سودانايل:
2026-07-24@08:47:02 GMT

“الشيالين: رقصة الظل المكسور“

تاريخ النشر: 10th, January 2025 GMT

إبراهيم برسي - 9 يناير 2025

لم أكن أهتم كثيرًا لشأن “الشيالين”.
لولا تعليقات تاج السر الملك الفلسفية الطريفة عنهم، التي جعلتني أرى “رقصة الضوء والظل ولادة الصوت”.

كان إذا أمطرت السماء، يتساءل:
“أسّي الشيالين ديل يكونوا عاملين كيف مع المطرة دي؟”

هم، في نظري، كانوا دائمًا هناك، خلف الأضواء، خلف الأصوات.


كأنهم تفاصيل صغيرة في لوحة كبيرة، غير مرئية للعين، لكنها تمسك بخيوط التوازن كله.

جملة تاج السر العابرة هذه كشفت لي عن عالم لم أنتبه له من قبل.
عالم لا يُرى إلا حين ينحسر وهج الضوء عن خشبة غامضة الملامح.
أو مسرح مفتعل، حيث يتشابك فيه التراب مع الخشب في انحناءة واحدة.

هناك يقف “الشيالون”، متأهبين كأعمدة مشدودة بين الأرض والسماء؛ بين الحضور والغياب.
وجوههم ليست سوى أقنعة تتوهج بلمعان موارب غريب، كأنها تتأرجح بين التواضع القسري والكبرياء المكسور.

كأنها تصرخ بما لا يُقال:
“لو لم نكن هنا، لما اكتمل وهج النجم في الضوء.
لكن الظلال التي نحياها تمنحنا دائمًا مرارة عدم الاكتمال.”

يحملون أجسادهم كأطياف.
تارة ثابتة كأنها أحجار صامدة.
وتارة تتمايل كأغصان تهتز في موجات ريح لا تُرى.
ريح تحمل معها أصداء أرواحهم المتعبة.

لا أحد يلاحظهم حقًا.
لكن وجودهم ينسج المشهد بأكمله.

حين تبدأ الأغنية، تنبعث أول زفرة موسيقية من الفنان:
“الجننني!”
كأنها نداء حياة يخترق الصمت.

يتراجع “الشيالون” خطوة إلى الوراء، يرددون:
“الجننني، الجننني… خلاني أغني”، “الجنننيييييييييييييي!”

بأصوات تتسع كدوائر في ماء ساكن.
فتمنح الكلمة معنى جديدًا.
كأنها وُلدت من جديد بين حناجرهم.

هذا التراجع ليس هروبًا، بل هو إعادة خلق للمشهد.
في تلك الخطوة الصغيرة إلى الوراء، يتحول “الشيالون” من حضور مركزي إلى ظلال تحتضن الضوء.
من أبطال إلى نسيج خلفي يجعل اللوحة ممكنة.

الظل هنا ليس عدوًا للضوء؛ بل شريكه الخفي، الكيان الذي يمنحه حدوده ومعناه.

هم يدركون، دون أن ينطقوا، أن وجودهم ليس في الضوء المرئي.
بل في الظل الذي يحدد أبعاده.
الفنان “يعلو بصوته”، يشتعل في وهجه.
فيتفاعل الجمهور معه بعاصفة من التصفيق والانفعال.

فينحسر الضوء عن “الشيالين”.
يتملكهم شعور متناقض.
خليط من الحب للفنان، إعجاب بأدائه، وغيرة خفية تحاول أن تنكر نفسها.

يرغبون في الضوء.
في أن يكونوا هناك، حيث تقف الأعين، بعيدًا عن الظل الذي خُصّوا به.
لكنه في ذات الوقت، هو الظل الذي يمنحهم هويتهم.

في أعماقهم، يعرفون أنهم هم من يمنحون صوت الفنان صدى الحياة.
يلتقطونه كنبضة، يكررونه كارتداد لا ينتهي.

لكن هذا الإدراك لا ينزع عنهم شعور المرارة.
ذلك الشعور بأنهم دائمًا خارج بؤرة السطوع.
كأنهم يطوفون حول وهج الحقيقة دون أن يُسمح لهم بالدخول.
مغلوبين على أمرهم، مكتفين بالدوران في مدارات الشك والتمني.

لكن ثمة فصول أخرى في هذه الرقصة.

حدثني المهندس الصادق ديلون، أو في رواية اخري: الصادق جالون، بلهجة ناقدة لا تخلو من الامتعاض، عن تجربة بعض “الشيالين” الذين لجأوا إلى “الكسرة” لتخفيف حدة أغاني الحماسة.

قال لي:
“ديل قالوا: غناء الحماسة ده حار شديد.
لازم نخففه بشوية كسرة.”

ثم أردف:
“كيف يمكن لفن مثل هذا أن تتسرب إليه ألوان قوس قزح؟
الحماسة كانت لونًا واحدًا، صافيًا كالنار.
كيف تجرؤ الظلال على مد يدها نحو الضوء، وهي تعلم أن طبيعتها قد تُمحى في وهجه؟”

هذه الفكرة، رغم اعتراض الصادق، تحولت إلى رمز لأداء بعض “الشيالين”.
كأنهم خرجوا من أدوارهم المحددة ليضيفوا شيئًا شخصيًا.
شيئًا يجعلهم أكثر من مجرد ظلال.
لكن في الوقت ذاته، يُدخلهم في مواجهة مع ذاتهم.

“في عالم لا يعترف بالحدود، يصبح الضوء والظل لعبة متبادلة.
واحدة تُظهر الأخرى، لكنها لا تذيبها.
كل ضوء يحلم بظل يحدده.
وكل ظل يتمنى وهجًا يُخرجه من فناء الصمت.
في هذه الرقصة الكونية، لا منتصر، بل دائرة أبدية من الفقد والرغبة.”

في جانب آخر من هذه الحكاية، حدثني كمال قسم الله عن تجربة مختلفة تمامًا.
كان ذلك في شبابه، في حفلة عرس، حيث تخلف أحد “الشيالين”.
وكان هو المرشح الوحيد لأداء هذا الدور.

رفض العرض بشدة، وأصر على موقفه.
لكن المحرضين لجأوا إلى حيلة “الشري البارد” – نوع من الخمور التي تسكن الجسد لكنها تزلزل الروح.
كانت هذه الحيلة متبوعة بحلف العريس بالطلاق.

قال لي:
“في البداية قاومت.
قلت لهم إني لا أحفظ الأغنية.
لكنهم ردوا: بأن المقطع سهل جدًا.
ما عليك إلا تردد: “كُل ما تَهِب طَرَاوة… نارنا تزيد غَلاوة.”

ضحك كمال ساخرًا وهو يروي لي القصة.
ليس فقط من بساطة الكلمات، بل من نفسه آنذاك.

في النهاية، استسلم.
اكتشف أن “الشري البااااااااارد” لم يترك له خيارًا.
قالها، ورددها، وشعر بنشوة غريبة كأنها انتصار مؤقت.
نشوة تلامس الكبرياء وتترك وراءها مرارة الظلال.

صار يتحرك مع زميله الشيّال الآخر بإيقاعات متقاطعة.
يبتكران الحركات، كأنهما راقصان في مهرجان صامت.
يدوران حول نفس العبارة: “كُل ما تَهِب طَرَاوة… نارنا تزيد غَلاوة.”
مُحدثين سيمفونية عبثية لا يسمعها إلا من غاص في ذلك العالم الضبابي بين الحضور والغياب.

“كل ظل يحمل معه ندبة من الضوء الذي تركه.
لكن تلك الندبة، برغم مرارتها، تبقى الدافع الذي يحركه نحو الأمام.
فحتى الظل يرقص، لأنه يعلم أن السكون يعني الموت.”

لكن “الشيالون” في داخلهم، هناك شيء آخر.
رقصة لا تراها العيون، مليئة بأسئلة لا إجابات لها:
“هل نحن هنا لأنفسنا؟
أم لأننا ضرورة تكمل المشهد؟
هل يمكن أن نصبح أكثر من مجرد ظلال خلف الضوء؟”

هذه الأسئلة تهدر داخلهم مع كل نبضة إيقاع.
تتصارع مع لحظات النشوة الوهمية التي يمنحها التصفيق.

يتوقف الفنان لحظة ليضيف:
“خلاني أغني.”

يرددون:
“الجنننييييييي” مرة واحدة، كأنهم يضعون نقطة في نهاية الجملة.
يختتمون دورة كاملة من المعنى.

هذا التبادل بين الفنان و”الشيالين” هو أكثر من مجرد لعبة صوتية.
إنه طقس وجودي.
رقصة كونية حيث الفرد والجماعة يذوبان في بعضهما البعض.

الفنان يمنحهم الكلمة.
لكنهم يعيدونها له أكثر عمقًا، أكثر صدقًا.
كأنها اكتسبت طبقات من المعنى أثناء عبورها حناجرهم.

وفي لحظة الصمت الأخيرة، حين تخفت الأصوات وتنطفئ الأضواء، ينسحب “الشيالين” كما جاءوا.
كأنهم لم يكونوا هنا أبدًا.

لكن صداهم يبقى.
عالقاً في الهواء، يمتزج مع الغبار، يروي أن هذه الرقصة – رقصة الضوء والظل – هي صراع أبدي.
لأن الظل، حتى وهو يتراجع، هو الذي يجعل الضوء ممكناً.

zoolsaay@yahoo.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

بعد تكفله بعلاجه | بدوي فهمي يوجه رسالة لـ ياسر جلال .. خاص

تحدث الفنان بدوي فهمي، عن حالته بعد تكفل الفنان ياسر جلال بعلاجه ونقله إلى المستشفى مؤخرا. 

وقال بدوي فهمي، في تصريح لموقع صدى البلد: «الحمدلله على كل حال.. أنا بشكر الفنان ياسر جلال وربنا يباركله ويبارك في أولاده ويرحم والديه هو إنسان محترم وبيعمل خير كتير»، موجها له الشكر على استجابته السريعة وتكفله بعلاجه. 

وأضاف بدوي فهمي، أن الفنان محمد رمضان، ساعده كثيرا أيضا، قائلا له: «ربنا يوفقك يارب انت وأستاذ ياسر جلال نفسي اشتغل معاكم لاخر يوم في عمري وانتم ساعدتوني كتير وعمري ما انسى موقفكم معايا».

كما وجه بدوي فهمي، الشكر لـ الفنان إيهاب فهمي، وأعضاء نقابة المهن التمثيلية، والعاملين بالمستشفى التي يمكث فيها على حسن رعايته. 

خلي بالك من نفسك يفتتح رحلته السينمائية بـ Sold Out في مصر والعالم العربيأنا العريس .. سمسم شهاب يطرح أحدث أغانيهحسين الجسمي يواصل صيفه السامر بأغنيتين جديدتين مع ياسر بوعليإيمان رجائي تكشف سر مد عرض مسرحية الملك لير يومين على مسرح بيرم التونسيبدوي فهمي

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حالة من التفاعل الواسع، بعد تداول مقطع فيديو جمع الفنان ياسر جلال، عضو مجلس الشيوخ، بالفنان بدوي فهمي، الذي استوقفه خلال خروجه من أحد الأماكن، مطالبًا إياه بالمساعدة في ظل الظروف الصحية والمعيشية الصعبة التي يمر بها.

وخلال الفيديو، ظهر بدوي فهمي وهو يناشد ياسر جلال قائلًا: "أستاذ ياسر.. وحياة ابنك وبنتك ما تسبنيش، أنا تعبان وبنام في الجراج، وعندي سرطان، ومعنديش دخل، وظروفي صعبة"، في كلمات مؤثرة كشفت عن حجم معاناته.

ولم يتردد ياسر جلال في احتواءه، حيث رد عليه قائلًا: "وحياة بنتي ما هسيبك وما هنساك، وعيب تقول الكلام ده.. إنت على راسي يا بدوي.. هو أنا عمري قصرت معاك؟"، مؤكدًا دعمه له وعدم تخليه عنه.

وأثار المقطع تعاطفًا كبيرًا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أشادوا بالموقف الإنساني الذي أبداه ياسر جلال تجاه زميله، مطالبين بدعم الفنان بدوي فهمي والوقوف إلى جانبه في أزمته الصحية.

ويعد الفنان بدوي فهمي من الوجوه المألوفة لدى الجمهور، إذ شارك في عدد من الأعمال الدرامية والسينمائية على مدار سنوات، ونجح في تقديم شخصيات متنوعة تركت أثرًا لدى المشاهدين.

أعمال بدوي فهمي 

ومن أبرز أعماله مشاركته في الجزء الأول من مسلسل "راجل وست ستات" عام 2007، والذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، قبل أن يواصل حضوره في أعمال درامية بارزة، منها "مع سبق الإصرار" عام 2012، و"العراف"عام 2013 إلى جانب الزعيم عادل إمام.

كما شارك في السنوات الأخيرة في مسلسلي "الفتوة" و"قوت القلوب"عام 2020، ليواصل حضوره الفني في الدراما المصرية، رغم قلة ظهوره خلال الفترة الماضية.

طباعة شارك بدوي فهمي الفنان بدوي فهمي ياسر جلال محمد رمضان

مقالات مشابهة

  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • موقف إنساني لـ تامر حسني مع شاب من ذوي الهمم
  • رشيدة وبكار.. محمد ثروت يسخر من الفيفا
  • محمد علي رزق: هيثم حسن مستقبل منتخب مصر.. وزيكو دليل على أن الاجتهاد لا يضيع
  • محمد علي رزق: منتخب مصر قدم أداء مميزا في بطولة كأس العالم
  • بعد تكفله بعلاجه | بدوي فهمي يوجه رسالة لـ ياسر جلال .. خاص
  • محمد ثروت يعلن لأول مرة مشاركته في افتتاح المونديال
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه