رئيس هيئة الرقابة المالية: تنسيق مستمر مع القطاع المصرفي لتعزيز انخراطهم في أنشطة خفض الانبعاثات الكربونية
تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT
استضافت الهيئة العامة للرقابة المالية ورشة عمل لاستعراض التجربة الرائدة لإطلاق أول سوق كربون طوعي منظم ومراقب من جهات الرقابة على أسواق رأس المال، وسعياً إلى تعريف الحضور من قيادات تنفيذية بالبنوك العاملة في مصر بالسوق وكيفية الاستفادة منه لتعزيز مستويات انخراط القطاع المصرفي في الأنشطة الهادفة إلى تحقيق الحياد الكربوني، في إطار الشراكة الاستراتيجية والتكامل والتنسيق المستمر مع القطاع المصرفي.
وألقى الدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، الكلمة الرئيسية في ورشة العمل التي استضافتها الهيئة بمقرها وقدم عرضاً توضيحياً، بحضور مسؤولي وممثلي اتحاد بنوك مصر ومجموعة من رؤساء البنوك المصرية.
قال الدكتور فريد، إن الهيئة العامة للرقابة المالية تعمل على تعزيز مستويات الاستقرار الكلي للأسواق المالية غير المصرفية والتأكد من نزاهة الأسواق وحماية حقوق المتعاملين، موضحاً أنه تم وضع كافة الأسس والمناهج الفنية الخاصة بسوق الكربون الطوعي، وفقاً للممارسات الدولية فيما يخص قياس الانبعاثات الكربونية، كما بحثت الهيئة المعايير والتجارب العالمية للتعلم والاسترشاد قبل إنشاء أول السوق، لضمان الكفاءة والفاعلية.
واستعرض الدكتور فريد خلال كلمته، تجربة إنشاء أول سوق كربون طوعي منظم، في مصر وإفريقيا من جهات الرقابة على أسواق المال. وخلال الكلمة، ميّز الدكتور محمد فريد بين أسواق الكربون الإلزامية والطوعية، فأوضح الأطر التشريعية لكل منهما وكذلك الأطراف والأهداف ومؤشرات النجاح والتسعير وآليات السوق، علاوة على الصناعات التي يغطيها كل سوق منهما.
وسلّط رئيس هيئة الرقابة المالية، الضوء على أهمية أسواق الكربون الطوعية، مثل السماح بتعويض انبعاثات الغازات الدفيئة عن طريق شراء شهادات الكربون وإعدامها، وخلق حوافز مالية للشركات للحد من انبعاثاتها بهدف خفض الانبعاثات، ودفع الاستثمار نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيات منخفضة الكربون، موضحاً أن تداول شهادات الكربون قد يخفض تكلفة تنفيذ المساهمات الوطنية في مكافحة تغير المناخ بأكثر من النصف بما يصل إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2030، وأن الأسواق تساعد على تعبئة الموارد وتقليص التكاليف بما يتيح للدول والشركات المجال لتسهيل التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
وأشار الدكتور محمد فريد إلى أن شهادات خفض الانبعاثات الكربونية (Carbon Credits) هي أدوات مالية قابلة للتداول وتمثل وحدات خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مبيّناً أن الوحدة أو الشهادة تساوي طناً من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المكافئ، وأن هذه الشهادات تصدر لصالح مطور مشروع الخفض وذلك بعد الانتهاء من أعمال التحقق والمصادقة وفقاً لمعايير ومنهجيات خفض الانبعاثات الكربونية المُعترف بها دولياً وتجريها جهات التحقق والمصادقة المحلية منها أو الدولية المقيدة بالقائمة المعدة لدى الهيئة لهذا الغرض.
وفي شأن الوصول إلى تدشين السوق، لفت الدكتور فريد، إلى أن أولى لبنات سوق الكربون الطوعي الأول من نوعه في مصر وإفريقيا، كانت استصدار قرار دولة رئيس مجلس الوزراء بشأن تعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 بشأن اعتبار شهادات خفض الانبعاثات الكربونية أداة مالية وقيام البورصة بإنشاء منصة التداول وإنشاء لجنة للإشراف وذلك كله بناء على اقتراح مجلس إدارة الهيئة ، تلي ذلك تشكيل الهيئة العامة للرقابة المالية أول لجنة للإشراف والرقابة على وحدات خفض الانبعاثات الكربونية واختصاصاتها برئاسة رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية وتضم في عضويتها ممثلي الهيئة العامة للرقابة المالية ممثلين عن وزارة البيئة والبورصة وأعضاء من ذوي الخبرة في مجال أسواق الكربون.
وتسريعاً لوتيرة تفعيل السوق الجديد لما له من دور محوري في تعزيز جهود الدولة المصرية لتخفيض الانبعاثات الكربونية، استمرت الهيئة العامة للرقابة المالية في دفع الجهود حيث أصدرت قرار ينظم معايير قيد جهات التحقق والمصادقة لمشروعات الخفض في القائمة المعدة لذلك لدى الهيئة، لتبدأ اللجنة في تلقي طلبات جهات راغبة في القيد للعمل كجهات تحقق ومصادقة أجرت لهم اللجنة مقابلات للتحقق من قدراتهم ومؤهلاتهم وهو ما أسفر عن قيد 3 جهات للقيام بمهام التحقق والمصادقة جهتين محليتين وأخرى أجنبية.
ثم أصدرت الهيئة قواعد قيد وشطب شهادات خفض الانبعاثات الكربونية بالبورصات المصرية، وكذلك معايير اعتماد سجلات الكربون الطوعية المحلية والتي تعد بمثابة أنظمة الحفظ المركزية الالكترونية تتضمن سجلات لإصدار وتسجيل وتتبع تسلسل نقل ملكية شهادات خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تنفيذ مشروع الخفض وفق المنهجيات الصادرة عن جهات وضع المعايير والمنهجيات، بالتوازي مع اعتماد الهيئة لقواعد التداول بالبورصة المصرية بعد إجراء مشاورات وتنسيقات مكثفة، واعتماد قواعد التسوية الخاصة بشهادات الكربون الطوعية بالبورصات المصرية.
أشار رئيس هيئة الرقابة المالية إلى أن الهيئة تعمل دوماً على مراجعة السياسات والإجراءات للتأكد من كفاءتها في خدمة رؤية ومستهدفات تعزيز ممارسات خفض الانبعاثات الكربونية، لافتاً إلى أن الإطار التنظيمي والتشريعي لسوق الكربون الطوعي المنظم اكتمل حالياً، موجهاً الدعوة لكافة الشركات والجهات لتسجيل مشروعات الخفض الطوعية للكربون في السوق خلال الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للرقابة المالية المتضمن كافة التفاصيل.
أوضح أن تصميم وثيقة المشروع هي أولى الخطوات لقياس البصمة الكربونية وتحديد إمكانيات خفضه للانبعاثات الكربونية من عدمه وفق المنهجية المعدة لذلك، مضيفاً أن تعزيز كفاءة وفاعلية السوق وتحقيق مستهدفاته لن يتم إلا من خلال تعزيز قدرات الحوكمة الخاصة بالتكنولوجيا المستخدمة لبناء وإدارة سجلات الكربون.
وأكد الدكتور محمد فريد أن هيئة الرقابة المالية، كانت لها الريادة إقليمياً عبر تدشين أول سوق كربون طوعي منظم في مصر وإفريقيا، تنفيذاً لما تم الإعلان عنه في مؤتمر COP 27، في إطار تمكين منفذي وممولي مشروعات خفض الانبعاثات الكربونية من مشروعات زراعية أو صناعية أو غيرها من المشروعات، من إصدار شهادات خفض انبعاثات الكربون، وبيعها في أنظمة التداول المعدة لهذا الشأن، لجذب فئات جديدة من المستثمرين المحليين والدوليين لشراء هذه الشهادات، ومن ثم تحقيق عوائد إضافية لمنفذي هذه المشروعات، وذلك بهدف زيادة معدلات الاستثمار في تلك المشروعات وتحقيق الريادة لمصر في هذا المضمار وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
ولفت إلى أن هيئة الرقابة المالية تتطلع إلى إجراء أول مزاد بسوق الكربون الطوعي، بالإضافة إلى إعداد الإطار التنظيمي لسوق شهادات الطاقة المتجددة (I-RECs).
وفي إطار تطوير سوق الكربون الطوعي، فقد تم تشكيل أول لجنة للإشراف والرقابة على وحدات خفض الانبعاثات الكربونية (CCRC) واختصاصاتها برئاسة رئيس الهيئة، وتضم في عضويتها ممثلي هيئة الرقابة المالية، وممثلين عن وزارة البيئة، والبورصة المصرية، وأعضاء من ذوي الخبرة في مجال أسواق الكربون، تضطلع بوضع القواعد المنظمة لإصدار أرصدة الكربون والإشراف عليها ومراقبتها، وضمان الشفافية والإفصاح المستمر، إلى جانب وضع معايير اختيار جهات التحقق والمصادقة لمشروعات الحد من الكربون.
واستكمالاً للجهود الرامية إلى تسريع وتيرة تفعيل سوق الكربون الطوعي المراقب والمنظم من جهات الرقابة على أسواق المال، فقد أتاحت الهيئة العامة للرقابة المالية، بموجب القرار 279 لسنة ،2024 تكوين مجموعة استشارية للجنة الإشراف والرقابة على وحدات خفض الانبعاثات الكربونية من 13 عضواً من ذوي الخبرات المحلية والدولية في المجالات المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية والتنمية المستدامة والتغييرات المناخية والطاقة النظيفة تختارهم اللجنة بناء على ترشيح من رئيس اللجنة لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد. وتختص المجموعة الاستشارية بالعمل على معاونة اللجنة في تحقيق أهدافها واختصاصاتها، وتقوم على وجه الأخص بتقديم المشورة الفنية في المجالات المرتبطة بعمل اللجنة ودراسة الموضوعات التي يتم تكليفها بها.
كانت أسفرت جهود الهيئة عن إصدار 9 قرارات حددت الإطار التنظيمي لسوق الكربون الطوعي على المستوى الإقليمي، بجانب وجود 6 سجلات كربون طوعية، فضلاً عن عمل 5 جهات تحقق ومصادقة مُعتمدة لدى الهيئة وسجلات الكربون الطوعية، مما أفسح المجال أمام تسجيل أكثر من 160 ألف شهادة كربون تفيد بتخفيض هذا الكم من الانبعاثات، علاوة على تسجيل نحو 26 مشروعاً، ووجود 6 أنواع مختلفة من المشروعات المُسجلة، وهي الزراعة المُستدامة، والتشجير وإعادة التحريج وإعادة الإنبات، والغاز الحيوي، والوصول إلى الطاقة، ومواقد الطهي، وتصفية المياه.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: القطاع المصرفي الهيئة العامة للرقابة المالية الدكتور محمد فريد المزيد
إقرأ أيضاً:
فساد وتطييف مستمر.. حوثنة شاملة تضرب مؤسسات الدولة
تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية مشروعها الطائفي التدميري عبر استهداف المرافق الحكومية الحيوية في اليمن، بما في ذلك القطاعات التعليمية والصحية والقضائية، ضمن خطة ممنهجة لإحلال عناصر موالية لها وفرض السيطرة الفكرية والسياسية على المجتمع.
وتأتي هذه التحركات في إطار سياسة متكاملة تسعى من خلالها الجماعة إلى تفريغ مؤسسات الدولة من كوادرها المهنية وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع رؤيتها العقائدية، عبر سلسلة من القرارات والتعيينات التي طالت المئات من الموظفين الحكوميين.
ولا يقتصر تأثير هذه العمليات على تعطيل العمل المؤسسي فحسب، بل يمتد ليطال طبيعة الخدمات المقدّمة للمواطنين، حيث شهدت العديد من القطاعات تراجعًا حادًا في الأداء نتيجة إحلال كوادر غير مؤهّلة أو مرتبطة تنظيميًا بالجماعة، ما أدى إلى إضعاف البنية الإدارية وإرباك سير العمل في المؤسسات العامة. وتشير تقارير محلية إلى أن هذه السياسات لم تترك قطاعًا حكوميًا دون تدخل، بدءًا من المدارس والمستشفيات، وصولًا إلى المحاكم والنيابات.
ويبدو أن الهدف لا يقتصر على الهيمنة على الموارد والإدارات، بل يمتد إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مشروع الجماعة الطائفي، عبر استخدام التعليم والإعلام والمراكز الصحية كمنصات لنشر خطابها العقائدي وخلق بيئة فكرية خاضعة لتوجهاتها. وتثير هذه الممارسات مخاوف واسعة من انعكاساتها المستقبلية، إذ يهدد هذا النهج الهوية الوطنية للأجيال القادمة، ويعمّق الانقسام المجتمعي، ويقوّض أسس الدولة المدنية القائمة على الكفاءة والمواطنة المتساوية.
فساد صحي واستنزاف مالي
ويشهد القطاع الصحي في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي حالة غير مسبوقة من الفساد المالي والإداري، وسط اتهامات متصاعدة للجماعة بتحويل المؤسسات الطبية إلى مصادر للجباية والثراء غير المشروع على حساب المرضى والطواقم الطبية.
واتهم ناشطون مؤيدون للجماعة وزارة الصحة التابعة للحوثيين بارتكاب وقائع فساد واسعة، من بينها توقيع عقود غير قانونية مع أطباء يمنيين وأجانب لا يزاولون أي مهام فعلية داخل المستشفيات والمراكز الطبية، في الوقت الذي تُفرض فيه خصومات كبيرة على رواتب العاملين الحقيقيين من أطباء وممرضين وفنيين وإداريين، ما أدى إلى تفاقم حالة السخط بين موظفي القطاع.
وتشير شهادات محلية إلى أن بعض المستشفيات في صنعاء ومحافظات أخرى تلقت شحنات أدوية منتهية الصلاحية، جرى توزيعها رغم تحذيرات طبية، وسط اتهامات بتورّط قيادات حوثية في المتاجرة بالمواد الطبية والمستلزمات العلاجية وتحويل موارد القطاع الصحي إلى قنوات مالية تخدم مصالحهم الخاصة.
وفي السياق ذاته، وثقت جهات حقوقية مئات الانتهاكات التي طالت العاملين في القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة، بينها اعتقالات لطاقم طبي، وإغلاق لمراكز علاجية، إضافة إلى قصف مرافق صحية في عدد من المحافظات، ما ساهم في تسريع انهيار المنظومة الصحية وتراجع مستوى الخدمات المقدّمة للمواطنين.
وفي تصريح لافت، كشف الناشط الإعلامي التابع للجماعة خالد العراسي عن جزء من هذه الممارسات، مؤكداً وجود "عقود وهمية" مع أطباء لا يلتزمون بالدوام، بينما تُصرف لهم مبالغ مالية كاملة، في حين تُخصم نصف رواتب السائقين والعاملين في العيادات والمختبرات والطوارئ الذين يعانون أصلاً من تدني الأجور.
وقال العراسي إن هذه السياسة انعكست بشكل مباشر على أداء المؤسسات الصحية وأوجدت حالة من الاحتقان بين الموظفين، مؤكداً أن معالجة هذه الأوضاع تتطلب "نوايا صادقة وآليات محاسبة فعالة"، بدلاً من الاكتفاء بحملات إعلامية لا تتجاوز كونها "مسكّنات" لا تعالج أصل المشكلة.
تفخيخ ممنهج للمحاكم
ويمثّل القطاع القضائي أحد أهم الأهداف التي تعمل ميليشيا الحوثي على إحكام قبضتها عليها، ضمن مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم توجهها العقائدي والسياسي. وفي هذا الإطار، شرعت الجماعة خلال الفترة الماضية في تنفيذ أوسع عملية لإحلال كوادر موالية لها داخل المحاكم، عبر توزيع أكثر من 80 فردًا من خريجي كلياتها ومعاهدها الدينية على عدد كبير من محاكم العاصمة والمحافظات، في خطوة وُصفت بأنها "عملية تفخيخ" ممنهجة للقضاء بعناصر مؤدلجة تفتقر للتأهيل القانوني المتخصص.
وبحسب مصادر قضائية، فإن جزءًا كبيرًا من هؤلاء المنتسبين هم خريجو دورات دينية وتأهيلية نظمتها الجماعة، وتكاد أعدادهم تساوي دفعات "المعهد العالي للقضاء" من حيث العدد، رغم الفارق الواسع في المستوى العلمي والمحتوى القانوني. وتخشى الجهات القضائية المحايدة أن يؤدي هذا الإحلال المتسارع إلى تحويل المحاكم إلى أذرع تنفيذية للجماعة، تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على ممارساتها السياسية والأمنية.
ولا تقتصر عملية الهيمنة على إدخال عناصر جديدة فحسب، إذ كشفت مصادر في وزارة العدل والأمانة العامة لمجلس القضاء الأعلى عن عرقلة متعمّدة لإصدار قرارات ترقيات وتسويات وظيفية تخص أكثر من 800 قاضٍ منذ ستة أشهر، رغم اعتماد مجلس القضاء الأعلى لها رسميًا. ووفق المصادر، فإن مكتب الرئاسة التابع للجماعة يرفض تمرير القرار إلى رئاسة المجلس السياسي الأعلى، في سلوك يُنظر إليه على أنه محاولة واضحة لإضعاف القضاة المستقلين وفتح المجال أمام كوادر الجماعة للصعود إلى مناصب قضائية حساسة.
وتُعد هذه الممارسات بحسب مختصين "ضربة خطيرة لاستقلالية القضاء" وتدخلاً مباشرًا في مسار العدالة، إذ يُفترض قانونًا أن تُنفّذ قرارات الترقيات فور صدورها من مجلس القضاء الأعلى، دون تدخل من أي جهة تنفيذية. ويرى مراقبون أن هذه السياسات، إذا استمرت، ستقود إلى تفريغ السلطة القضائية من استقلالها المهني، وتحويلها إلى مؤسسة خاضعة بالكامل لتوجيهات الجماعة، بما يسمح لها باستخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم وإعادة هندسة البنية القانونية للدولة.
التعليم: إحلال وتطييف ممنهج يقوّض هوية الأجيال
يمثل القطاع التعليمي أحد أكثر القطاعات استهدافًا من قبل ميليشيا الحوثي، التي تواصل تطبيق سياسات إحلال واسعة النطاق لإعادة تشكيل البيئة المدرسية بما يخدم رؤيتها الفكرية. فخلال الأشهر الأخيرة، كثّفت الجماعة عمليات استبعاد المعلمين والكوادر الإدارية، سواء أولئك الذين اعتُقلوا أو اضطروا للفرار خشية الملاحقة، واستبدلتهم بعناصر موالية لها، رغم افتقار العديد منهم لأدنى مؤهلات العمل التربوي.
ولا تقتصر سياسات الجماعة على إعادة توزيع الكوادر، بل تمتد إلى إعادة صياغة المناهج الدراسية وإدراج مواد ومفاهيم ذات طابع مذهبي وسياسي يهدف إلى صناعة جيل مؤدلج، إضافة إلى فرض اختبارات مركزية تُستخدم كأداة لقياس مدى التزام المعلمين بالخطاب العقائدي للجماعة، وليس بمدى كفاءتهم التعليمية. كما أصبح الولاء السياسي معيارًا رئيسيًا للتوظيف والترقية داخل المدارس، لتحويل العملية التعليمية إلى أداة طيّعة لترسيخ توجهاتها.
وفي محافظة إب، نفذت الجماعة حملة إحلال وظيفي واسعة تستهدف المعلمين والكوادر التعليمية والإدارية الذين اعتقلوا أو فرّوا، واستبدلتهم بعناصر موالية غير مؤهلة تعليمياً. وتعمل الجماعة على تطييف المناهج الدراسية وإجراء اختبارات مركزية لمراقبة الالتزام العقائدي للمعلمين، مع جعل الولاء السياسي المعيار الرئيسي للتوظيف والترقية.
وحذر ناشطون تربويون من أن هذه السياسات تهدد هوية الطلاب، وتعيد إنتاج خطاب متشدد في المدارس، معرّضة الأجيال القادمة للسيطرة الفكرية الطائفية، داعين المجتمع المدني وأولياء الأمور للتحرك لوقف الحوثنة وضمان تعليم حر وموضوعي.
وأكدوا أن هذه السياسات تُعد الأخطر على مستقبل الطلاب، إذ تؤدي إلى تفريغ التعليم من محتواه الوطني والمعرفي، وتُحِلّ مكانه خطابًا متشددًا يعمّق الانقسام الاجتماعي ويهدد الهوية الجامعة. كما يخشى المختصون من أن تتحول المدارس إلى بيئات تجنيد فكري، يتم فيها إنتاج أجيال يسهل التحكم بها عبر خطاب طائفي مغلق.
ودعا الناشطون ومنظمات مجتمع مدني إلى ضرورة التحرك العاجل لمواجهة هذه الممارسات، مؤكدين أن استمرار "حوثنة" التعليم سيخلّف أضرارًا بعيدة المدى على بنية الوعي العام، ويقوّض فرص بناء مجتمع مدني حر قادر على التفكير النقدي، مطالبين ببرنامج وطني لحماية المدارس وضمان حق الطلاب في تعليم قائم على الموضوعية والحياد والقيم الوطنية الجامعة.
مخاطر وخطوات مستقبلية
ويحذّر خبراء ومراقبون من أن استمرار هذا النهج في قطاعات التعليم والصحة والقضاء سيُفضي إلى نتائج كارثية على بنية الدولة اليمنية الهشة، إذ يؤدي الاعتماد المتزايد على الولاءات الطائفية بدلاً من الكفاءة إلى تفريغ المؤسسات الحكومية من خبراتها وتحويلها إلى أدوات تعمل لخدمة مشروع جماعة مسلحة خارج بنية الدولة. ويرى الخبراء أن هذا المسار يهدد بتفكك المنظومة الإدارية، ويُفاقم الأزمات الخدماتية التي يعانيها السكان، ما يضع ملايين اليمنيين أمام مستقبل أكثر قتامة.
كما يشير مختصون إلى أن سياسات الإحلال والحوثنة تمثل خطوة متقدمة نحو إعادة هندسة المجتمع فكريًا وسياسيًا، الأمر الذي قد يُنتج أجيالاً مقطوعة الصلة بهويتها الوطنية ومرتبطة بمشروع طائفي يرفض التعددية ويُقصي المخالفين. ويؤكدون أن ترك هذه الممارسات دون مواجهة سيعزز مناخ الاستبداد ويُقوّض أي إمكانية لبناء دولة حديثة.
وفي ضوء ذلك، يشدد خبراء على ضرورة أن يضطلع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية بدور أكثر فاعلية في تتبع الانتهاكات وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة، إلى جانب الضغط لوقف سياسات الإقصاء والتطييف، ووضع آليات رقابة مستقلة تكفل الحفاظ على مهنية القطاعات الحيوية. كما يطالبون بضرورة دعم المبادرات المجتمعية الهادفة إلى تعزيز قيم المواطنة، لضمان عدم انزلاق البلاد نحو مزيد من التشظي والانقسام.