حين علَّقَ أفلاطونُ في كتابه «الجمهورية» على انهيار أخلاقيات مدينته شبَّهَ المجتمعَ بسفينة غيَّبَ عنها البحَّارةُ خريطتَها، فاختلط الأفقُ عليهم بين اليمين واليسار. وإذ نُزْحِلُ هذا التشبيهَ إلى القرن الحادي والعشرين نجدُ أنفسَنا على سفينة تُبحر بمحركات نووية، وشرائح سيليكونيّة مذهلة، ولكنها ما انفكَّت تُطوّح بنا في لُجّة رمادية بلا بُوصلة أخلاقية، فتربك عالَمنا، وتفكك ضوابطه المجتمعية.
لعلّ المطلعَ على تاريخِ البشرية يدرك أن الصراع بين المبدأ والمصلحة موغلٌ في القِدم؛ فمن مذابحِ أثينا بين الأثينيّين والإسبرطيين إلى حروب القرون الوسطى حيث علَّقَ الصليبيون لافتةَ «بالصليبِ ننتصر»، وأطلقوا شعار «إنها إرادة الرب»؛ لتبرير زحفهم الصليبي إلى القدس، وإفسادهم في الأرض باسم الدين؛ لتستكمل البشريةُ صراعها في عصرنا الرقمي، فأضافت لهذا الإرث المظلم طبقةً تستعصي على الإدراك الحسي، فكانت «الأتمتة الأخلاقية» التي تجعل القتلَ، والتحيُّزَ عمليةَ ضغطِ زرٍّ، أو تلقين الخوارزمية بسطرٍ برمجي، وبيانات كبيرة. فحين يطلق الكيانُ الصهيوني طائرةً مُسيّرةً فوق أرض يسكنها مدنيون عزّل؛ كان بتوجيهه للمسيّرة القاتلة وخوارزمياتها منطلقات غير أخلاقية؛ ليخترقَ بمسيّرته زرقةَ السماء، ويسوّي البيوت الآمنة بالأرض، فتُبرز هذه المفارقةُ ما وصفه عالِمُ الاجتماع البولندي «زيغمونت باومان» بـ«الحداثة السائلة»؛ حيثُ يتحوّل العنفُ إلى نبضاتٍ إلكترونية تُغشّي البصيرةَ عن فداحة الأثر.
أضحى الإنسانُ في زمن «أمازون» و«علي بابا» مُصنَّفًا في جداول «تحليل سلوك الزبائن» بحسب الحداثة، وتكرارِ الشراءِ، وقيمتهِ RFM (Recency Frequency, Monetary) ؛ فلم تعدِ الحريةُ في قاموس السوق إلا «حق الاختيار» بين ألفِ سلعة متشابهة في حين تُساق الرغبةُ ببرمجياتِ تنبّؤٍ نفسي تفكّك عقلنا غير الواعي إلى مخزونٍ من البيانات. وكما حوَّل عالِمُ السلوك الأمريكي «جون كالهون» فئرانَ تجربته الشهيرة (Universe 25) إلى كائنات استهلاكية كسولة قبل أن تنهار بيئتها؛ فكذلك يحوّل اقتصادُ المنصّات البشرَ إلى مستهلكين بلا جذور، ولا أفق قيميّ، ونستحضر ما قاله «جورج أورويل» في روايته «1984»: «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل. ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي»؛ فكان يلمح لحذف الحقيقة، وإبدالها بسردية رسمية. ويذهب عالَمُنا اليوم إلى أبعد من ذلك؛ فلم تعد الحقيقةُ ذاتُها شيئًا ينبغي حذفه، وإنما شيء يُتلاعب به حتى التلاشي. راقب فريق من معهد «MIT» فجوةَ نشرِ الأخبارِ المزيفة مقابل الأخبار الحقيقية على منصة «أكس» في الفترة 2006-2017 عبر تحليل نحو 126000 منشور بواسطة 3 ملايين مستخدم، فوجدوا أن الأخبار الكاذبة يعاد نشرها بنسبة أعلى بـ 70٪ مقارنة بالحقيقية، وتصل الأخبار الزائفة إلى 1500 مستخدم أسرع بـ 6 مرات من وصول الأخبار الحقيقية إلى نفس العدد. ولكون الدماغ البشري فُطرَ على البحث عن الاتساق؛ سيقبل الجمهورُ نظريةَ المؤامرة إن كانت أكثرَ اتساقًا مع مخاوفهم، ولو هُدمت براهينُها مرارًا.
قدّم «ستيف جوبز» هاتفا ذكيا، فكان -عند كثيرين- بمنزلة «أداة الحياة»، فإذا بالأداة تتحوّل إلى غرفة مرايا يحدّق فيها الفردُ فلا يرى غير ذاته مُعَدَّلة بـ «فلاتر» منصات وسائل التواصل. وبشّرت «دونا هاراوي» في «بيان السايبورغ» عام 1985 بولادة كائن هجين يتخطّى الثنائيات، فوصفت «السايبورغ» بأنه كائن ما بعد حداثي، وما بعد إنساني، لا ينتمي إلى نموذج الهُوية الثابتة، وإنما يتقاطع مع الواقع التقني البيولوجي السياسي. ولكن الهجين اليوم يُخشى أن يتخطّى جوهرَ إنسانيته، ويكفي أن ننظر إلى تقارير منظمة العفو الدولية الخاصة بخوارزميات الشرطة التنبؤية التي تستهدف أحياء الأقليات، أو إلى فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» التي كشفت كيف يُصاغ الرأيُ العام؛ للتأثير على العقل الجمعي وتوجهاته. وبالتالي؛ فإن الأتمتة بدل أن تحرّرنا من العمل الشاق يمكن أن تقودنا إلى عبودية معرفية جديدة تُدار بلغة «البايثون Python» لا بالسلاسل والسياط.
استشرف «إيمانويل كانط» في كتابه «نقد العقل العملي» أنّ الأخلاقَ لا تأتي من الخارج، ولكن من صوت داخلي سماه «الضمير»، وهذا ما نفهمه من مقولته الشهيرة: « شيئان يملآن العقل بالدهشة: السماء المرصّعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي». فمهمةُ عصرنا تفريغ الضجيج الرقمي حولنا حتى نسمعَ ذلك الصوتَ مجددًا، ثم نسأل: ما قيمة النصر إذا فقدنا ذواتنا؟ وما قيمة الذكاء إذا غاب التعاطف؟ وما قيمة الحقيقة إذا صارت أداةً لتسويق الوهم؟ وعلى مشارف عام 2026 تأخذ البشريةُ صورةَ عملاق تقني بقدمين من طين قيميّ، فتُخطط لرحلات سياحية إلى المريخ، ولكنها تعجز عن حقن الأمل في مخيمات النزوح على الأرض، وتُنفق تريليوناتها على التجارة الكربونية؛ لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري وتقليلها، وفي حين تسهو عن أطفالٍ يموتون عطشًا وجوعا وقتلا في غزة. ومع كل تحديث لنظام تشغيل هواتفنا يُحدَّثُ نظامُ تشغيلِ عقولنا ببرمجيات تسطيح جديدة.
ورغم ما نجده من تفكك أخلاقي في عالمنا المعاصر لسنا -نحن المسلمين- بمنأى عن هذا الانهيار الأخلاقي العالمي؛ فلعلّنا أضحينا في قلبه الأكثر انكشافًا لا لأن ديننا يفتقد منظومةً أخلاقيةً، ولكن لأننا -في مفارقة موجعة- هجرنا جوهر تلك المنظومة، وبقينا أسرى قشورها. جاءت آيات القرآن مفصلةً لبوصلة الأخلاق الكبرى، فأسّست بذلك مبادئ أخلاقية تحفظ للإنسان حقوقه وكرامته، وتُنزل الإنسان منزلته بوصفه إنسانًا قبل أن يُوصف بانتمائه، ولكن ما نراه اليوم في كثير من ساحاتنا الدينية لا يعكس هذه المبادئ إلا في لافتاته؛ فانقلب الخطابُ من نداءِ رحمةٍ إلى أدوات تعبئة، ومن دعوة إلى الوحدة إلى أدوات فرز واستقطاب، فصار الدين في بعض وجوهه شعارات جافة تُجزئ الأخلاق، وتُسعر الكراهية، وتمنح القتل أحيانا صبغة دينية مشروعة؛ ولهذا نرى الفجوة بين الوحي والسلوك، وبين القيم المعلَنة والممارسة الواقعة، لنكشف عن هزيمة داخلية مزدوجة تتمثّل في هزيمة في الوعي، وهزيمة في الضمير؛ فبدلًا من أن تكون الدعوة بابًا للخير تحوّلت -عبر بعض منصّاتها الرقمية- إلى منابر للشحن الطائفي، والتضليل الأخلاقي، ولسنا بحاجة إلا إلى إلقاء نظرة فاحصة على واقع المنصّات المعاصرة؛ لندرك هذا المنزلق.
فهل نجرؤ على الاعتراف -كما اعترف سقراطُ أمام محكمة أثينا- بجهلنا الأخلاقي؟ وهل نملك الشجاعةَ لنعيد بناء العالم على أساس «إنسانية الإنسان»، لا على أرباحِ المجمعات الصناعية-الرقمية؟ إن السؤال لا ينتظر جوابًا نظريًا، ولكنه فعلا يتجلّى في سياسات تُعيد توزيعَ الرعاية، وتعليمٍ يُنمّي الحكمة، وخوارزميات تُربّى على الشفقة كما تُربّى على الكفاءة، فإلى أن يحدث ذلك سيظلّ العالمُ بكل أضوائه الباهرة عالَمًا ليس أخلاقيا، وسيظلّ القلمُ الحرّ ينتفض ليقولها -مرة بعد مرة-؛ لعلّ الاعترافَ أولُ الطريق إلى الخلاص.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: یسیطر على
إقرأ أيضاً:
الحرس الثوري الإيراني يوسّع هجماته على قواعد أميركية بالأردن ويُدمّر مركز بيانات في الإمارات
أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم، أن قواته الجوفضائية شنت هجوماً جديداً بالصواريخ والمسيّرات استهدف قاعدتين عسكريتين أميركيتين في الأردن، هما “الملك فيصل” و”الأمير حسن”، وذلك في إطار ما وصفته بـ”الرد على اعتداءات العدو”.
وذكر بيان للحرس أن المرحلة الأولى من الهجوم أسفرت عن تدمير حظيرة لتجهيز طائرات F-15، وإلحاق خسائر بـ8 طائرات أميركية بدون طيار من طراز MQ-9، بالإضافة إلى تضرر طائرتين أخريين بشكل كبير. كما استهدف هجوم منفصل حظيرة مروحيات، ما تسبب بأضرار جسيمة لمروحيتين ثقيلتين، بينما أدى استهداف مركز إيواء قوات أميركية إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم.
وأكد الحرس أن “عملية معاقبة المعتدي مستمرة”، محذراً من أن استمرار الاعتداءات قد يدفع إيران إلى تنفيذ “عملية قادمة” تضع الولايات المتحدة في حالة حداد عام.
على الصعيد الدبلوماسي، اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية واشنطن بانتهاك القانون الدولي، معتبرة أن الهجمات والتهديدات الأميركية المتكررة ضد المنشآت النووية الإيرانية، خصوصاً في منطقة “كولانغ” التي لا تشهد أي نشاط نووي، ما هي إلا ذرائع للعدوان.
وفي تطور لافت، كشف العميد شكارجي، المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، عن تدمير مركز بيانات ضخم تابع للعدو في الإمارات، خلال ما أسماه “الحرب المفروضة الثالثة”. وأوضح أن المركز استُحدث على مدى 20 عاماً بدعم واستثمارات أوروبية وصهيونية وأميركية، بهدف السيطرة على المنطقة، مؤكداً أن “خمسة عقود من الاستثمارات الأميركية في المنطقة ذهبت أدراج الرياح مع تدمير قواعدها”.
في غضون ذلك، حذّرت المهمة البحرية الأوروبية “أسبيدس” من ارتفاع خطر استهداف السفن المرتبطة بمصالح إسرائيلية أو أميركية أو سعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، داعيةً إياها إلى تجنب الإبحار هناك إلى حين انخفاض مستوى التهديد. وأشارت بيانات تتبع السفن إلى أن أربع ناقلات عدّلت مسارها بعد تحذيرات مماثلة من جماعة “أنصار الله” للسفن المتجهة إلى الموانئ السعودية.
من جهته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن بلاده لا تزال منفتحة على التفاوض مع إيران، لكنه اتهم طهران بعدم الجدية في المحادثات، مشيراً إلى أن التصعيد الحالي عطّل اثنين من أهم ممرات الطاقة في العالم.
الأربعاء, 22 يوليو 2026 - 8:00 م0 104 فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست Reddit واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة تسجيل 23 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا في خمس محافظات خلال الساعات الماضية الأربعاء, 29 سبتمبر 2021 - 4:19 م بوادر انفراج في العلاقة ما بين قطر ودول “الحصار” الخميس, 27 فبراير 2020 - 12:58 م عودة ٣٥ ألف مغترب يمني من السعودية خلال الثمانية أشهر الماضية الخميس, 7 سبتمبر 2023 - 12:06 ص اخر تحديث مسائي لاسعار صرف الريال اليمني امام العملات الأجنبية في كلا من صنعاء وعدن الإثنين, 18 أكتوبر 2021 - 3:22 م اترك تعليقاً إلغاء الردلن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق *
الاسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
شاهد أيضاً إغلاق الأخبار ترامب يشترط انضمام السعودية للاتفاقية الإبراهيمية للموافقة على اتفاق نووي معها الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:25 م جديد الأخبار ترامب يشترط انضمام السعودية للاتفاقية الإبراهيمية للموافقة على اتفاق نووي معها الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:25 م عُمان تحيي الوساطة .. ومحاولات لنزع فتيل التصعيد بعد حصار البحر الأحمر الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:00 م أكثر من 2300 مستوطن يقتحمون الأقصى بحماية الاحتلال.. والأوقاف تحذّر من “التقسيم الزماني والمكاني” الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:45 م الحصار البحري يتوسع: من هرمز إلى البحر الأحمر .. والنفط في أعلى مستوى منذ 6 أسابيع الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:24 م القمة النسوية اليمنية تُثمّن إسهامات الزهراء لنقي في دعم السلام وتعزيز مشاركة النساء في اليمن الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:21 م الأكثر قراءة خلال اسبوع الأخبار ترامب يشترط انضمام السعودية للاتفاقية الإبراهيمية للموافقة على اتفاق نووي معها الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:25 م عُمان تحيي الوساطة .. ومحاولات لنزع فتيل التصعيد بعد حصار البحر الأحمر الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:00 م أكثر من 2300 مستوطن يقتحمون الأقصى بحماية الاحتلال.. والأوقاف تحذّر من “التقسيم الزماني والمكاني” الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:45 م الحصار البحري يتوسع: من هرمز إلى البحر الأحمر .. والنفط في أعلى مستوى منذ 6 أسابيع الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:24 م القمة النسوية اليمنية تُثمّن إسهامات الزهراء لنقي في دعم السلام وتعزيز مشاركة النساء في اليمن الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:21 م اظهر المزيد
فيسبوكتويترتيلقرام
موقع حيروت الإخباري خيارك الأفضل لتصفح آخر الأخبار المحلية، العربية والعالمية من مصدرها
جميع الحقوق محفوظة © حيروت الأخبار من مصدرها 2026، عن الموقع سياسة الخصوصية اتصل بنا فيسبوك تويتر واتساب تيلقرام زر الذهاب إلى الأعلى إغلاق البحث عن: فيسبوكتويترتيلقرام إغلاق بحث عن