عناصر تُحوّل السلام إلى تهديد لمصالح مجموعات نافذة. إعادة بناء الاقتصاد على الشفافية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التنمية واستعادة الموارد المنهوبة قضايا سياسية بقدر ما هي فنية، وهي شرط لبناء سلام قابل للبقاء.

ضرورة تجسير الفجوة بين القاعدة والقيادة

لجان المقاومة والنقابات والكيانات المهنية والشبابية تمثل رصيدًا واسعًا من الوعي، وتركها خارج دوائر القرار يصنع فجوة خطيرة. المطلوب عملية سياسية جديدة تعترف بهذا الرصيد وتبتكر صيغ تمثيل للقاعدة، عبر مجالس محلية أو ترتيبات قاعدية منتخبة أو آليات رقابة شعبية، حتى يشعر الناس أن العقد الجديد صُنع بأيديهم، لا فُرض عليهم من فوق.

تاسعًا: الثورة كعهد لا كموسم، كلمة أخيرة

من السهل رثاء ثورة ديسمبر وسرد بطولاتها ولعن خيانات الطريق ثم العودة إلى اليأس. الأصعب، والأشرف، حملها عهدًا لا موسمًا.

عهدًا مع أنفسنا: ألا نقدّس سلطة بعد اليوم، وألا نُضيّع دماء الشهداء في مساومات رخيصة، وألا نسمح باختطاف الوطن مرة أخرى بين فكي حزب واحد أو بندقية واحدة. وعهدًا مع هذا الوطن أن نراه وحدة في تنوع، لا غنيمة جهوية أو أيديولوجية، وأن نجعل من جراحه درسًا للإقليم والعالم: شعب قادر على تقديم نموذج في الجهاد المدني، وقادر على إعادة تأسيس الدولة بعد الحرب متى امتلك أدوات البناء وإرادة التماسك.

وثورة ديسمبر، رغم ما يحيط بها اليوم من حرب وجوع وتشريد، ما زالت تحتفظ في أعماق الناس بمخزون من الأمل والمعنى. هذا المخزون هو الطاقة الثورية الحقيقية، لا تُقاس بالمواكب وحدها، وإنما بإصرار الناس على أن هذا الوطن يستحق أفضل مما هو فيه، وبقناعتهم أن طريق الحرية والسلام والعدالة، مهما طال، يمثل الطريق الوحيد الذي يوصل.

ومن هنا يصبح السؤال ليس: هل انتهت الثورة؟ وإنما: متى نبلغ نضجًا يجعلنا نحولها من لحظة احتجاج إلى مشروع بناء؟ وذلك هو التحدي الأكبر لجيلٍ عاش ثورة وانقلابًا وحربًا في عقد واحد، وهو مطالب مع ذلك أن يؤمن أن الفجر، مهما تأخر، ممكن، وأن السودان، مهما نزف، قادر على النهوض متى اجتمعت حول ميثاقه قلوب صادقة، وعقول مجتهدة، وأيادٍ تبني ولا تهدم.

الوسوماعتصام القيادة العامة اقتصاد العنف الإضراب الدولة السودان القيادة والقاعدة ثورة ديسمبر عروة الصادق عقد سياسي جديد

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: اعتصام القيادة العامة الإضراب الدولة السودان القيادة والقاعدة ثورة ديسمبر عروة الصادق عقد سياسي جديد لجان المقاومة ثورة دیسمبر ت الثورة سیاسی ا من دون طریق ا

إقرأ أيضاً:

مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين

 

يتجه التعاطي الأميركي مع الحرب في السودان نحو مرحلة جديدة، مع تقدم مشروعي قانون داخل الكونغرس يهدفان إلى تشديد الضغوط على أطراف النزاع وداعميهم، عبر توسيع العقوبات، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتعزيز حماية المدنيين، وإعادة تنشيط الدور الأميركي في جهود إنهاء الحرب.

التغيير ــ وكالات

وينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026، المعروف باسم قانون سلام السودان (PEACE in Sudan)، فيما يبحث مجلس النواب قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني، الذي يطرح رؤية أوسع تشمل العقوبات، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم العملية السياسية.

ورغم اختلاف نطاق كل مشروع، فإنهما يعكسان توافقاً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين على تحويل السياسة الأميركية تجاه السودان من إجراءات تنفيذية متفرقة إلى إطار تشريعي دائم، يركز على محاسبة أطراف الحرب، والجهات التي تمولها أو تزودها بالسلاح، إضافة إلى المسؤولين عن الانتهاكات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

ولا يزال المشروعان في مراحلهما التشريعية، إذ يحتاج كل منهما إلى إجازة المجلس الذي ينتمي إليه، قبل التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها مجلسا الكونغرس، ثم تُحال إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليها لتصبح قانوناً نافذاً.

مشروع مجلس الشيوخ

قدم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش، إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، مشروع قانون سلام السودان بدعم من الحزبين، وأقرت اللجنة المختصة المشروع في يونيو الماضي تمهيداً لطرحه أمام المجلس.

ويمنح المشروع الإدارة الأميركية صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب الأفراد والجهات التي تقدم التمويل أو السلاح للطرفين، كما يوسع نطاق العقوبات الحالية.

ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول التدخلات الخارجية وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بالحرب، فضلاً عن تحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية مع السودان.

كما يقترح تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام، مع تعزيز الرقابة البرلمانية على تطورات النزاع، ومنع توجيه أي دعم مستقبلي قد يسهم في إعادة تمويل المؤسسات العسكرية أو الأمنية المتهمة بتقويض مسار الانتقال المدني.

مشروع مجلس النواب

في المقابل، يتبنى مشروع قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني رؤية أشمل للسياسة الأميركية تجاه السودان، إذ يدعو إلى دعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واستئناف العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي.

ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية متكاملة للتعامل مع الأزمة، تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود السلام، إلى جانب استخدام النفوذ الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان.

كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو عرقلة المساعدات الإنسانية، بما يشمل تجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية، ورفض منح التأشيرات، فضلاً عن ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

حماية المدنيين وإمكانية دعم قوة دولية

ويتضمن مشروع مجلس النواب بنداً يتيح للولايات المتحدة دعم بعثة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، أو قوة متعددة الجنسيات، إذا تقرر نشرها في السودان لحماية المدنيين.

كما يوجه الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها داخل الأمم المتحدة للدفع نحو إعداد خطط عملية لحماية المدنيين، وتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والعمل على إزالة القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.

ولا يعني ذلك اتخاذ قرار أميركي بإرسال قوات إلى السودان، وإنما يهيئ أساساً قانونياً يسمح بدعم أي بعثة دولية أو أفريقية قد يتم الاتفاق على نشرها بتفويض دولي.

استهداف داعمي الحرب

ويشترك المشروعان في التركيز على دور الأطراف الخارجية في إطالة أمد النزاع، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي تزود طرفي الحرب بالسلاح أو التمويل أو أي شكل من أشكال الدعم، وتقييم مدى مخالفة تلك الأنشطة لحظر الأسلحة المفروض على السودان.

ويمضي مشروع مجلس النواب خطوة أبعد، إذ ينص على حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية الرئيسية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأحد طرفي النزاع، مع منح الرئيس الأميركي صلاحية استثناء محدود إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.

كما ناقشت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مقترحات مماثلة لمنع مبيعات السلاح للدول الداعمة لأي من طرفي الحرب، وحظيت بتأييد عدد من أعضاء الحزبين، إلا أن بعضها لم يُدرج في الصيغة النهائية للمشروع.

العدالة والمساءلة

ويولي مشروع مجلس النواب اهتماماً خاصاً بمسار العدالة، إذ يدعو إلى دعم جهود توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما في ذلك جرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع.

ويمتد نطاق المساءلة، وفق المشروع، ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من انتهاكات.

كما يدعو المشروع إلى دعم عملية سياسية لا تقتصر على الأطراف العسكرية، وإنما تشمل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والمجتمعات المهمشة، ضمن مسار دستوري يقود إلى استعادة الحكم المدني.

تحول في السياسة الأميركية

ويعكس تقدم المشروعين داخل لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب اتجاهاً متنامياً داخل الكونغرس يرى أن العقوبات الفردية والبيانات الدبلوماسية لم تعد كافية للتأثير في مسار الحرب، وأن المطلوب هو إطار تشريعي أكثر صرامة يربط بين الضغط على أطراف النزاع، ومحاسبة داعميهم الخارجيين، وحماية المدنيين، ودفع عملية سياسية تقود إلى الحكم المدني.

وفي حال إقرار المشروعين بصيغة موحدة، فسيشكلان أول إطار تشريعي أميركي متكامل للتعامل مع الحرب في السودان، واضعين العقوبات والمساءلة وحماية المدنيين ومكافحة التدخلات الخارجية في صلب السياسة الأميركية تجاه الأزمة.

الوسومتجفيف تمويل الحرب تعزيز حماية المدنيين جهود إنهاء الحرب مشروعا قانون في الكونغرس

مقالات مشابهة

  • علي الدين هلال: نجاح الدولة الوطنية يرتبط بالتوازن بين الحكومة والمجتمع
  • علي الدين هلال: مكتسبات ثورة 23 يوليو لا تزال حاضرة في المجتمع
  • أمين المؤتمر بأسيوط: كلمة الرئيس في ذكرى ثورة يوليو تؤكد مواصلة مصر لبناء مستقبلها
  • الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
  • المؤتمر بأسيوط: كلمة الرئيس في ذكرى ثورة يوليو تؤكد مواصلة مصر لبناء مستقبلها
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • كيف غيرت ثورة 23 يوليو وجه مصر: من القصر إلى الجمهورية؟